ألم نستفد من درس جلعاد شاليط؟
د.أحمد أبو مطرلا يجادل أحد في حق كافة الشعوب في مقاومة الاحتلال وصولا للإستقلال والحرية والكرامة، وهذا ينطبق على الشعب الفلسطيني الذي مرّ 66 عاما على احتلال وطنه التاريخي وتشريد غالبية شعبه، لإقامة وطن ودولة مصطنعة تحت مقولة احتلالية اقصائية مهّد لها وزير خارجية بريطانيا آنذاك بلفور بوعده المشؤوم عام 1917 . وهذا الإقرار بحق الشعوب في المقاومة لا ينفي الحق في مناقشة بعض أساليب المقاومة التي تمارسها بعض الجماعات الفلسطينية دون تحقيق أي تقدم يذكر على طريق الاستقلال ودحر الاحتلال بل تقديم خدمات كبيرة له خاصة في مجال تبرير توسعه وارتكاب المزيد من الجرائم التي تجد لها بعض المبررات في المجتمع الدولي من خلال تلك الممارسات التي ترفضها غالبية المجتمع الدولي رغم تأييده لحرية المقاومة ودحر الاحتلال.
ماذا كسب الفلسطينيون من خطف جلعاد شاليط؟قامت فصائل فلسطينية بخطف الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" في الخامس والعشرين من يونيو 2006 واستمر اسيرا أو سجينا أكثر من خمس سنوات إلى أن أفرج عنه في الثامن والعشرين من أكتوبر 2011 ، مقابل صفقة رعتها المخابرات المصرية تقضي الإفراج عن 1027 من الأسرى والأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، وهذا انجاز جيد بالمقاييس العامة لمعاناة الشعب الفلسطيني خاصة عائلات الأسرى وأطفالهم ومنهم من قضى في سجون الاحتلال عشرات السنين. ولكن هذا الإنجاز يتضاءل كثيرا عندما يباشر الاحتلال الإسرائيلي بعد أيام مواصلة سياسة الاعتقال والسجن لمئات من الفلسطينيين بشكل شبه يومي ومن بينهم العشرات ممن تمّ إطلاق سراحهم في صفقة شاليط، ويمكن احصاء قتل واغتيال العشرات و اعتقالات طالت المئات من القطاع والضفة منذ الإفراج عن جلعاد شاليط، طالما موازين القوى القوى العسكرية مائلة بنسبة عالية جدا لصالح قوات الاحتلال ليس في مواجهة الفصائل الفلسطينية فقط بل في مواجهة كافة الجيوش العربية التي ما عادت المواجهة مع جيش الاحتلال ضمن أجندة كافة الدول العربية خاصة الحدودية مع الاحتلال بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر عام 1979 واتفاقية وادي عربة مع الأردن عام 1994 ، واستمرار المفاوضات الإسرائيلية مع نظام المقاومة والممانعة في سوريا الذي لم يطلق رصاصة ضد الاحتلال منذ عام 1973 ولم يسمح بذلك لأي فصيل فلسطيني من الحدود السورية، ولم يردّ ابدا على عشرات الغارات والاختراقات الإسرائيلية ، بما فيها آخر قصف إسرائيلي لتسعة مواقع سورية يوم الأحد الثاني والعشرين من يونيو الحالي بسبب مقتل صبي إسرائيلي في حادث لم تعرف أسبابه بعد ، وكل هذا الصمت المخزي من نظام المقاومة والممانعة في انتظار تحديد الزمان والمكان المناسبين ، اللذين لن يأتيا حتى لو تدخل المهدي المنتظر لملالي إيران الذين يقاومون الاحتلال بالخطابات بينما العلاقات الملالية الإسرائيلية تحت الطاولة خوش بوش، كما يؤكدها ويكشف أسرارها المؤلف الأمريكي "تريتا بارسي"أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "جزن هوبيكينز" في كتابه " التحالف الغادر: العلاقات السرّية بين إيران وأمريكا وإسرائيل".
ونتيجة لذلك ماذا سنستفيد من أسر الصبية الإسرائيليين الثلاثة؟أنا وكثيرون نتفهم الغضب الفلسطيني من غطرسة الاحتلال وهمجيته في القطاع والضفة وجرائمة التي لا تتوقف، التي هي السبب في قيام مجموعات فلسطينية بمثل خطف أو أسر الصبية الإسرائيليين الثلاثة، وهي عملية لا تذكر قياسا بجرائم وتعديات الاحتلال ضد الشباب والأطفال الفلسطينيين، وبالتالي فهذا الغضب الفلسطيني من حقه أن يعبّر عن نفسه بأية وسائل ممكنة في ظل طغيان موازين القوى العسكرية لصالح دولة الاحتلال. و لكن ضمن موازين القوى السائدة التي تختلف عن موازين الرعب القائمة بين الطرفين، من حق الجميع بمن فيهم الأشخاص والفصائل الفلسطينية أن تراجع حساباتها بدقة شديدة قبل القيام بأية عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي لمعرفة نتائجها وانعكاساتها على الشعب الفلسطيني، وحجم المبررات التي تعطيها لدولة الاحتلال لمزيد من عمليات القتل والاغتيالات والاعتقالات، وهذا ما حدث بعد عملية الخطف المذكورة حيث استباح الاحتلال قطاع غزة بقصف الطيران والضفة الغربية بالتوغل في كافة القرى والمدن للقيام باعتقال ما لايقل عن 400 فلسطيني حتى الآن بمن فيهم العشرات ممن تمّ اطلاق سراحهم في صفقة تبادل جلعاد شاليط، وقد تضمنت قائمة الاعتقالات رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز الدويك.
وحسن نصرالله نفسه أبدى ندمه على عملية خطف الجنودالإسرائيليين الثلاثة عام 2006 التي أدت لاجتياح يوليو 2006 الذي استمر 34 يوما و دمّر غالبية البنية التحتية اللبنانية وتهجير قرابة 600 ألف لبناني من منازلهم وديارهم، وقدرّت الخسائر اللبنانية بعشرات المليارات. وكان حسن نصر الله قد صرّح في بداية الاجتياح قائلا: "أردتموها حربا مفتوحة ونحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها وستكون حربا على كل صعيد إلى حيفا وصدقوني إلى ما بعد حيفا وإلى ما بعد ما بعد حيفا". ورغم هذه التهديدات الخطابية لم نشاهد هذا التقدم لا لحيفا ولا جوارها بل بالعكس عند توقف الاجتياح صرّح حسن نصر الله في مقابلة تلفزيونية بثت يوم الأحد 27-7-2006 قائلا: إنه لو علم أن عملية خطف جنديين إسرائيليين الشهر الماضي كانت ستؤدي إلى جولة العنف التي استمرت 34 يوما "لما قمنا بها قطعا". وأكّد على أن"لا جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل". وقال إن قيادة حزب الله "لم تتوقع ولو واحدا بالمائة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم، لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعا". وهذا ما كان فمنذ نهاية اجتياح يوليو 2006 ونزول قوات اليونيفيل المسلحة لجنوب لبنان لم يقم حزب الله بأية عملية عسكرية ضد الاحتلال ولم يردّ مطلقاعلى التوغلات والهجمات الإسرائيلية داخل لبنان أو داخل سوريا حليفه نظام المقاومة والممانعة.
من حق أي شعب مقاومة الاحتلال،والأفضل هو دراسة نتائج أية عملية ضد الاحتلال، هل ستؤدي لخطوة نحو دحر الاحتلال أم مجرد خطوة في ميزان الرعب الذي يصيب الإسرائيليين كما الفلسطينيين لكن ميزان القوى مائل بشكل هائل لمصلحة الاحتلال الذي كما أعتقد أنّ الاحتلال يتمنى قتل الصبية الأسرى الثلاثة كي يجد مبررا وغطاءا دوليا لمزيد من الجرائم والاعتقالات والاغتيالات والتدمير بحق شعب يعاني الاحتلال والتشريد منذ 66 عاما.
www.drabumatar.com