المطران يوسف توما
موعظة الجمعة العظيمة 18 نيسان 2014
كاتدرائية قلب يسوع، كركوك
لماذا نعيد تكرار الجمعة العظيمة في كل سنة؟
لكي نتذكر، فالنسيان آفة، والإنسان عندما لا يتذكر يعاني إما من مرض أو من مشكلة كبيرة، ما أكثر من يعاني من النسيان، فيحاول أن يسجّل ويحفظ، والدراسة منذ طفولتنا تعلمنا أن لا ننسى، والعلم في الصغر كالنقش على الحجر. لكن السؤال هو ماذا نتذكر؟ وماذا يجب أن ننسى؟
كثيرون يتذكرون أشياء مهمة وآخرون أشياء بلا أهمية، أو لا فائدة فيها، وأحيانا يتذكرون أشياء مضرة ومؤلمة، مثل هذا الذي لا ينسى حدثا مؤلمًا أو صدمة أو كلمة أو خيبة من محبوب ... هذا يتمنى أن ينسى، يتوسل أن ينسى يحاول وأحيانا يعاني، فتراه يهرب من كل ما يثير عنده الذكرى فيجرب أن يتهرب فيغوص في الكآبة ويعيش على حافة الحياة.
الجمعة العظيمة أيضًا كانت صعبة على أصدقاء يسوع: تلاميذه، أمّه مريم، أقاربه، كل الذين أحبوه، لوقا يقول لنا: شعروا بالعجز، فحاول قسم منهم الهرب، كتلميذي عماوس أو حبسوا أنفسهم في العلية، خلف أبواب مغلقة... مع ذلك، عندما سيظهر لهم يوم القيامة ماذا فعل؟ ذكّرهم، وقال: إلمسوني أنا هو، أنا المصلوب، لا تقفوا عند حدود الألم والحسرة والحيرة والبكاء، أعبروا، لا بالنسيان بل بالعكس بالتذكر: تذكروني، أنقلوا هذا الخبر إلى الأرض كلها. وها نحن مثل كل سنة نعمل هذه الذكرى.
إنها أيام الفصح، والفصح يعني العبور، فالإنسان عابر، كلنا "عابرون"، وهذا مفتاح كل الكتاب المقدس، من يريد أن يفهم، كلا العهدين، الأول والأخير، لأن العبور يعكس حقيقة كل علاقة وهذه حقيقة كل إنسان، مع أن حلم كل إنسان أن يبقى ليرتاح. يقول الكتاب: لا تقف، تأمّل، وحتى الله توقف يوم السبت ليتأمل، التوقف إجباري، طوبى لمن يفهم. بعد الأسبوع الأول: أسبوع الخلق، يأتي الأسبوع الثاني، أسبوع الخلاص.
كل شيء في أسبوع الخلاص يشير إلى الخلق، بدأنا بالسعانين بأناشيد الفرح والتمجيد فاكتشفنا سرّ شخصية يسوع، ثم بدأنا برياضة الآلام كي نفهم الخوف والقلق وسينتهي بنا الأسبوع بالعبور إلى سر القيامة.
كان يسوع قد أعد تلاميذه إلى هذا الأسبوع، فحياته العلنية كلها كانت تدريبًا لهم، علمهم كيف يقرأون العلامات، واتخذ من أبسط الأمور أمثلة له فقال: "إنّ حبة الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تمت تبق واحدها، وإذا ماتت، أخرجت ثمرًا كثيرًا" (يو 12/24). بهذا المثل البسيط كشف يسوع من هو الإنسان ومن هو الله، والجمعة العظيمة هي بالحقيقة كشف لهاتين الحقيقتين:
من هو الله؟
الله الذي كشفه يسوع ليس إلهًا مخيفًا متسلطًا باردًا... كما يتصوّره بعضهم. بل هو إله يعطي ويحبّ إلى أقصى الحدود (البارحة). لله قانون وضعه حتى في أصغر الأشياء، حتى في "الحبة" التي فيها شيئان: شيء يؤكل وآخر يبقى لا يزول، في الحبة قابلية لفائدة الحاضر وقابلية أخرى للمستقبل، وفي كل حبة عناد للبقاء، إنه قانون الله، قانون حبّة الحنطة، لكنها مدعوة في كلتا الحالتين إلى أن تعطي حياتها: إما أن تصير طعامًا أو أن تصير سنبلة. ويسوع يعتمد على هذه الحبة كي يشرح معنى حياته هو، فهو مثلها يبذل حياته بالموت وبالتضحية، وفي صليب يسوع نكتشف هذا الحاضر اللامتناهي، أي أن يسوع الآن باق معنا، وهو بذلك يكشف حضور الله، حضور الحب، مثل "الأب" الذي يعمل من الصباح حتى المساء كي يكسب قوتَ أولاده، وإذا ناموا ليلة بلا طعام، سيخرج حتى في الليل ليعمل المستحيل. هذا الحاضر هو مهم جدًا: والله أيضًا "آب"، قبل كل شيء يهمه ما نأكل وما نشرب وما نلبس. والمسألة ليست فكرية، بل واقعية وعملية.
لكن هناك جانب آخر هو الامتداد نحو المستقبل، يقول لنا يسوع: تعال أعلمك كيف تتأمل وتسجد وتشكر. بلا هذه الثلاثة لا يوجد مستقبل، يقول لنا لا تقلقوا على ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون، فأبوكم السماوي يعلم حاجتكم، أي لا تتوقفوا فقط عند الحاجة في الحاضر: إنما "أطلبوا ملكوت الله وبرّه، والباقي يزاد لكم، أي تعال "أعبر" إلى الجانب الثاني من حبة الحنطة، حاول أن تنظر إلى المستقبل الذي فيك، فقد وضعت في داخلك قابلية المستقبل، بالتكاثر وانجاب الأولاد، لكن عليك أن تموت مثل الحبة عن نفسك كي تربيهم، وترفعهم وترسم لهم المستقبل، وبموتك يحيون، وهكذا يسوع يعلمنا، فعندما نقف أمام الصليب وننظر إليه بملء أعيننا، نراه يفنى كحبة الحنطة، كي يعطي ثمارًا للمستقبل، فاصبح هو مستقبلنا، يعلمنا أن الله نزل وتجسد بشكل عجيب وتنازل عن نفسه: "أخلى ذاته (أفرغ نفسه) متخذًا صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (فيلبي 2/7).
القسم الثاني
من هو الإنسان؟
إذن من خلال مثل حبة الحنطة كشف لنا يسوع من هو الله، ومن خلال هذا المثل كشف أيضًا من هو الإنسان: نحن أيضًا، ككل البشر: نحب الناس (بدأ من أسرتنا) ونريد أن يحبنا الناس، كل الناس، كل واحد منا "تعجبه نفسه"، ونتعلق ونهتم ونقلق على ما يفيدنا، نتمنى ونشتاق لمحبينا، ونريد أن نبقى معهم، لا نحب الفراق ولا الزعل ولا المجافاة، كلها من أشكال الموت، نحب الموت من أجلهم، فنقول: "أموت عليك"، فنستعد إلى الموت والتضحية.
هكذت يكمل يسوع كشف سرّه (من خلال السرّ الذي وضعه الله في حبة الحنطة) فيقول لنا: "من أحبّ نفسه خسرها، ومن أنكر نفسه (من أجلي) في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية". أي لم يخلق الإنسان لأجل ذاته، بل هدفه وغايته أن يحبّ ويكون محبوبًا، وقمّة الحب هي أن يموت في "الآخر". بالنسبة إلينا أيضًا لا يوجد حبّ أعظم من "الموت" من أجل من نحبه. هذا هو قانون حبة الحنطة، هي: إما أن تؤكل حالا أو أن تموت لتعطي ثمرًا جديدًا، وهذا ينطبق علينا أيضًا، لأننا خلقنا على صورة الله. من يحيا فليعش ملء الواقع والحاضر، وعليه أن يرفض أن يتعامل مع أي من أشكال الموت، والبغض والكراهية (لاحظوا هذه الوردة إذا سحقتها لن تعط سوى رائحة طيبة)، من لا يعطي يعني أنه عقيم، وهو يبقى وحده، وهذا سبب الكآبة المتفشية بين الناس، خصوصًا الأغنياء منهم.
ويسوع لا يحكي هذا المثل لأنه يحبّ التناقض، وعندما يقول: من أحبّ حياته أهلكها. فهو يعرف أنها حقيقة عادية بشرية موجودة في قلب كل محبّ حقًا. الموت الحقيقي ليس موت الجسد، إنما الموت الحقيقي في العقم، في رفض الحب والعطاء، في الاكتفاء بحب الذات، أو بحب هزيل مفصّل على مقاس ضيق مثل ثوب فاشل لا يتطابق على مقاسي (إما لا أدخل فيه أو فضفاض لا يلائمني)، الموت هو الإنطواء الأناني على ذاتي، هو إشباع غرائزي الصغيرة، هذا هو طريق الضياع.
هكذا سرّ حبة الحنطة يجمع بين سرين: سرّ الله وسر الإنسان معًا، ويجمع أيضًأ بين زمنين الزمن الحاضر وزمن المستقبل، بين مستقبلي أنا كي أنضج فلا أخاف من شيء لا المرض ولا الشيخوخة، ولا الموت، فالله في النهاية هو مستقبلي وهذا ما يعني الكلام عن الحياة الأبدية: فهذه الحياة هي أن "يعرفوك أنت الإله الحق وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته، يسوع المسيح" (يو 17/3).
سر الفصح يجمع بين الله والإنسان
البارحة "خميس الفصح" عشنا سرا يختلف عن سر اليوم "الجمعة العظيمة"، لكن كلاهما وجهان لحقيقة واحدة: في خميس الفصح يسوع يعرف ماذا يعمل، هو واعي بكل معنى الكلمة، رأينا أنه أحب إلى أقصى الحدود أحب الإنسان في جسده ورأينا أن أجساد البشر هي جسد واحد جمعها في عملية "غسل الأرجل" ورأينا في ذلك شحنة طاقة حب ليس له مثيل، قدأس الخميس يعطي ضوءًا لفهم الإنسان، وظلمة "الجمعة العظيمة"، تضيء ليلنا لنفهم من هو الله (مثل النجوم لا نراها إلا في الليل: إنه ليل الإيمان العزيز على كل المتصوفين والروحانيين.
كثيرون يعيشون في الليل ولديهم سؤال صعب: لماذا نحن هنا على هذه الأرض، لماذا الحروب؟ لماذا الموت؟ "إلهي، لماذا تركتني"، يقول يسوع: المشكلة لا تحل بقتل الآخر، إعكس الآية عِوض أن تقتل الآخر، ضحّ بنفسك، أعط حياتك إصرف وقتك، إهتم زور المرضى، دافع عن المسكين والأرملة واليتيم، سامح، عَزّ، أسند الضعفاء... هكذا ستفهم الله وستصير: حبًا في الحاضر، تخلّ عما لا فائدة منه، ضحّ بالحاضر، لا تتقاتل على ما في الدنيا، قاوم التجربة، أحبب بلا حساب، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك في المستقبل، هو سيجازيك، إتكل عليه، فما خاب من وضع رجاءه في الرب.
خاتمة
موت يسوع المسيح إذن علامة، والصليب حقيقة جوهرية: الألم الشنيع والموت . . الصليب شجرة يابسة قبيحة، لكنها حملت ثمرة رائعة لم تسقط على الأرض، ولم تفسد بل صعدت إلى السماء، شجرة الموت أولدت الحياة، شجرة جديدة لعهد جديد ينظر فيها الإنسان إلى حاضره التعيس لكن له مستقبل.
هذا هو سر المسيح، سر حاضر دائم ومستقبل آت، لم نفهمه بعد: الحياة الحق لا تولد إلاّ من موته ومن قيامته. حياة مسيحية قد يكون فيها ما هو مقلقل ومزعج لراحتنا الصغيرة، لكنها تدعونا إلى قبول بعض الحرمان من أجل حياة الآخرين اليوم ومن أجل حياة حقيقية في المستقبل، هي لا تحتقر أفراح البشر، لكنها تفتحها إلى الأبدية، مثل حبة الحنطة إن لم تقع وتموت لن تحيا.
ليس الصليب إذن مجرد تذكار نحمله، إنه اختيار لطريقة عيش، الصليب ثورة من داخلنا، لسعادة لا تتحقق بما نملك بل بما نحن، وبما سنصير. "الفات مات" والآتي مجهول ما عدا درب الصليب، هو دربنا طريق به نتوجّه نحو بناء حياة أفضل، لنا ولمن نحبهم، فلا نضيع وقتنا في طرق أخرى.
قال يسوع: "أنا إذا ارتفعت، رفعت إليّ الناس أجمعين"، حتى اللص سيدخل في فرح ملكوته، (كياسا)،. . . هو صار الثمرة الأولى لشجرة الصليب، نظر إليه ففهم: "اليوم تكون معي في الفردوس"، سأل القديس أوغسطين في إحدى مواعظه هذا اللص قائلا: "أين درستَ يا لص، ومن أفهمك كل هذا، فقال عنه: "لم أدرس ولكن نظر إليّ يسوع، ففهمتُ"، المسألة هي إذن في النظر، نحن ننظر إليه وهو ينظر إلينا، هو يفهمنا ونحن نفهمه.
هذه هي صلاتي من أجلكم اليوم: كل واحد منكم أن يصل إلى معرفة الله، الذي شبه نفسه بحبة الحنطة، نزل بحيث صار قريبًا حتى من الأطفال والمساكين، لم تعد الديانة أوهامًا وأصنامًا ولا أقوالا وحكايات وقصص وأساطير. إنما واقعًا عمليًا مليئًا بالدروس، الديانة حذر من التجارب والفخاخ التي تتولد خلال خدمتنا ومسارنا، فلا نعتبر أنفسنا قد وصلنا ولا نعتد بما قطعنا من أشواط، إنما نقول: "نحن عبيد بطالون"، هدفنا الخدمة، في مسار إيماني فقط.
ليسوع قدرة على غفران الخطايا: يخلصنا من إحساس الخطيئة الذي يعذب ضميرنا. يسوع يعالجنا ويحررنا ويقدم حلا لمشاكلنا البشرية جسدية كانت أو نفسية أو روحية. لأقل له:
"قد أتيت منطرحا أمامك أطلب رحمتك وشفاءك وغفرانك، إمنحني صحة وسلاما وعافية، أدخل إلى بيت الآب الذي يحضنني ويقبلني ويأمر بالوليمة لي.
سأعلن وأبشر بحبك وعفوك وغفرانك. سأكون رسولا لحبك وحنانك، سأبشر باسمك إخوتى وفى وسط الجماعة سوف أسبحك. عظيم أنت يا يسوع ، كبيرة هي رحمتك، جزيل تحننك، حرّرني من العبودية وحوّل العقوبة إلى خلاص، أغفر لي خطاياي، واكسوني بثوب برّك، لأني أعترف لك بذنوبي وآثامى، وأطلب منك بثقة أن تمنح فرحا لكل الحزانى والمتضايقين والمتألين، أهد المتخاصمين، فعندك وحدك السلام، ورحم موتانا لأن عندك وحدك ينبوع الحياة. آمين.