بروباجندات الحكام الدينية والسياسية - غازي الصوراني


المحرر موضوع: بروباجندات الحكام الدينية والسياسية - غازي الصوراني  (زيارة 2954 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل العراقي2009

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 496
    • مشاهدة الملف الشخصي
فاطمة الفلاحي في  حوار مع غازي الصوراني
 
بعنوان :
بروباجندات الحكام الدينية والسياسية
 
 
 عن موقع الحوار المتمدن
 
 
1.هل تختلف أدوار الأوجراء بين الشعوب لتمرير بروباجندات الحكام الدينية والسياسية باختلاف الأزمنة ؟
نعم تختلف أدوار الأوجراء بين الشعوب لتمرير برامج الحكام باختلاف الأزمنة من جهة وباختلاف خصوصية تطور المجتمعات من جهة ثانية، إذ أنني لا استطيع الاقرار بصحة قوانين عامة تتحدث عن مسار موحد وسمات مشتركة لشعوب العالم في سياق تطورها التاريخي.
وعلى الرغم من انحيازي المعرفي –بالمعنى الموضوعي- لتحليل الفيلسوف كارل ماركس للأنماط أو التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية للبشرية في كوكبنا ، بدءاً من النمط المشاعي ثم العبودي والاقطاعي وصولاً إلى النمط الرأسمالي ثم الاشتراكي، إلا أنني أرى أن هذه السلسلة من انماط التطور التي تنطبق على المجتمعات الأوروبية بحكم طبيعة تطورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي  والخصوصيات المشتركة فيما بينها، إلا أنها بالتأكيد لا تنطبق على مجتمعات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عموماً ، ومجتمعاتنا العربية خصوصاً.
فالتطور الاجتماعي الاقتصادي في المجتمعات العربية يختلف في شكله وجوهره عن تلك التشكيلات التي تناولها كارل ماركس في إطار المادية التاريخية، حيث لم تشهد مجتمعاتنا نمطاً عبودياً، بمعنى استخدام العبيد في العملية الانتاجية ، وكذلك الأمر لم تشهد نمطاً اقطاعياً على شاكلة النمط الاقطاعي الذي عرفته أوروبا، بل كان أقرب إلى النمط الريعي أو النمط الأسيوي للإنتاج ، حيث انحصرت العلاقات الانتاجية والاجتماعية في كلا النمطين لنوع من المركزية الشديدة التي سادت في التاريخ القديم (ق.م.) في مصر والعراق، ثم امتدت وتواصلت في الدولة والدويلات الإسلامية عبر تكريس مظاهر التفرد والاستبداد التي نلاحظ آثارها ومفاعليها المتراكمة في كافة الأنظمة العربية في التاريخ الحديث والمعاصر مع اختلاف اشكال الاستبداد والقهر، حيث نلاحظ أن الصراع الطبقي في بلادنا ليس صراعا حصريا بين البروليتاريا والبورجوازية كما هو في البلدان الصناعية ، بل هو صراع تختلط فيه العوامل الاقتصادية مع العوامل الدينية ضمن تطور اجتماعي مشوه تختلط فيه الانماط الطبقية القديمة والحديثة والمعاصرة (النمط القبائلي وشبه الاقطاعي والرأسمالي التابع والكومبرادوري).
لذلك نجد العديد من الباحثين يتحدثون عن "الاقطاع الشرقي" والنموذج الآسيوي ، والاقطاع القبلي ، والاقطاع العسكري والمجتمع المحكوم بالعلاقات الرأسمالية المشوهه .. والمجتمع المتعدد الانماط ...الخ. وهنا أستلهم تحليل المفكر العربي عالم الاجتماع العراقي علي الوردي.
واليوم ونحن في مطلع الألفية الثالثة، تتعرض مجتمعاتنا العربية، من جديد، لمرحلة انتقالية لم تتحدد أهدافها النهائية بعد، على الرغم من مظاهر الهيمنة الواسعة للشرائح والفئات الرأسمالية العليا، (أو الأوجراء حسب السؤال) بكل أشكالها التقليدية والحديثة، التجارية والصناعية والزراعية، والكومبرادورية والبيروقراطية الطفيلية، التي باتت تستحوذ على النظام السياسي، وتكيفه حسب مصالحها ومصالح الحكام في البلدان العربية ، بما ادى إلى إعاقة أيَّ تحول ديمقراطي حقيقي في مجتمعاتنا التي اندمجت أو تم إلحاقها بصورة ذيلية تابعة  للنظام الرأسمالي المعولم من جهة، من ثم تكريس مظاهر التبعية والتخلف والاستبداد الأبوي والطائفي على الصعيد المجتمعي بأشكاله المتنوعة من جهة أخرى، من خلال التكيف والتفاعل بين النمط شبه الرأسمالي الذي تطور عبر عملية الانفتاح والخصخصة خلال العقود الثلاثة الماضية، وبين النمط القبلي /العائلي، شبه الإقطاعي، الريعي، الذي ما زال سائداً برواسبه وأدواته الحاكمة أو رموزه الاجتماعية ذات الطابع التراثي التقليدي الموروث، ما يعني بكل وضوح أن كافة الرموز والشرائح الطبقية السائدة في مجتمعاتنا العربية، تختلف جذرياً عن الشرائح الطبقية السائدة في المجتمعات الرأسمالية، لكنها بالمقابل تتفق أو تتقاطع مع مثيلاتها في أوساط الشعوب المتخلفة والتابعة في البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا من حيث تبريرها وتمريرها لبروباجندات الحكام الدينية والسياسية والثقافية انعكاساً للمصالح الاقتصادية المشتركة بين الشرائح البورجوازية العليا عموماً والشرائح الكومبرادورية والطفيلية خصوصاً.
ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم، زمن الحداثة والعولمة وثورة العلم والمعلومات والاتصال، يشهد مجتمعنا العربي من خلال أولئك الأوجراء أو الشرائح الطبقية السائدة، عودة الى الماضي عبر تجديد عوامل التخلف فيه، لم يعرف مثيلاً لها في تاريخه الحديث منذ مائة عام أو يزيد، فهو الى جانب ترعرع الأنماط القديمة القبلية والحمائلية والطائفية، والأصولية والتعصب الديني، يوصف اليوم بحق على أنه مجتمع مرحلي، انتقالي، تراثي، شديد التخلف وعميق التبعية ، مع استمرار تزايد انتشار مظاهر الفقر والبطالة والجهل والأميه، الأمر الذي عزز دور الأوجراء في ركوب موجة السلفية الرجعية التي قامت بدورها المرسوم في تمرير بروباجندات الطبقة الحاكمة ومصالحها الطبقية عبر خطاب ديني شكلاني نجح في تفكيك وحدة المجتمع وتفتيته وانقسامه إلى مذهبيات وطوائف دينية وعشائرية محكومة للصراعات الدموية والارهاب البشع كما هو الحال في معظم الدول العربية بدرجات متفاوتة ، عبر شرائح طبقية أو أوجراء لا هَمَّ لهم سوى الحفاظ على مصالحهم الطبقية الأنانية، واستمرار مراكمة ثرواتهم غير المشروعة في إطار تحالفهم واندماجهم وحرصهم في الدفاع عن النظام أو الطاغية (ملكاً أو رئيساً أو أميراً أو شيخاً)، وتمرير بروباجنداته بأشكال ديماغوجية مزيفة ومخادعة تخاطب عفوية الجماهير الشعبية وبساطتها وايمانها الشديد بالغيب والقضاء والقدر.
من هنا ليس من المبالغة القول، إن هناك تحالفا موضوعيا بين احتكار السلطة عبر الأوجراء واحتكار الحقيقة عبر النظام المستبد. فهما يكملان بعضهما البعض ، لا يعيشان إلا معا ولا يتواجدان إلا متجاورين ومتضامنين، ويتغذيان من نتائج عملهما المتبادل.
 فبقدر ما يجرد الطغيان السياسي الفرد من وعيه وضميره وحسه النقدي، أي من إرادته واستقلاله، يحوله إلى لقمة سائغة لأصحاب المشاريع الدينية أو المشاريع السياسية الهابطة بصورة إكراهية وبدواعي الحرص على تأمين لقمة العيش.
وبالطبع فإن هؤلاء الأوجراء أو الشرائح الطبقية العليا، بحكم تبعيتهم للخارج، ليسوا معنيين أبداً البحث عن قاعدة اجتماعية حاملة للمشروع الديمقراطي الليبرالي من داخل مجتمعاتهم ، بل توقفوا فقط عند الجانب الاقتصادي الرث منه بما يخدم مصالحهم الانانية ، ومن ثم أصبح التحالف مع النظام الامبريالي في موازاة  تدعيم السلطة الاستبدادية ،  شرطان لازمان لبقاء الرأسمالية التابعة نفسها في وجه الاحتجاج والتذمر الاجتماعي الشعبي المستمر ، الذي مازال عاجزاً عن تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بسبب غياب القوى الديمقراطية اليسارية وبديلها الشعبي، الأمر الذي يفتح الأبواب مشرعة أمام قوى الثورة المضادة والصراعات الطائفية الدموية والمزيد من تفكك الدولة الوطنية، ومن ثم بروز أوجراء أو قوى طبقية "جديدة" في خدمة بروباجندات الحكام "الجدد" لحساب المزيد من التخلف والتبعية والاستبداد.
وهذا يدفعني إلى الحديث عن القوى الطبقية المهيمنة في الوضع العربي الراهن، حيث تتصدر الساحة السياسية العربية مجموعتان تختلفان شكلاً رغم جوهرهما الواحد : مجموعة الرأسماليين (كومبرادور وطفيليين وبيروقراطية عسكرية ومدنية) المنضوين تحت لواء السلطة أو أنظمة الحكم، ومجموعة الرأسماليين المنضوين أو المتنفذين في قيادة حركة الإخوان المسلمين (رغم القاعدة الشعبية الفقيرة والبرجوازية الصغيرة لهذه الحركة). أي أن الساحة السياسية العربية مُسَيْطَر عليها عملياً من جانب قوة واحدة (عبر برنامجين: اليمين "العلماني"، واليمين الديني) وهى الرأسمالية الطفيلية والكومبرادورية بالتحالف مع البيروقراطية العسكرية والمدنية الحاكمة ، وكلاهما لا يتناقض في الجوهر مع الإمبريالية والنظام الرأسمالي مع اختلاف زاوية ومرجعية كل فريق عن الاخر.
 إن هذه القوى الرأسمالية بجناحيها " اليميني العلماني " و" اليميني الديني او الاسلام السياسي " – في كل بلدان الوطن العربي - لا تملك في الواقع مشروعاً حضاريا او ديمقراطيا وطنياً مستقلا نقيضاً للنظام الامبريالي الرأسمالي، كما أنها لا تملك أيضاً مشروعاً تنموياً ينهي التبعية ويتجاوزها صوب مبدأ الاعتماد العربي على الذات، فالتنمية عندها هي ما تأتي به قوى السوق المفتوح والمبادرات العشوائية للقطاع الخاص المحلي الكومبرادوري الذي لا يستهدف سوى تحقيق الربح، حتى لو كان على حساب دماء الكادحين والفقراء من ابناء الطبقات الشعبية، إلى جانب حرصهما على تشجيع نشاط المستثمرين الأجانب، الذي لا يتفق ومتطلبات الاقتصاد الوطني والقومي ، بقدر ما يتفق واستراتيجيات الشركات المتعدية الجنسية الكبرى في تحقيق أكبر ربح على الصعيد العالمي، في إطار تطبيق مقولة الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبنا من ناحية، وإبقاء شعوبنا أسيرة لآليات التخلف والتبعية والاستغلال واحتجاز التطور من ناحية ثانية، في مقابل حرص القوى الإمبريالية على تقديم كل مقومات القوه لدولة العدو الإسرائيلي تكريساً لدورها ووظيفتها في خدمة الأهداف الإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي.
 


 
2. إن التاريخ هو سيرورة اضعاف أو مسيرة علمنة وخيبة أمل بحسب الفيلسوف الإيطالي جيانتيريزو، وما التاريخ بحسب المفكر السياسي غازي الصوراني ؟
اعتقد أن وصف التاريخ على أنه "سيرورة اضعاف أو مسيرة علمنة وخيبة أمل" يندرج تحت ما أسميه نزوة رغبوية ذاتية في تفسير التاريخ، وكأنه العنصر الرئيسي المباشر في إدارة العملية التطورية للبشر في كوكبنا الأرضي، وهي نزوه ارادوية تلغي او تتجاوز المفاهم المُؤَسِّسة أو الصانعه للتاريخ ، وأقصد بذلك ، القوى المنتجة وانماط وعلاقات الانتاج ، وقبل كل شيء الصراع الطبقي والتناقضات التناحرية وغيرها ، الكامنة في اطاره ضمن البنى التحتية (المادية والانتاجية) والبنى الفوقية الفكرية والقانونية المنعكسة عنها.
وإذا كان السياق التطوري للمجتمعات البشرية في المنظور العام على هذه الشاكلة، فإن خصوصية التطور في كل مجتمع من المجتمعات عموماً ، وبين المجتمعات الرأسمالية المتقدمة والمجتمعات التابعة والمتخلفة خصوصاً، تفرض مساراً وسيرورة للتاريخ تختلف باختلاف تطور المجتمعات ، بحيث يمكن القول، إن إبراز حركة التاريخ وسيرورته رهن بطبيعة تطور المجتمع ، أو هي بالأحرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع تقدم أو تخلف الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية والفكرية التي تحدد أو تصنع معالم التاريخ وسيرورته في هذا المجتمع أو ذاك.
وهنا أشير إلى ان الفيلسوف الايطالي جيانتيريزو (المعروف بـ "فاتيمو") يُعَرِّف التاريخ (حسب السؤال المطروح أعلاه) من منظور أيديولوجي بحيث يصبح التاريخ ملحقاً للأيديولوجيا ، على النقيض من رؤية كارل ماركس التي أنهت الحاق التاريخ بالأيديولوجيا ، عندما انطلق من الأسس المادية العلمية (الاقتصادية الاجتماعية) لتطور التاريخ، وبذلك صاغ ماركس القواعد الأساسية لميدان كان قد بقي حتى ذلك الوقت موضع حلم أو تفسير ذاتي او ارادوي، بدل أن يكون موضع استكشاف فعلي من قلب العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمعات في مرحلة زمانية محددة، وهذا ما حصل بالفعل على أثر تراجع ثم اضمحلال قوى الانتاج والعلاقات الانتاجية ومن ثم العلاقات الاجتماعية في المرحلة الاقطاعية في أوروبا التي امتدت تقريباً منذ القرن الرابع الميلادي حتى نهاية القرن السابع عشر، وبزوغ عصر النهضة أو ما يعرف اليوم بالحداثة من قلب العلاقات الرأسمالية الجديدة انعكاساً قوياً لمصالح البورجوازية الناهضة منذ نهاية القرن السابع عشر.
فعلى الصعيد التاريخي في عصر النهضة ، بدأت الحداثة بادراك مادية الطبيعة ومحورية الإنسان، بعد أن فقدت الكنيسة تأثيرها على عقول الناس في أوروبا، ذلك إن عنصراً أساسياً من عناصر الحداثة هو اكتشاف قيمة الفرد بوصفه ذاتاً خلاقة، فالفرد وفق الحداثة تنبع قيمته من ذاته لامن ملّته ولا من قبيلته، وهذه الفكرة الحداثوية الجوهرية بما تحمله من مفاهيم الديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني لم تتبلور بعد في مجتمعاتنا العربية، بسبب استمرار فواتها وتخلفها ورفض الشرائح أو القبائل والعائلات والأنظمة الحاكمة في بلادنا العربية لتلك الأفكار، حفاظاً على مصالحها الطبقية الأنانية الخاصة عبر تكريس كل مظاهر الاستتباع والتخلف والاستبداد والقمع وفق مقتضيات تحالفها الاستراتيجي مع النظام الامبريالي ضد مصالح وتطور شعوبها، كما نلاحظ بوضوح لدى أنظمة الخليج والسعودية من ناحية ولدى أنظمة الاستبداد من ناحية ثانية، التي ترفض كلياً مفاهيم وأفكار الحداثة والديمقراطية والعلمانية ، مما أدى إلى تكريس ما أسميه مجازاً تعطيل وإعاقة حركة التاريخ في بلادنا، من خلال هيمنة عقلية الصحراء المتخلفة (وأقصد بذلك ملوك وأمراء السعودية والخليج الى جانب حركات الاسلام السياسي التي ترفع شعار الخلافة!) بحيث يصح القول أن الصحراء تحكم المدينة أو تتحكم في التطور الحديث أو كما يقول ماركس "الميت يحكم الحي" ، إذ أن "هذا الميت" الصحراوي مازال أصحابه من ملوك وأمراء وشيوخ القبائل العربية ، حتى اللحظة يتحركون في حلقة دائرية تعيد انتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي وتجدده، في محاولة منهم التهرب من تحدي الحداثة، بالعودة إلى تراث انتقائي موهوم استطاعت التيارات الأصولية اعادة زراعته وانتاجه بالتنسيق مع تلك الأنظمة في قلب عفوية الجماهير الشعبية، باستحضار التاريخ الماضي بصورة رثة، بذريعة العودة إلى اصول الايمان والاعتقاد.
ولا آخال نفسي مختلفاً في المضمون أو الدلالات عن جوهر أفكار الفيلسوف الايطالي فاتيمو التي تنتمي – في قسم منها- إلى الفكر الحداثي عموماً والفلسفة الماركسية خصوصاً، لكنني اختلف بالتأكيد مع طروحاته الفكرية التي تنتمي إلى ما يسمى بفلسفة ما بعد الحداثة . خاصة وأنه يربط بين العدمية وحقيقة التاريخ، معتبراً أن التاريخ هو مسيرة علمنة وخيبة أمل، لكنه يرى "أنها مسيرة تفترض قراراً بنبذ العنف"، وهو قرار ينطلق من دعوة ارادوية ذاتية ومثالية في آن واحد ، على الرغم من أنها تحمل ابعاداً ومضامين انسانية الطابع، لكنها تتجاوز طبيعة الصراعات السياسية والطبقية المتفاقمة انعكاساً لمصالح الرأسمالية العالمية في الظروف الراهنة، والدور الامبريالي المتحكم في موازين القوى العالمية حتى اللحظة ، وتأثيره الفعال – المباشر وغير المباشر- في التخطيط والتنفيذ لعمليات عدوانية عنيفة تكريساً لضمان "ديمومة" مصالحه في بلادنا ، إلى جانب دوره المعروف في إثارة واشعال أبشع مظاهر العنف الدموي، الطائفي والاثني والمذهبي، التي باتت اليوم عنواناً بارزاً في العديد من البلدان العربية بديلاً عن الصراع الطبقي ، وبديلاً عن الصراع العربي ضد الامبريالية والصهيونية.
وهنا بالضبط يتجلى العنف كظاهرة مرتبطة بنزوع النظام الامبريالي الدائم صوب التوسع والسيطرة على ثروات ومقدرات شعوب العالم الفقيرة، ما يعني ان الدعوة إلى نبذه، مسألة تندرج ضمن رؤية انسانية مثالية نبيلة على المستوى الذاتي، لكنها مستحيلة التحقيق بحكم تناقضها مع الطبيعة العدوانية للنظام الامبريالي ، وهي طبيعة تستدعي ممارسة العنف الثوري المضاد من قبل الشعوب المضطهدة في مجابهة هذه العدوانية وفك الارتباط وكل اشكال التبعية مع ذلك النظام وذلك هو الطريق الوحيد صوب تحويل مجرى تاريخنا العربي المعاصر من سيرورة الاضعاف والاستسلام إلى سيرورة التحدي المعتمدة على الذات وتحديد مصيرنا الراهن المستقبلي برؤية نهضوية وديمقراطية وانسانية، وعند ذلك فقط يمكن الحديث عن نبذ العنف وفق رؤية وممارسة واقعية ثورية بعيداً عن الأوهام المثالية أو العدمية المنسجمة مع أفكار "ما بعد الحداثة"، وهي عندي ليست سوى نوع من الانحراف عن مجرى فلسفة الحداثة ومسارها التطوري اللانهائي .
وهنا بالضبط يتحدد الدور الطليعي -الراهن و المستقبلي- للمثقف العربي الماركسي الثوري الديمقراطي –بالمعنى الجمعي، العضوي، الحزب- لمجابهة هذا الواقع المأزوم والثورة عليه وتغييره انطلاقاً من رؤية واضحة ومحددة تقوم على القطيعة المعرفية والسياسية مع مفاهيم التاريخ الماضي من خلال القطيعة الثورية مع كل الأنظمة الرجعية وأنظمة الاستبداد والتبعية والتخلف والتوريث من جهة ، والقطيعة الكلية والشاملة مع كل أشكال ومظاهر التبعية أو التحالف (مهما كانت المبررات) مع مجمل نظام العولمة الإمبريالي ، و النظام الرأسمالي أو ما يسمى بالاقتصاد الحر والليبرالية الجديدة من جهة ثانية ، ما يعني أن هذه الرؤية الثورية الديمقراطية هي في ذات الوقت رؤية تاريخية حداثية تقدمية راهنة يتوجب أن تنطلق بداية من الغاء النظام الرأسمالي باعتباره نظاماً للاستغلال والقهر والقمع والاستبداد والافقار ، وبالتالي فإن النضال السياسي والديمقراطي والمجتمعي والكفاحي ضد الوجود الامبريالي، هو شرط أول يتوازى ويندمج تماماً مع هدف التغيير الديمقراطي صوب تحقيق أهداف الثورة الوطنية والقومية التحررية والديمقراطية العربية في بلادنا، وذلك انطلاقاً من وعينا بضرورة العمل على مراكمة العوامل الموضوعية والذاتية لتحقيق هذه الرؤية الثورية الهادفة إلى تغيير مجمل العلاقات الاجتماعية القديمة وتحطيمها على طريق بلورة علاقات وقوى انتاجيه وبنى فوقية تكون قادرة على اشتقاق مسار وسيرورة تاريخنا المعاصر بعيداً عن كل خيبات الأمل أو سيرورات التراجع والاضعاف .
 


 
3. هل هناك في عُرف دول العالم المتقدمة من عقد قران بين النظامين الرأسمالي والديموقراطي؟
 
لاشك أن انتصار الثورات السياسية البورجوازية الديمقراطية في أوروبا نهاية القرن الثامن عشر دشّن ميلاد عصر جديد في هذا الكوكب، هو عصر النهضة والتنوير والديمقراطية والمواطنة ، حيث انتقلت أوروبا من مجتمع الطبيعة المحكوم لنظرية الحق الالهي إلى المجتمع المدني أو مجتمع الديمقراطية.
ويبدو أن هذه النشأة التاريخية المتفاوتة لكل من الديمقراطية الحديثة والبورجوازية كرّست لدى العديد من المفكرين تلك الثنائية أو عقد القران بين النظام الرأسمالي والديمقراطية، وهذا صحيح جزئياً ، لأن الديمقراطية الليبرالية في النظام الرأسمالي ، منذ ولادته إلى يومنا هذا ، كانت –ولا تزال- شرطاً من شروط السوق الحر والمنافسة بين الأقوياء لضمان عملية التوسع الرأسمالي كما عبر عنها "آدم سميث" في مقولته "دعه يعمل .. دعه يمر"، إلا أن هذه العملية الديمقراطية  لم يكن ممكناً تطبيقها بصورة كليه على كافة الشرائح والطبقات الاجتماعية بوتائر متساوية ، لأن جذر الديمقراطية الرأسمالية ينمو ويكبر من خلال المنافسة بين الرأسماليين، او المنافسة بين الأقوياء ، في إطار قانوني أو دستوري يغلق الأبواب في وجه أي برنامج نقيض للمصالح الرأسمالية، ما يجعل من امكانية تطبيق الديمقراطية على جميع أفراد المجتمع مسألة نسبية بالغة التعقيد، مثالي على ذلك تجربة الديمقراطية الليبرالية الغربية عبر المجالس أو البرلمانات المنتخبة التي جاءت دوماً تجسيداً لمراكز القوى الرأسمالية عبر المنافسة بين الأقوياء عبر حزبين رئيسيين –غالباً- كما هو حال المجتمعات الغربية الرأسمالية عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً، انها إذن برلمانات القوى الرأسمالية ، التي لا تتيح المجال لأي سلطة في هذه البلدان بعيداً عن سلطة وقوة رأس المال.
وهنا بالضبط نلاحظ ان عقد القران بين النظام الرأسمالي والديمقراطية هو في حقيقته عقد قران بين شرائح الرأسمالية العليا المتنفذة أو نسبة 10% من مجموع السكان على الأكثر، وبين الديمقراطية الليبرالية، إذ أن وجود البرلمان المُعَبِّر عن مصالح الشريحة الرأسمالية العليا، ليس ضمانة في حد ذاته على وجود وانتشار الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي في المجتمع، حيث يمكن – والأمثلة كثيرة على ذلك- ان يستخدم البرلمان أداة لطمس جوهر الديمقراطية الاجتماعية والحفاظ على شكلها السياسي فقط .
لكن على الرغم مما تقدم ، لا أستطيع انكار أو تجاوز تطور انتشار وتكريس الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، كما لا أستطيع – وهذا هو الأهم- انكار إقراري واقتناعي –بالمعنى الموضوعي- بمعاني ومضامين العقلانية والحرية الفردية والتعددية السياسية والفكرية وحق الاقتراع والانتخابات التي تجلت وتفتحت في التجربة الديمقراطية الغربية، في موازاة الهيمنة البورجوازية الرأسمالية والملكية الخاصة والاستلاب في إطار المجتمع المدني البورجوازي والصراع الطبقي والتفاوت الهائل بين الثروات والدخل أو بين الطبقات الرأسمالية والطبقات الفقيرة ، بما يكرس شكلانية الديمقراطية الليبرالية، ويعري التناقض بين المساواه المواطنية وبين الصراعات والتناقضات الطبقية التي لا يمكن حلها إلا بإلغاء تلك التناقضات وتحقيق الانعتاق الاجتماعي عبر الثورات الشعبية الديمقراطية.
وفي هذا السياق لابد من اقرارنا بأن النظام الرأسمالي الذي استطاع الخروج – حتى اللحظة- من كل أزماته التي تعرض لها في التاريخ الحديث والمعاصر، ونجح في إعادة مراكمة شروط الرأسمالية من جديد عبر توفير الفرص الجديدة من خلال استغلال فائض القيمة للشعوب الفقيرة ، ومن خلال التطور العلمي الهائل، إلا أن هذا النظام بعد أن تعرض لأزمته الكبرى عام 1929 بدأ في تطبيق العديد من القوانين والأنظمة التي تحد من بشاعة الاستغلال وفق مقترحات وأفكار عالم الاقتصاد الانجليزي "جون مينارد كينز"، الذي دعا إلى ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد ، والبدء بتطبيق العديد من الامتيازات والضمانات التي تكفل حداً معيناً من العدالة الاجتماعية للعمال والعاطلين عن العمل ، مما أدى إلى خلق ما يسميه الفيلسوف الأمريكي "هربرت ماركيوزه" الانسان ذو البعد الواحد عبر التطور النوعي لقوى الانتاج وارتفاع الدخل في أوساط العمال ، والآثار الناجمة عن ذلك في التغيير التدريجي التراكمي الذي عزز استقرار البنية التحتية الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية التي انتجت بدورها بنية فوقية موازية على صعيد الثقافة النخبوية والشعبية في المجتمعات الرأسمالية استطاعت –بتأثير وسائل الإعلام وضعف أحزاب اليسار- وإضعاف التناقضات الطبقية الحادة والصراع الطبقي ، وخاصة في الدول الاسكندنافية (النرويج والسويد والدنمرك) ، الأمر الذي أدى – لدى البعض- بتكريس عقد القران بين النظامين الرأسمالي والديمقراطي بصورة شموليه بكل مكونات المجتمع ، وهو استنتاج خاطئ، يقفز ويتجاوز عن الحقيقة الموضوعية التي تؤكد –عبر الوقائع- على أنه عقد قران بين الطبقة السائدة والنظام ضمن سقف محدد لا يسمح أبداً بتطوير الديمقراطية والحريات - في أوساط العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة- من شكلها السياسي إلى مضمونها الاجتماعي والطبقي.
وفي هذا السياق علينا أن نتوقف ونتأمل بوعي نتائج المتغيرات النوعية في بنية النظام الرأسمالي العالمي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وآثارها ليس على قوى الانتاج المادي والسلعي فحسب، بل آثارها العميقة على تحويل العلم والمعرفة والتكنولوجيا إلى قوه انتاجية هائلة، حيث لم تعد الأصول الرأسمالية التقليدية عاملاً رئيسياً وحيداً في البنية الرأسمالية في ظل بروز دور تكنولوجيا العلم والمعلومات كقوة انتاجية استطاعت أن تفرض نفسها على مجمل الأوضاع الاجتماعية والطبقات والمفاهيم في المجتمعات الرأسمالية بما يزيد من تعزيز "عقد القران" بين الديمقراطية والرأسمالية بعد أن بدأت التغيرات في بنية الطبقة العاملة، الصناعية التقليدية (البروليتاريا) لصالح أنواع جديدة من الأعمال والتخصصات لدى ذوي الياقات البيضاء من المهندسين والعاملين في قطاعات الانتاج الإلكتروني ، والمعلومات والاتصالات.
أخيراً .. إن الديمقراطية تفترض إلغاء جميع المطلقات ، وفي المقدمة منها عقود "عقد القران"، وإحلال محلها مطلق وحيد هو حرية الفكر والرأي في جميع الميادين, فالديمقراطية ليست سوى تحرير الذهن من أحكام مسبقة مهما كانت, وبالتالي فإن العلمانية شرط لا مفر منه ولابد من أن يترافق معها, هذه العلمانية تفترض فصل شؤون الدين كعقيدة فردية عن شؤون الدولة, وإقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي ذي طابع اجتماعي... مدني بحت ، مع التأكيد على ان الديمقراطية بدون تأمين وتطبيق مضمونها الاجتماعي لمصلحة الفقراء ، فانها تتحول الى ديمقراطية ليبرالية تسخدم جسرا لتكريس التبعية، ولا تتجاوز الحرية فيها حرية قبول قواعد الرأسمالية المعولمة وشروطها، وفي هذه الحالة ستؤدي هذه الديمقراطية الليبرالية الى مأزق اجتماعي حاد تخطى "عقد القران" المؤقت بينها وبين النظام الرأسمالي .
على أي حال ، إن كل ديمقراطية كشكل من أشكال التنظيم السياسي للمجتمع تخدم الانتاج في النهاية، وتتحدد في النهاية بالعلاقات الانتاجية في مجتمع معين ، ومن ثم فمن الجوهري تقدير التطور التاريخي للديمقراطية الاجتماعية وعلى طابع الصراع الطبقي ومدى حدّته.
والأهم من ذلك أن الديمقراطية في الأنظمة الرأسمالية لا يكون لها وجود في الحقيقة إلا بالنسبة لأعضاء الطبقة المسيطرة، القادرين على الدخول إلى ملعب المنافسة الرأسمالي . فالديمقراطية في المجتمع البورجوازي – مثلا – شكل من أشكال السيطرة الطبقية (وليس عقد قران) من جانب البورجوازية. وتريد البورجوازية أن تكون الديمقراطية – حتى حد معين – أداة لحكمها السياسي. فهي تضع دستورا، وتشكل برلمانا وغير ذلك من الأجهزة النيابية، والحريات السياسية الشكلية. ولكن مكاسب الجماهير الشعبية للاستفادة من كل هذه الحقوق والمؤسسات الديمقراطية تُنْتَقَصْ بشتى الطرق، حيث يمارس الجهاز البيروقراطي – الأمني- "الديمقراطي" لجمهورية بورجوازية أسلوباً معينا يشل النشاط السياسي للعمال وجماهير الفقراء والكادحين، ويقصيه عن الشؤون السياسية. وليست هناك ضمانات للحقوق السياسية المعلنة رسميا. ومما يميز الديمقراطية البورجوازية النظام البرلماني – أي فصل السلطتين التشريعية والتنفذية – مقرونا بنمو متميز نسبيا للأخيرة منهما، من هنا حرصنا –كمثقفين وقوى يسارية عربية- على تطوير مفهوم الديمقراطية ونقله من طابعه السياسي البرجوازي الشكلي ، إلى جوهره الحقيقي الذي تتوحد فيه الحريات السياسية جنباً إلى جنب مع قضايا التوزيع العادل للثروة والدخل وتكافئ الفرص والمساواة وكافة اوجه العدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.
 
 
 
 
 


 
 
4. لماذا العمل السلعي ينشأ الإستلاب ؟ وهل هو من ضروريات استمرار الرأسمال وتوسعه؟
سأتعاطى في اجابتي على هذا السؤال من تشابك وتداخل مفهوم الاستلاب (وكذلك مفهومي الاغتراب والتشيؤ) مع مفهوم الاستغلال حيث يؤدي كل منهما إلى نفس المعنى والمضمون، وبالتالي فإن تعريف الاستلاب أو الاستغلال هو : الاستيلاء على فائض القيمة، وهي عملية تتم ضمن وسائل متنوعة من أهمها عملية الانتاج (العمل) السلعي .
يقول ماركس:"إن فائض القيمة يجب أن يفهم على أساس افتراض أن السلع تتبادل بقيمتها وإلا فلن يفهم أبداً. لكن ماهي السلع؟ هي منتجات العمل التي تتبادل في الأسواق. هذه المنتجات نافعة, فهي ذات قيمة استعمال, وهي قابلة للتداول,فهي ذات قيمة مبادلة.
نشأ الإنتاج السلعي الرأسمالي تاريخياً من الإنتاج السلعي البسيط, ليصبح الإنتاج لسلع أي لمنتجات معدة للبيع في السوق, وليس للاستهلاك الشخصي، وبالتالي فإن أساس الإنتاج السلعي الرأسمالي هو العمل المستأجر مقابل أجر، كما يفترض الإنتاج الرأسمالي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل. وبقدر تطور التقسيم الاجتماعي للعمل سعة وعمقاً يتطور الاقتصاد السلعي الرأسمالي  وفق الصيغة التالية : نقود- سلعة- نقود أكثر، من خلال تراكم الاستيلاء على فائض القيمة، أو الاستغلال أو الاستلاب الناشئ عن الانتاج السلعي.
إن الاستغلال أو الاستلاب الرأسمالي يتحقق من خلال حقيقة بسيطة، هي كون العامل قادراً على خلق قوة عمله, وعلى تجديدها, وعلى العمل مدة أطول مما تسمح قوته فعلاً.وهكذا تعتبر قوة العمل سلعة ممتدة, تجعل الرأسمالي (خاصة في مجتمعاتنا الفقيرة) ، يطيل ساعات العمل أو يزيد من حدة وكثافة العمل ليحصل على إنتاج أكبر بنفس الأجر. والفرق بين ما يحصل عليه العامل من أجر فعلاً وما أنتجه من قيمة فعلاً هو فائض القيمة, يذهب إلى جيوب الرأسمالي وحده.
وإذن فالعامل يقدم نوعين من العمل: عملاً أصلياً يتلقى عنه أجره بالكامل وهذا هو العمل الضروري- وعملاً إضافياً لا يتلقى عنه أجراً, وهذا هو العمل الفائض الناجم عن الاستلاب.
بهذا أتوصل إلى البديهية التي تقول : إن الطابع الفردي للملكية، والطابع الاجتماعي للانتاج ، سمة رئيسه من سمات المجتمع الرأسمالي، وهي تستند بدرجة أساسية إلى الانتاج أو العمل السلعي وملكية وسائل الانتاج، التي تحدد بدورها مجمل العلاقات الاجتماعية في إطار ثنائية تناقض رئيسي بين الملكية الخاصة من جهة، وبين كل العاملين المنتجين للسلعة من جهة ثانية، وهذه الثنائية المتناقضة في المجتمعات الرأسمالية بما تفرزه من شعور لدى العامل بالظلم والاضطهاد وتحول دون تملكه لانتاج عمله، ودون تملكه لحريته واستقلاله الذاتي، أدت إلى توليد وخلق الظروف التي يترعرع وينشأ فيها الشعور بالاستلاب، وطالما استمرت هذه العلاقة بين مالك وسائل الانتاج والعمال المنتجين ، ستظل ظاهرة الاستلاب قائمة في جوهرها، على الرغم من تباين اشكالها الخارجية وممارستها المختلفة في ظروف القرن التاسع عشر عن القرن العشرين عن القرن الحادي والعشرين في إطار تطور الرأسمالية بتأثير التطور الهائل في العلوم والتكنولوجيا والاتصالات أو ما يعرف بثورة المعلومات، التي أفرزت بدورها (في البلدان الرأسمالية المتقدمة) مجتمعاً مختلفاً عن مجتمع الزراعة ، ومجتمعاً مختلفاً عن مجتمع الصناعة، تمثله الثلاثية التاليه : مجتمع المعلومات، ومجتمع المعرفة كأهم مورد للتنمية الاقتصادية ، ومجتمع التعلم والذكاء البشري، ومازالت هذه "المجتمعات" محصورة ضمن ما يعرف بالدول الصناعة الثمانية (G 8).
لكن على الرغم من تقدم دور التكنولوجيا والاختراعات العلمية والمعرفة في تراكم وتوسع رأس المال المالي العالمي ، إلا أن الانتاج السلعي يظل أحد أهم سمات النظام الرأسمالي عموماً، وفي البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبلادنا العربية خصوصاً، ويظل بالتالي مصدراً رئيساً للاستلاب والاستغلال ليس على صعيد الاستغلال أو الاستيلاء على القيمة الزائدة من العامل/البروليتاري من قبل صاحب العمل فحسب، بل انتشار ظاهرة الاستيلاء على فائض القيمة للشعوب الفقيرة والاستيلاء على ثرواتها ومقدراتها كما هو حال الأوضاع الاقتصادية لهذه الشعوب في مرحلة العولمة الراهنة.
فطبقاً لبيانات البنك الدولي عن التنمية في العالم (أو ما اسميه ظاهرة الاستلاب المعولم)، فإن مجموعة الدول منخفضة الدخل بلغ العدد الإجمالي لسكانها عام 2012 نحو 2500 مليون نسمة، من إجمالي سكان العالم البالغ عددهم 7 مليار نسمة ، وفى المقابل ، بلغت القيمة الكلية للناتج الإجمالي للمجموعة حوالي 2.7 تريليون دولار فقط، من الناتج العالمي المقدر(عام 2012) بنحو 65 تريليونا .
  وهنا، من المهم التوقف أمام مظاهر الرأسمالية المتوحشة بالأرقام لكي نجسد ابشع معاني الاستلاب:
1- الفقراء يزدادون فقراً: 1.2 مليار نسمة هو عدد الجوعى في العالم، ينضم إليهم 75 مليون سنويا بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود ، وهذه الزيادة في اعداد الجوعى تقابلها زيادة هائلة في ثروات، الأثرياء الذين ازداد عددهم ليصل عام 2012 الى 11.5 مليون شخص مجموع أموالهم تقدر بحوالي45 تريليون دولار .
2- وعلى صعيد المناطق الجغرافية لا تزال أميركا الشمالية تحتكر القسم الأعظم من الثروات وعدد المليونيرات، حيث يوجد فيها 4 مليون شخص مليونير يملكون نحو 15.5 تريليون دولار. تليها في المركز الثاني أوروبا بعدد مليونيرات بلغ 3.5 مليون شخص تقدر ثرواتهم بنحو 14 تريليون دولار.
3- تنامي الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 39.4 تريليون دولار عام 1995 إلى 58.6 تريليون دولار عام 2006 الى 62 تريليون دولار عام2011 يتوزعون على خمسة شرائح كما يلي :
 الشريحة الأولى : أغنى 20% (1.4 مليار نسمة) يمتلكون 82.7% من دخل العالم، ما يعادل  51.274 تريليون $ بمعدل 36624 $ للفرد سنوياً، تضم هذه الشريحة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان.
 الشريحة الثانية : أل 20% (1.4 مليار نسمة) التالية يمتلكون 11.7% من دخل العالم،  ما يعادل 7.254 تريليون $ بمعدل 5181 $ للفرد سنوياً.
 الشريحة الثالثة: أل 20% (1.4 مليار نسمة) التالية يمتلكون 2.3% من دخل العالم، ما يعادل 1.426 تريليون$ أو 1018$ للفرد سنوياً.
 الشريحة الرابعة: أل 20% (1.4 مليار نسمة) التالية يمتلكون 1.9% من دخل العالم ، ما يعادل 1.178 تريليون$ أو 841$ للفرد سنوياً.
 الشريحة الخامسة : أفقر 20% (1.4 مليار نسمة) التالية يمتلكون 1.4% من دخل العالم ، ما يعادل 0.868 تريليون$ أو 620$ للفرد سنوياً !!!!.
 4- 110 دولة فقيرة هو عدد الدول التي يضمها "نادي الفقراء" إذ ارتفع عددها من 25 دولة في عام 1971 إلى 48 دولة في عام 1999 وصولاً إلى 110 دولة عام 2010. فقد تزامن انتصار الليبرالية الاقتصادية وسياسات الخصخصة وبيع القطاع العام في الدول الفقيرة مع ارتفاع مطرد في عدد الفقراء والجوعى.
5- هناك مليار شخص دخلوا في القرن الواحد والعشرين وهم غير قادرين على القراءة أو توقيع أسمائهم .ويعيش اليوم 1.3 مليار شخص بأقل من دولار في اليوم و3 مليارات شخص بأقل من دولارين. وهناك 1.3 مليار شخص لا يصل إليهم الماء النظيف و 3مليارات لا تصل إليهم خدمات المجاري وملياران لا تصل إليهم الكهرباء، ويوجد في المجتمعات النامة 800 مليون شخص لا يحصلون على الطعام الذي يكفيهم، بينما هناك 500 مليون يعانون، بصورة مزمنة، سوء التغذية و 17 مليوناً يموتون كل عام من أمراض لا شفاء منها...بالاضافة الى(27) مليون شخص يعانون العبودية على الرغم من نبذها قبل 200 عام.
 في ضوء هذه الوقائع ، أصبح من غير الممكن التعاطي مع هذه المتغيرات أو فهمها أو الاقتراب منها دون فهم واستيعاب ظاهرة التخلف والتبعية من جهة، وظاهرة العولمة الرأسمالية باعتبارها الإطار المرجعي لكل هذا الاستغلال والاستلاب والهيمنة من جهة ثانية.
أخيراً ، إن رأس المال لا يعرف السكون، وإذا ما تعرض لأي شكل من أشكال التوقف أو السكون، فإنه يكف عن كونه رأسمالاً، إذ أن الحركة والنشاط الدائمين من خلال عملية الانتاج المادي السلعي، يشكلان المصدر الأساسي الوحيد لتراكم رأس المال عبر مراكمة القيمة الزائدة أو فائض القيمة والاستيلاء عليها، ومن ثم تبلور وتحقُقْ عملية الاستغلال (أو الاستلاب) الذي يتلخص تعريفه في كافة الموسوعات العلمية كما يلي: الاستغلال هو الاستيلاء على فائض القيمة.
بناءً على ذلك، فإن الاستلاب أو الاستغلال يمكن تحديده علمياً حسب كارل ماركس في أنه يتيح فصل معسكرين فصلاً بيّناً: المستغِلّين الذين ينهبون فضل القيمة (القيمة الزائدة) ، والمستغَلَين (بفتح الغين) الذين ليس لديهم ما يبيعونه سوى قوة عملهم.
ولكن بالرغم من الدور المباشر للاقتصاد في نشوء الاستلاب أو الاستغلال الطبقي، إلا أن الماركسية تتحدث عن أشكال متعددة من الاستلاب الاجتماعي والديني والسياسي ، وهي أشكال فرعية من الأصل الاقتصادي أو الاستلاب الأساسي الذي تتعرض له الطبقة العاملة في سياق نمط الانتاج السلعي أو الرأسمالي، حيث يرى ماركس بحق أن العمل يتحول من قوة مُحَررِّة للإنسان إلى نشاط مستلب أو مُشتَغَلْ في ظروف الانتاج الرأسمالي .
إن مفهوم الاستلاب – عند ماركس- يرتبط ويتحدد بالتشويه الذي يصيب فكرة حرية العمل التي تتحول إلى عملية بيع إجباري من العامل إلى صاحب العمل، حيث يتحول العمل هنا إلى وسيلة للعيش ويفقد مفهوم الحرية الفردية معناه الحقيقي بعد أن أصبح الاستلاب أو الاستغلال هو سيد الموقف، بعد ان يتجرد العامل من نتاج عمله، بل على العكس يصبح نتاج عمل العامل بمثابة قوة معادية تسيطر تماماً عليه، لأن منتوجه السلعي بات ملكاً لصاحب العمل – الرأسمالي الذي قام بشراء قوة عمل العامل، وفي هذه المعادلة يتضح فقدان العامل حريته وسلوكه ونشاطه اثناء العمل لحساب تلبية احتياجاته وأسرته لكي يستمروا أحياء.
إذن الاستلاب ضرورة من ضرورات استمرار الرأسمال وتوسعه، ففي النظام الرأسمالي لا يمكن أن يتحقق التراكم أو الحصول على فائض القيمة، إلا من خلال عمل العامل، وهذا في حد ذاته ابشع مظاهر الاستلاب، حيث يصبح العمل أ, الشغل وسيلة وأداة لاستلاب الذات وقهرها وإذلالها في ظل شروط الانتاج الرأسمالي التي تقوم على شراء قوة عمل العامل، وهنا تجلت عبقرية كارل ماركس حين أكد أن مملكة الحرية لا يمكن أن تبدأ في الواقع إلا حين تنتهي تلك العلاقة الاستغلالية أو الاستلابية بين العامل ورأس المال، من خلال الثورة الاشتراكية والقضاء على الملكية الفردية لوسائل الانتاج وتحويلها إلى ملكية جماعية ديمقراطية ومؤنسنة ، تضمن أن يكون العمل والانتاج ، خاضعاً للحاجات الإنسانية ومعبراً عنها وعن كرامة الانسان.

 
5. ما الوسائل الناجعة للتمرد الثوري في مقاومة الحكومات المستبدة واسقاطها؟
 
الثورة هي نتاج تراكمات بطيئة ومتسارعة وصلت إلى حد القطع أو لحظة الثورة ، أو التغيير السريع بعيد الاثر في هذا الكيان الاجتماعي أو ذاك، بهدف تحطيم أسس وبنية نظام الاستبداد والاستغلال، وإعادة تنظيم وبناء النظام الاجتماعي بناءً جذرياً وفق الأسس الثورية الديمقراطية الجديدة.
وقد ذهب كارل ماركس (1818-1883) الى ابعد من ذلك، فاعتبر الثورة هي القانون العام لسير الطبيعة والمجتمع، وهي الوسيلة الوحيدة لحل مشكلاته ولاسيما الجانب الاقتصادي الذي يستند عليه، وينبثق عنه نظام المجتمع في الوجوه الاخرى، السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية والأخلاقية والفلسفية وغيرها، وذلك انطلاقاً من وعي ماركس للدولة الرأسمالية باعتبارها مؤسسة ظالمة اوجدتها الطبقة المستغِلة (بكسر الغين) وهي الطبقة التي تمثل الأقلية المهيمنة (عبر المؤسسات الحكومية البيروقراطية والأمنية والجيش) لحماية مصالحها الاقتصادية على حساب اكثرية الشعب عموماً والشرائح والطبقات الفقيرة خصوصاً ، حفاظاً على الوضع القائم المبني على الاستغلال والاستبداد ، ومنع مطالبتها بحقوقها المشروعة اقتصادياً وسياسياً، وما ينتج عن ذلك من اتساع الشعور بالظلم والاستغلال في أوساط الأغلبية الساحقة.
 من ناحية ثانية ، فإن الثورة لا تنضج بمقدماتها فحسب، بل تكتمل بتوفير العناصر الموضوعية للوضع الثوري والعامل الذاتي ووحدتهما معاً، وهي أيضاً لا يمكن أن تندلع –بالصدفة أو بحفنة من المناضلين المعزولين عن الشعب، بل بالحزب الثوري الديمقراطي المؤهل، الذي يتقدم صفوف الجماهير الشعبية الفقيرة، واعياً لمصالحها وتطلعاتها وحاملاً للإجابة على أسئلتها، ومستعداً للتضحية من أجلها ، واثقاً كل الثقة من الانتصار في مسيرته وتحقيق الاهداف التي تأسس من أجلها .
وفي هذا الجانب ، أشير إلى أنه بدون توفر الإرادة الشعبية والالتفاف الجماهيري، يصبح خوض التمرد الثوري بالعنف الشعبي والمسلح أو بوسائل الضغط الجماهير الديمقراطي لأي حزب أو فصيل نوعاً من المغامرة، لان الجماهير منفضة من حوله، خاصة وان الطليعة لا تناضل نيابة عن جماهيرها، بل بها، وفي مقدمتها، فهي من يرعى المناضلين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنوي، ويخفيهم ويحميهم عند الضرورة، كما يمدهم بالدماء الجديدة، ما يجعل انفصال الأحزاب الثورية الديمقراطية عن الجماهير الشعبية – كما هو حالها في مجتمعاتنا- سمة من سمات هبوط وتفكك هذه الأحزاب وتراجعها السياسي والفكري والتنظيمي والجماهيري ، لذلك فان التأييد الجماهيري مسألة أساسية، إذ إننا – على سبيل المثال- لن نستطيع تنظيم وإنجاح إضراب أو اعتصام أو مظاهرة شعبية لا يقتنع الجمهور بأهدافها أو بالأسباب الداعية لتنظيمها.
وفي هذا السياق ، أشير إلى أسباب عجز أحزاب وفصائل اليسار العربي عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري ، وهي على سبيل المثال وليس الحصر:
 اولا: عجزت عن بلورة وتفعيل الافكار المركزية التوحيدية لاعضاءها وكوادرها وقياداتها واقصد بذلك ، الأفكار الوطنية الديمقراطية ، الحداثية العقلانية المستنيرة ، استرشاداً بالفكر الماركسي ومنهجه الجدلي وصيرورته المتطورة المتجددة.
ثانيا: عجزت عن تشخيص ووعي مكونات واقع بلدانها ( الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي) ومن ثم عجزت عن ايجاد الحلول او صياغة البديل الديمقراطي الشعبي التوحيدي الجامع لجماهير الفقراء وكل المضطهدين.
ثالثا: عجزت عن بناء ومراكمة عملية الوعي الثوري في صفوف اعضاءها وكوادرها وقياداتها، ليس بهوية حزبهم الفكرية، الماركسية ومنهجها المادي الجدلي فحسب، بل ايضا عجزت عن توعيتهم بتفاصيل واقعهم الطبقي (الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة ، المياه ، البترودولار ، الفقر والبطالة والقوى العاملة، الكومبرادور وبقية الشرائح الراسمالية الرثة والطفيلية ، قضايا المرأة والشباب ، قضايا ومفاهيم الصراع الطبقي والصراع الطائفي والمذهي، وقضايا التنوير والحداثة والديمقراطية والتخلف والتبعية والتقدم والثورة....الخ) فالوعي والايمان الثوري (العاطفي والعقلاني معاً ) لدى كل رفيقة ورفيق، بالهوية الفكرية، وبضرورة تغيير الواقع المهزوم والثورة عليه ، هما القوة الدافعة لاي حزب او فصيل يساري ، وهما ايضا الشرط الوحيد صوب خروج هذه الاحزاب من ازماتها صوب تقدمها وتوسعها وانتشارها في اوساط جماهيرها على طريق نضالها وانتصارها .
وفي هذا السياق ، لابد أن تنطلق الثورة الوطنية الديمقراطية في بلادنا العربية، من منظور يساري يضمن تفعيل العلاقة الجدلية بين الثورة الوطنية الديمقراطية و الثورة الاشتراكية ، وذلك على أساس أن الثورة الوطنية الديمقراطية هي ثورة معادية ومقاومة للوجود الامبريالي الصهيوني ولكل مظاهر التبعية والتخلف، وكافة قوى اليمين الليبرالي او الاسلام السياسي ، انها ثورة تستهدف تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الكاملة على الارض والموارد والتوزيع العادل للثروة والدخل، وهي ايضا ثورة ضد القوى البورجوازية وكل مظاهر الاستبداد والافقار والاستغلال الرأسمالي ، وبالتالي فان قيادة الثورة يجب ان تتولاها الطبقات الشعبية الفقيرة من العمال والفلاحين الفقراء ضمن احزاب يسارية ثورية، بما يضمن تطبيق أسس ومفاهيم الحداثة والديمقراطية والتقدم، وفتح سبل التطور الصناعي والاقتصادي وفق قواعد التخطيط والتنمية المستقلة وتكافؤ الفرص وتحديد الحد الادنى للدخل الذي يضمن تأمين احتياجات اسرة العامل، وتحديد الحد الاعلى للدخل بما لا يزيد عن ثلاثة اضعاف دخل العامل المنتج، الى جانب تطوير الاوضاع الصحية والتأمينات الاجتماعية والثقافية للجماهير الشعبية وتحقيق مبادىء واليات العدالة الاجتماعية الثورية...وهنا بالضبط فان الثورة الوطنية الديمقراطية هي مرحلة انتقالية في الطريق إلى الاشتراكية.


 
6.يقول يوسف القعيد :" المثقف الآن، وردة حمراء في عروة بدلة النظام".
هل أن ارتجاليات المتحذلق المثقف والمتثاقف السياسي ، التي وصلت حد الإعياء في المنظومات الإعلامية، هي من أجل الترويج لمنابرية الساسة ، مدفوعة الثمن؟
أود في البداية أن اتوقف أمام مفهوم المثقف المتعدد المضامين أو