فلسفة الحروب العربية بقلم حسن عجمي - نقل


المحرر موضوع:  فلسفة الحروب العربية بقلم حسن عجمي - نقل  (زيارة 2634 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1773
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
   فلسفة الحروب العربية
حسن عجمي
    للعرب اليوم فلسفة وحيدة ألا و هي فلسفة الحروب. فبعد هزيمة الأيديولوجيات الفلسفية المختلفة في عالمنا العربي , لم نتمكن من أن نتحد في هذه الجماعة أو تلك سوى من خلال حروبنا الداخلية و الخارجية.

     الحرب هي العامل الوحيد الذي يوحِّد الجماعة العربية أو المجتمع العربي , و لذا الحروب في عالمنا العربي لا تنتهي. المجتمعات العربية في حالة حرب دائمة. فهي إما في حالة حرب ساخنة حيث يتجسد القتال الفعلي مع الآخر و إما في حالة حرب باردة حيث المجتمع يستعد للحرب الساخنة. لكن لماذا الحروب سائدة بشكل مستمر في عالمنا العربي؟ و لماذا ننتقل من حرب إلى أخرى بلا انقطاع؟ و لماذا يغيب السلم عن عالمنا المشرقي؟ يكمن الجواب في التحليل الاجتماعي للجماعات و المجتمعات العربية. إذا نظرنا إلى الجماعات أو المجتمعات العربية , لن نجد عاملا ً أساسياً قادراً على توحيد الجماعة العربية أو المجتمع العربي سوى الحرب. فمثلا ً , أن تكون لبنانياً أو عراقياً لا يوحِّد اللبنانيين أو العراقيين لأنهم منقسمون إلى طوائف و مذاهب. و أن تكون سُنياً أو شيعياً لا يوحِّد الجماعة السُنية أو الشيعية لأن السُنة كما الشيعة منقسمون. فالسُنة على أربعة مذاهب تاريخية فهُم إما حنبليون و إما شافعيون و إما حنفيون و إما مالكيون بالإضافة إلى التيارات الأصولية كالوهابية و الإخوان المسلمين و الأحزاب السلفية الجديدة. أما الشيعة فعليهم أن يتبعوا إماماً حياً دون سواه , و بذلك ينقسم الشيعة إلى أتباع أئمة أحياء مختلفين. هكذا لا المذهب السُني يوحِّد السُنة و لا المذهب الشيعي يوحِّد الشيعة. على هذا الأساس , لا الهوية الوطنية قادرة على توحيد الجماعة العربية و لا الهوية الدينية أو المذهبية قادرة على ذلك.

     من جهة أخرى , لا يوجد نظام سياسي و اقتصادي متفق عليه لكي يتمكن من توحيد أية جماعة عربية لأننا لم نحقق أي نظام سياسي و اقتصادي يُرضي هذا المجتمع العربي أو ذاك من خلال احترام الحقوق الإنسانية و الحريات. من هنا , الإنسانية بحد ذاتها غير قادرة اليوم على توحيد أية جماعة عربية لأن الإنسانية غائبة عن عالمنا العربي بسبب غياب النظام السياسي و الاقتصادي الكفيل بتحقيق إنسانية الإنسان. و إذا نظرنا إلى التاريخ العربي سنجده منقسماً إلى تواريخ متعارضة ؛ فكل جماعة عربية تقرأ تاريخها بشكل مختلف عما تقرأه الجماعات الأخرى. و بذلك التاريخ ذاته لا يوحِّد أي مجتمع عربي. و في الحقيقة لن نجد أي عامل اجتماعي لتوحيد المجتمع العربي ؛ فلا الوطن و لا العقيدة و لا التاريخ قادر على توحيدنا. على هذا الأساس , لا يبقى سوى الحرب كعامل توحيد وحيد للمجتمع العربي و الجماعة العربية. فالحرب ناجحة في توحيد هذه الجماعة العربية أو تلك لأنها تشير بقوة إلى تهديد خارجي أو داخلي ما يدفع الجماعة العربية المنقسمة على نفسها إلى أن تتوحد في مواجهة الآخر الحقيقي أو الوهمي. من هنا , لا يتوحد الشيعة إلا من خلال صراعهم مع الآخر أكان سُنياً أم عدواً خارجياً , و لا يتوحد أهل السُنة إلا من جراء صراعهم مع الآخر الشيعي أو مع عدو خارجي. من المنطلق نفسه , لا يتوحد هذا المجتمع العربي أو ذاك سوى بفضل مواجهته لمجتمعات عربية أو أجنبية أخرى. لذلك لا تزول الحروب عن عالمنا العربي ؛ فمن خلال الحروب فقط  نتمكن من أن نتحد في جماعات أو مجتمعات. هذه هي فلسفة الحروب العربية. فالحرب فلسفة جماعاتنا و مجتمعاتنا العربية لأن بالحرب فقط  نستطيع أن نتفاعل و نتحد ضمن جماعة أو مجتمع. فإن زالت حالة الحروب المستمرة عن عالمنا العربي ستزول أيضاً أية جماعة عربية. هكذا أمست الحرب أيديولوجيا و عقيدة لنا لأن من خلالها فقط  نتمكن من أن نكون.

     ظاهرة الحروب الأهلية المتكررة في العالم العربي ظاهرة طبيعية و متوقعة لأنه يوجد في كل فرد عربي حرب أهلية بين هوياته المختلفة. فمثلا ً , اللبناني لديه هويات متنافسة ؛ فهل هو لبناني أم عربي أم مسلم أم شيعي أم سُني أم مسيحي؟ و كذلك الأمر بالنسبة إلى كل عربي آخر. فبما أننا نملك هويات متناقضة , إذن من المتوقع أن نحيا في حرب أهلية داخل كل فرد منا , و بذلك من الطبيعي أيضاً نشوء الحروب الأهلية ضمن المجتمعات العربية. باختصار , لا يوجد ما يوحِّد هوياتنا في هوية واحدة , و لذا نحيا في حروب أهلية مستمرة. لكن من منطلق فلسفة الحروب العربية , الحرب وحدها هي العامل الحقيقي لتوحيد الجماعة العربية أو المجتمع العربي. من هذا المنظور , الحرب أيضاً هي العامل الوحيد القادر على جعل هذه الهوية أو تلك منتصرة على الهويات الأخرى داخل كل فرد عربي ما يقدِّم حالة استقرار نفسي للإنسان العربي و إن لفترة معينة. من هنا , الحرب ضرورية للفرد العربي لأنها تؤدي إلى حل الخلافات و الصراعات بين هوياته المختلفة. فمن خلال الحرب تتمكن هوية معينة من الانتصار على الهويات الأخرى و السيادة على شخصية الفرد العربي. مثل ذلك هو التالي : إذا كانت الحرب اليوم هي بين الإسلام و المسيحية فالهوية الدينية ستنتصر على الهويات الأخرى فتحل الصراع بين هويات الفرد العربي المتنافسة. أما إذا كانت الحرب اليوم هي بين العرب و العجم فالهوية العرقية أي العربية في هذه الحالة ستنتصر فتحل الخلاف بين هويات الفرد العربي. هكذا الحرب عامل توحيد للذات العربية فعامل استقرار نفسي كما هي الآلية الأساسية لتشكيل الجماعة العربية و ضمان استقرارها. و ذلك بسبب أن الحرب توحِّد سيكولوجية الفرد العربي تماماً كما توحِّد هذه الجماعة العربية أو تلك.

     الحروب الخارجية و الأهلية حروب ضرورية في العالم العربي لأنها تنجح في توحيد الجماعة العربية و توحيد ذات الفرد العربي. فالحرب هي التي تشكّل الجماعات العربية و شخصية الفرد العربي لكونها تحل الخلاف بين الهويات المتصارعة. من هنا , لا مفر من استمرارية الحروب الخارجية و الأهلية في عالمنا العربي. لكن كل هذا يشير إلى الحل الممكن لهذه المشكلة. الحل الوحيد من أجل الخلاص من حروبنا كامن في تفكيك فلسفة الحروب العربية و نسفها. و لا يتم ذلك سوى من خلال المذهب الإنسانوي الذي يوحِّد الجماعات البشرية و شخصية الفرد. بالنسبة إلى المذهب الإنسانوي , الهوية الإنسانية هي الهوية الحقيقية لكل جماعة و مجتمع و فرد. على هذا الأساس , إذا تمكنا من قبول الفلسفة الإنسانوية سنتحد تحت راية الهوية الإنسانية ما يضمن زوال حروبنا. رغم أن المذهب الإنسانوي لا يوحّدنا اليوم من الممكن أن يوحّدنا غداً. و الفلسفة الإنسانوية هي الوحيدة القادرة على توحيدنا لأننا مختلفون على مَن نحن. من جهة أخرى , تصر فلسفة الحروب العربية على أن الحرب هي الآلية الناجحة في تشكيل الجماعة العربية و الفرد العربي ؛ فبالنسبة إليها , هوية العرب كامنة في الحروب. لكن من الممكن تكوين الجماعة العربية و توحيدها و تكوين الفرد العربي و توحيد هوياته من خلال المذهب الإنسانوي الذي يؤكد على أن الإنسانية هي العامل الكفيل بتوحيد الناس و توحيد سيكولوجية أو هويات الفرد. بالنسبة إلى الإنسانوية , لا هوية للإنسان و للمجتمع سوى هويته الإنسانية المتمثلة في احترام حقوق الفرد و حرياته. و حين تتحقق الإنسانوية في عالمنا العربي يحل السلام لأن الإنسانوية تجعلنا نمتلك هوية واحدة ألا و هي الهوية الإنسانية. لكننا اليوم منشغلون في احتلال أنفسنا و في الاحتفال بانتصاراتنا التي ليست سوى هزائم أخرى.