ترحيل الفلسطينيين السوريين من لبنان: الداخلية تراجعت عن قرارها ... لكنها تطبقه
عنكاوا كوم/الحياةبينما كانت المركبة التي تقلهم جميعاً تسير بسرعة جنونية وهي تشق الطريق الاسفلتي بين التلال الجرداء نحو مصيرهم الأسود، قام أحد الشبان بحسم الصراع الدائر في صدره، وتوجه إلى السائق بلهجة حازمة «أنزلني هنا والآن!» شاركه اثنان آخران من رفاقه بالطلب ذاته، فما كان من السائق المرتبك إلا أن نفذ طلبهم في التوقف، ثم تابعت المركبة مسيرها بعد ذلك مخلفة وراءها ثلاثة أشباح وسط العراء، هذه الأحداث ليست جزءاً من فيلم روائي نسجه الخيال، بل هي وقائع حدثت في مكان ما بين الحدود اللبنانية والسورية خلال عملية ترحيل 49 نازحاً من سورية جلهم من الفلسطينيين إلى الجانب السوري، والتي جرت في الثانية فجر 4 أيار (مايو) الجاري.
خشي هؤلاء الشبان الثلاثة، وهم من النازحين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان، بأن يكون مصيرهم الاعتقال أو الموت، إذ أن اثنين منهم يعتبران وفق القوانين السورية متخلفين عن «خدمة العلم»، وهم إن نجوا من الاعتقال بمعجزة ما، يلزمهم معجزة أخرى للنجاة من الحرب الدائرة هناك عندما يصبحا مجندين في جيش التحرير الفلسطيني (يتبع إدارياً وعسكرياً للجيش السوري)، والشاب الثالث هو «أخ» لأحدهما ويرفض ترك أخيه وحده، ويعاني هو الآخر مخاوف من التبعات الأمنية بحقه في سورية لأن «بطاقة الهوية الخاصة به مكسورة وبطاقة دخوله مفقودة» وهذا بحسب ما يرويه (عبر الهاتف) أحد الشبان العالقين على الحدود والذين رفضوا جميعاً ذكر أسمائهم، مضيفاً: لم يكن لدينا خيار آخر سوى النزول من الباص. ونيابة عن «رفاقه في العراء» يتابع الشاب متحدثاً عن خيبة أملهم في الوصول إلى شواطئ الأمان في أوروبا نتيجة الفاجعة التي ألمت بهم: كنا نريد الوصول إلى بلد بعيد نعيش فيه بسلام، وها نحن الآن عالقون في براري الحدود بين سورية ولبنان، ولا نعرف ما هو مصيرنا. لقد تم توقيف هؤلاء الشبان الثلاثة في مطار بيروت ضمن 49 شخصاً «يحملون سمة خروج مزورة» بحسب البيان الذي أصدرته المديرية العامة للأمن الداخلي (3 أيار الجاري) والذي انتهى إلى أن التحقيقات ما زالت جارية لكشف شبكة التزوير التي قامت في ترويج وبيع هذه السمات، ولكن الذي جرى بحسب «سليم سلامة» الناطق الإعلامي في (الرابطة الفلسطينية لحقوق الإنسان /سورية): أنه تم إبلاغهم أن «الفيزا الليبية» التي بحوزتهم مزورة وفشلت عملية إقناع رجال الأمن بمراجعة السفارة الليبية مؤكدين صحتها، بعدها تم احتجاز الجميع في المطار لمدة زادت على 20 ساعة في ظروف إنسانية صعبة، وبعد التحقيق معهم في أحد مراكز الأمن اللبنانية تم إجبارهم على التوقيع على بعض الأوراق ثم الصعود إلى الباص وهناك أخبروهم أنهم مرحّلون إلى سورية وممنوعون من العودة إلى لبنان مدى الحياة.
سرعة اتخاذ قرار الترحيل وتنفيذه خلال يوم عطلة رسمية في لبنان، بالتالي، حرمان المتضررين من الاتصال بجهات حقوقية أو منظمات دولية للحيلولة دون متابعته، بررته وزارة الداخلية والأمن العام اللبناني بسبب «ارتكابهم فعلاً جرمياً وهو حيازة أوراق سفر مزورة»، (الأمر الذي نفاه أحد الشبان العالقين على الحدود مؤكداً أن أوراقهم كانت نظامية)، بالتالي، فان إجراءات ترحيلهم سليمة من الناحية القانونية، وهو أيضاً؛ ما شكك فيه المحامي نبيل الحلبي رئيس المؤسسة اللبنانية للديموقراطية وحقوق الإنسان، والذي اعتبر: أن عملية الترحيل التي تمت تتعارض مع القانون اللبناني والاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الإنسان الموقعة عليها الدولة اللبنانية. ويضيف موضحاً: يُعتبر الأمن العام اللبناني وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية «ضابطة عدلية» تعمل بإشراف النيابة العامة، وعند ضبطها لأي جرم مثل «التزوير»؛ يقتضي الأمر ادعاء فورياً من النيابة العامة حول هذا الجرم والبدء بإجراءات الادعاء العام، وهذا الأمر لم يحصل في قضية المرحلين!. ويتابع مستغرباً القيام بإجراء الترحيل لهؤلاء بسبب اتهامهم بالتزوير مشير اً: إلى وجود عشرات القضايا في المحاكم والسجون اللبنانية للاجئين سوريين مدانين بالتزوير في أوراق السفر وأخذ القانون مجراه، ولم يرحل منهم أحد!. وهذا الأمر يقودنا إلى الاستنتاج بأن النازحين الفلسطينيين من سورية هم المستهدفون بالدرجة الأولى. من جهة أخرى، يذهب الحلبي إلى اعتبار هذا «الإجراء التعسفي» مخالفاً للقانون الدولي والحديث عن نقلهم إلى المنطقة المحايدة بين الحدود اللبنانية والسورية وليس تسليمهم إلى السلطات السورية، ليس أكثر من «محاولة تحايل على هذا الأمر»، حيث لم يكن لدى المرحّلين خيار آخر بعد منع عودتهم إلى لبنان، سوى تسليم أنفسهم بأنفسهم وهو ما قاموا به باستثناء الشبان الثلاثة من أبناء مخيم اليرموك المنكوب، والذين رفضوا هذا المصير القاتم، وفي اختتام حديثه يتساءل الحلبي مستهجناً قرار الترحيل المخالف للقانون اللبناني والدولي: ما الغرض من هذا الإجراء؟ وأين المصلحة اللبنانية في ترحيل هؤلاء؟ بخاصة أنهم كانوا في طريقهم إلى خارج البلاد وليسوا بصدد البقاء فيها!.
لم يقتصر الجدل في هذه المسألة حول قانونية هذا القرار ولا تأكيد أو نفي قصة «السمات المزورة»، بل وصل أيضاً حد التناقض في التصريحات والإجراءات المنفذة على أرض الواقع، ففي أثناء تأكيد مجلس الأمن المركزي اللبناني خلال اجتماعه (7 أيار الجاري) حول دخول السوريين والفلسطينيين إلى لبنان أن «ليس هناك أي قرار يمنع دخولهم بالمطلق، وأن الحدود ليست مغلقة أمامهم»، تحدث عدد من الشهود عن استمرار منع دخول الفلسطينيين النازحين من سورية إلى لبنان عبر المنفذ الحدودي (جديدة يابوس – المصنع اللبناني) وهو ما أشارت إليه في وقت سابق تقارير دولية لمنظمة الأونروا وهيومن رايتس ووتش، فضلاً عن أن الرابطة الفلسطينية لحقوق الإنسان وعبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي نشرت تقريراً (6 أيار) حول رصدها لعدد من الإجراءات الدالة على منع دخول الفلسطينيين الأراضي اللبنانية، وهي بحسب التقرير: عدم السماح لأي فلسطيني سوري من الدخول إلى لبنان عبر النقاط الحدودية، إلا في حالات استثنائية متروك تقديرها لموظفي النقاط الحدودية، وإبلاغ فرع فلسطين للهجرة والجوازات في دمشق، التابع لوزارة الداخلية السورية، والمسؤول عن إصدار تصاريح السفر للاجئين الفلسطينيين إلى لبنان، بعدم إعطاء أي تصريح لأي فلسطيني إلا بعد إذن مسبق من الأمن العام اللبناني، فضلاً عن منع عدد من الركاب (الفلسطينيين السوريين) من ركوب طائرة كانت متوجهة من مطار «أربيل» في العراق إلى مطار بيروت وذلك يوم السبت (3 أيار الجاري) وتم إبلاغهم بأن هذا القرار صادر عن الأمن العام في مطار بيروت، وفي ذات اليوم تم إعادة شاب فلسطيني يحمل الإقامة الماليزية من مطار بيروت إلى ماليزيا بعد وصوله إلى لبنان بغرض المرور فقط إلى سورية. وفي السياق قامت مجموعة «رصد الانتهاكات ضد اللاجئين الفلسطينيين في العالم» وعبر صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي، بنشر وثيقة منسوبة إلى إدارة أمن مطار بيروت، تحمل تعميماً موجهاً من إدارة أمن المطار إلى شركات الطيران تطلب فيها «عدم نقل أي فلسطيني لاجئ في سورية إلى لبنان تحت طائلة تغريم الشركة الناقلة وإعادته من حيث أتى». وذلك بحسب الوثيقة المؤرخة في 3 أيار 2014. كما نشرت صفحات التواصل لاحقاً وثيقة أخرى منسوبة أيضاً إلى «إدارة أمن المطار» تلغي التعميم السابق وتضع شروطاً محددة لنقل اللاجئ الفلسطيني من سورية عبر شركات الطيران إلى مطار بيروت ومؤرخة بتاريخ 8 أيار 2014، وباعتبار أن أياً من هذه الشروط المذكورة فيها لا تنطبق على «النازح» الفلسطيني من سورية، قام أحدهم بالتعليق عليها بالقول: «وفسر الماء بعد الجهد بالماء!».
وبعيداً عن مدى قانونية قرار الترحيل هذا؛ والذي يفرض ثبوت «جرم التزوير» ما حصل هو محاسبة ضحاياه وليس الجناة، ولم يعلن حتى اللحظة؛ الكشف عن شبكة التزوير تلك المرتبطة بقضيتهم، فقد أدى هذا القرار على المستوى الإنساني، إلى ضياع آمال عشرات العائلات بالانتعاش الاقتصادي والخروج من أزمة النزوح القاسية، فضلاً عن تمزيق شمل العديد من العائلات الفلسطينية النازحة إلى لبنان، والتي خسرت ابنها أو معيلها الذي كان مسافراً لتأمين مستقبل أفضل له ولعائلته، منهم عائلة النازح الفلسطيني (ح – ر) في مدينة صيدا، والذي فقد ابنه وزوج ابنته بعد ترحيلهم ومنعهم من دخول لبنان مدى الحياة وهو بدوره لن يستطيع رؤيتهم على مدى حياة الصراع في سورية، من ناحية أخرى؛ زادت إجراءات المنع والترحيل هذه، من قلق النازحين الفلسطينيين في لبنان، خشية جعلهم يدفعون ثمن هواجس سياسية لدى بعض الأطراف لا مكان لها من الصحة، حيث يؤكد النازح الفلسطيني من مخيم اليرموك والمقيم في بيروت (ح – ب): لبنان محطة موقتة ريثما تستقر الأوضاع الأمنية في مخيم اليرموك، وأحاول منذ فترة تدبر أموري للسفر إلى أوروبا؛ تحسباً إذا طالت نكبة اليرموك.
بخلاف النازح السوري الذي يستطيع الوصول من سورية إلى بلدان عربية أخرى، يمثل لبنان المنفذ الوحيد أمام النازح الفلسطيني الهارب من أتون الصراع هناك، وإغلاقه في وجهه أو إعادته إلى سورية يعني الحكم عليه بمواجهة كل أنواع المخاطر التي تنتهي جميعها بالموت، وسياسة التمييز في المعاملة بينه وبين النازح السوري التي يعانيها في لبنان في مختلف المجالات، هو ما دفع بعضهم للاعتصام في مخيم البداوي – طرابلس، للتنديد بهذه السياسة وقرار «الترحيل» لمجموعة جُلّها من النازحين الفلسطينيين (اثنان منهم فقط كانوا من النازحين السوريين)، ومطالبين الحكومة اللبنانية بالتراجع عن قرارها بمنع حركة النازح الفلسطيني عبر الحدود اللبنانية. وحالة التناقض بين التصريحات الرسمية والإجراءات بما يخصهم تركت شعوراً عميقاً من انعدام الثقة، وهو ما دفع الشبان العالقين على الحدود لرفض عرض يقضي بتسليم أنفسهم إلى الأمن العام اللبناني وفتح تحقيق رسمي حول قضية التزوير، وذلك لعدم تلقيهم أية ضمانات جدية لجهة عدم تسليمهم إلى السلطات السورية بعد ذلك. وهم الآن وسط العراء، ما بين قيظ النهار وبرودة الليل يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بانتظار أن تعيد الحكومة اللبنانية النظر في قضية ترحيلهم، كما تعيد النظر في سياستها وإجراءاتها المتشددة بحق النازحين الفلسطينيين إلى لبنان، وتمنحهم جميعاً الحق بالأمان.