قراءة في الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر"فوزي الاتروشي"


المحرر موضوع: قراءة في الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر"فوزي الاتروشي"  (زيارة 1765 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 293
    • مشاهدة الملف الشخصي

قراءة في الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر"فوزي الاتروشي"

د. جمال خضير الجنابي



   ان تطور الادب وتنوع اتجاهاته لا يمكن ان يتما بمعزل عن تطور المجتمع او تطور اتجاهاته الفكرية التي تعكس تطوره الاقتصادي ووضعه التاريخي, بل ان من المؤكد ان العنصر الحاسم في تطور الادب وفي خلق اتجاهات جديدة فيه هو التطور الفكري الذي فرضه تطور المجتمع الاقتصادي والاجتماعي, وليس خلق اشكال جديدة للتعبير الادبي غير قادرة على التعبير عن اي شيء جديد, ولاشك ان قيمة اي جديد تتمثل اولاً وقبل كل شيء بما يحمله من فكر جديد ومضمون جديد, وثانياً لقدرته على خلق الشكل الجديد الذي ينسجم معه, واستناداً على هذه الاسس فأننا نستطيع ان نميز في شعرنا الحديث ثلاثة منطلقات رئيسية, هي انعكاس حقيقي لاوضاعنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.
الاول يستمد كل غذائه من تراثنا القديم, مضموناً وشكلاً, ومبرر وجود هذا التيار اننا لا نزال مرتبطين بهذا التراث بأكثر من رباط, ولاتزال كثير من مشاغلنا وهمومنا وآمالنا وآلامنا لا تتناقض مع مستلزمات التعبير كما قدمته لنا التقاليد الادبية الموروثة.
الثاني يستمد غذاءه من الفكر التقدمي العلمي والمعاصر, ومن الانجازات الهائلة التي حققها العالم اجمع, وما صاحب ذلك من الايمان بالانسان والجماهير, ورفض الناس للحاضر وثقة بالمستقبل المشرق .
المنطلق الثالث فيستمد مضامينه وافكاره من انحلال الفكر البرجوازي العالمي ومن الضياع الذي انقادت اليه الاجيال الجديدة في المجتمع الرأسمالي , والذي برز واضحاً منذ نهاية القرن التاسع عشر في (الرمزية ثم الدادائية والسريالية) بعد الحرب العالمية الاولى وبعد ذلك في (الوجودية والتجريدية والحرفية) وفي المدارس المستحدثة التي لاتكاد تظهر حتى تختفي.
ان القراءة الاولى للاعمال الشعرية الكاملة للشاعر فوزي الاتروشي التي صدرت عن (دار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان) لسنة 2013 التي ضمت تسعة مجاميع شعرية.
حيث احتوت المجموعة الاولى التي حملت عنوان ( قصائد للحب والوطن /كوردستان 1999) 35 قصيدة تنوعت بين الرومانسية وحب الوطن اما مجموعته الثانية (اشعار لا تبكي) فقد ضمَّت 27 قصيدة , فغلب عليها الطابع الرومانسي وبلغة شفافة عذبة تميل غالبا للدارما او السرد , مكوناً من تراثه فكرة يستمد منها صوره الشعرية .
في المجموعة الثالثة التي حملت عنوان (ظلال النرجس) والتي احتوت بين ضفافها 44 قصيدة غلب عليها الطابع الرومانسي , ونلاحظ في هذه المجموعة شيوع اسلوب البناء لدى الشاعر فوزي الاتروشي بما لا يخرجه غالباً عن اسلوب البناء البسيط , والمفروض في البناء المقطعي , ان ينمو بالقصيدة عن طريق استقلالية المقاطع النسبية بطريق التضاد والتقابل , او التصاعد فلا يكون البناء بسيطاً عند ذاك .
ولكن هذه المقاطع تصبح شكلاً بنائياً بسيطاً اذا كان كل منها , يكاد يكرر المقاطع الاخرى او يضيف اضافة بسيطة الى جوها النفسي او الفني بحيث يبدو تقطيع القصيدة مصطنعاً يمكن الاستغناء عنه .
ويفترض ان يمنح الحوار الموظف بصورة جيدة بناء القصيدة بناءا مسرحيا (دراميا) لكن هذا الحوار لم يشكل هيكل البناء الاساسي, ولم يصنع بشكل واقعي او قريب من البناء البسيط , ومن الامثلة على ذلك في المجموعة الرابعة (لانك الآن هنا) والتي ضمت 30 قصيدة بث الفكرة داخل القصيدة يعتبر فعلا مقصوداً وهذا يدفع الى التساؤل الى اي مدى يكون عمق الرابطة بين الافكار المراد ايصالها عبر القصيدة وبين متطلبات القصيدة بصفتها بناءا فنيا يتمتع بشروط خاصة به , بعد ذلك الى اي حد تستطيع القصيدة ان تتحمل هذه اللمحات الفكرية دون ان يؤدي ذلك الى ارهاقها .
والامر سيكون اكثر مدعاة للتأمل اذا كان الامر يتعلق بقصيدة قصيرة وذات نفس قصير ليس له ان يتحمل عبء هذه الغاية في بعض الاحيان اغلب القصائد التي احتوتها المجموعة (وازهر بستان الريحان) والتي ضمت 17 قصيدة تتميز كونها قصائد تمر بسرعة وبزمن قصير وبضربة محكمة لنهايتها , وهي تخلو من اي تضبب فلا سور يغلف القصيدة ولا جدار لحجبها .
ومن مظاهر البناء النصي المباشر هو توظيف العنصر القصصي وادخال النص في سردية مقصودة ,تلويناً للمعاني وتقريباً الى ذهن القاريء ومن هنا كان الشاعر فوزي الاتروشي يركز في نصوص مجموعته السادسة التي حملت عنوان (شموع الحب) والتي ضمت 36 نصا , حيث برز العنصر الدرامي واهمية الدراما الباعثة لديه قلقا دائميا نتيجة امتلاءه بحس مايصدر عن تلك الاجواء القصصية .
ويذكر(هربرت رد) الفرق بين القصيدة الطويلة والقصيدة الغنائية فرقاً في الجوهر , ويمكن تعريف القصيدة الغنائية من وجهة نظر الشاعر بأنها قصيدة تجسم موقفا عاطفياً مفردا او بسيطا , انها قصيدة تعبر مباشرة عن حالة او الهام غير منقطع , اما القصيدة الطويلة فهي قصيدة تربط بمهارة بين كثير من تلك الحالات العاطفية , وان كان من الواجب هنا ان تصحب المهارة فكرة عامة واحدة هي في ذاتها تكون وحدة عاطفية .
تزدحم مجموعته السابعة (كنت حبيبتي) بصور استمدها الشاعر من الطبيعة وخلع عليها الكثير من دفء عواطفه , وجميل احاسيسه , فجاءت في اغلبيتها معبرة عن رهيف شاعريته , وطمأنينة نفسه واضطرابها . وقد ضمن المجموعة 24 قصيدة .
على ايه حال لندع الكلام عن الشكل الشعري , لانه لا يؤدي الى نتيجة حاسمة والدليل اننا منذ الاربعينات الى هذا اليوم مازلنا نناقش الموضوع دون حسم .
الرأي النقدي الذي كونه غالبية النقاد اخيراً، هو ان الشعر ، شعر سواء كان عمودياً ام حديثأ. المهم هو الشاعرية والجودة والقدرة على الاتيان بالجديد من المعاني والصور والافكار ومع ان الرأي بحاجه الى الاسناد والدراسة وهو تنازل عن محيطات الحداثة وافاقها المشرقة في القصيدة ، الا ان مناقشة الموضوع هنا تبدو نافلة لأننا في هذا الحيز نركز القول على تجربة شاعر يكتب القصيدة بحس شعري صادق وقدرة ملموسة وتمكن واضح من اللغة وتراكيب الصورة وهذا ما نجده في مجموعته التي حملت عنوان (امرأة من رماد) والتي احتوت على (31) قصيدة .
الحداثة الشعرية ليست مجرد تحول شكلي في بناء القصيدة، وليست مسألة تحرر من قيود كفرضها وحدة البيت والقافية كما يقول السياب عندما عبر عن مدلول الحداثة في الشعر ان الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين واخر ، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد ليمحق الميوعة الرومانتيكية وادب الابراج الماجية وجمود الكلاسيكية كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به. من هذا المنطلق نجد الشاعر فوزي الاتروشي شكل صورا متداخلة مع بعضها مكوناً مجموعة من النغمات يعزفها على اوتار تكاد ان تكون منقطعة. كما في مجموعته التاسعة التي تحمل عنوان (بريد الفرح) والتي ضمت 31 قصيدة في اتجاه واحد هو الرومانسية . ان تركيبة الجملة في اي نص تأخذ على عاتقها توصيل مايدورفي خلجات الشاعر الى المتلقي الذي يكون محطة استقبال تتغير حسب الرؤيا والثقافة التي يختزنها لذلك تكون العملية صعبة عند الشاعر في كيفية توصيل ما بداخله.
لذلك يقول (جام لان كو) الكتابة ليست سجادة فارسية يسير فوقها الكاتب ، والكاتب يشبه ذلك الحيوان البرئ الذي كلما طارده الصيادون كتب افضل. لهذا اجد ان الشاعر فوزي الاتروشي اهدى الى القارئ نبضات تحمل بين طياتها الحب الكبير.