النّخْبويّ الشّعْبويّ) في الرواية العراقية تدليل اجرائي بـ(كوابيس هلسنكي) لـ يوسف أبو الفوز


المحرر موضوع: النّخْبويّ الشّعْبويّ) في الرواية العراقية تدليل اجرائي بـ(كوابيس هلسنكي) لـ يوسف أبو الفوز  (زيارة 2144 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بشير حاجم

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 1
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي


النّخْبويّ الشّعْبويّ) في الرواية العراقية
تدليل اجرائي بـ(كوابيس هلسنكي) لـ يوسف أبو الفوز

بشير حاجم
على كل ناقد "علمي"، ذي ("عقلية" منضبطة) دون ("نقلية" منفرطة)، أنّى يقرأ نصا "أدبيا"، إبداعيا، أن يقرأه بدقة. من ثم، لاحقا، حين يحقق هذه القراءة الدقيقة، = "الحريصة"، يجب عليه، حيث زعَمها، أنْ يثْبتها قبالة متلقيه. ليس من حيث "المبدأ" العمومي، "الإنشغالي"، بل من حيث "التفصيل" الخصوصي، "الإشتغالي"، بالضرورة!
ها أنا ذا، مثلا، أزعم الآن، من خلال هذه الانتباهة النقدية، أنني قرأت رواية "كوابيس هلسنكي" قراءة دقيقة. بدليل، وسأكتفي به فقط، أنّ ثمة سهوا، طباعيا أم كتابيا؟، عن مفردةِ "ما"، تماما، في هذا التعبير الفعلي (جمعت له لا يحصى من المعلومات/ ص236). دليل كهذا، وهو مثال فحسب، يمكّنني من التأكيد، واثقا، إني "هضمت" هذه الرواية، لـ يوسف أبو الفوز، = "موضوعة" فـ "بنية" ثم "تقنية".
من حيث "الموضوعة"، بدءا، ثمة "الإسلام السياسي" أي "المتأسلمون" حيث (التطرف الديني في أوربا وصلة ذلك بالإرهاب وفي فنلندا تحديدا/ ص201). موضوعة كهذه، ترتبط أحداثها بالعنف في العراق أيضا، إنّما تدخل في "أيديولوجيّ سياسيّ". لذلك، بحكم دخولها هذا، تحتاج إذنْ ـ نصيا لا سياقيا ـ بنيةً ذاتَ "جماليّ فنيّ".
لهذه "البنية"، = متنيّاً، على وفق هذا الاحتياج "الموضوعي"، النصي غير السياقي، فصول ستة:
 * الفصل الأول، = تسع صفحات (من "ص7" إلى "ص15")، مرقم بـ(1) ومعنون لـ(القارئ الكريم). كأنه "مقدمة" كتاب، ليس روائيا، كتبتها زوجةُ "السارد الكلي"، كما سيُعرف لاحقا، بحسبها. فهي، مخاطِبةً، تقول (كتابتي لهذه السطور ـ المقدمة، تأتي كإشارة قانونية لتبيان وتأكيد موافقتنا كعائلة في نشر ما تحويه صفحات هذا الكتاب). هذه الزوجة، من حيث هي "سارد جزئي" خلال فصل واحد، ستبيّن هوية هذي الـ"صفحات" وماهيّتها. ستتحدث عن دفتر، رمادي اللون، كتبه زوجها، الذي كان صائما عن الكلام أسابيع طويلة، ثم دفع به لها، هي حصرا، كي تقرأه. عبْر تحدّثها هذا، عنه، طيلة تلكم الصفحات التسع، الخاصة بها، تكون ذات "ثالوث فعلي" جدّ مؤثر:
 / تصف دفترا كهذا بأنه "كتاب"، لا "رواية"، ما يسوّغ لـ("كوابيس" هلسنكي)، أولا، أن تتضمن "تقريريات":

ـ إبتداءً، حيث الصفحات الاوائل، من (أحاول أن أتطبع على عدم الخوف منها، ربما أكثر من التطبيع الذي تمارسه سرا وعلانية أنظمة عربية مع إسرائيل بالرغم من رفعها شعارات تحرير فلسطين./ ص22)
ــ إنتهاءً، حيث الصفحات الأواخر، إلى (ألا يقوم بعض المشبوهين من أزلام صدام حسين في فنلندا بجمع التبرعات المالية والعينية بحجة مساعدة الشعب العراقي وإرسالها إلى الجماعات المسلحة التي تتستر تحت قناع "مقاومة الاحتلال"؟/ ص270)
 // تزوّد "الكاتب" = شخصية، كونه صديقهما "هي وزوجها"، بنسخة من الدفتر، ذاته، ما يبرر في "كوابيس هلسنكي"، ثانيا، أن تتوفر على "ملاحظات وأسماء أعلام" عند انتهائها: (وفورا دخل صديقنا الكاتب في التفصيلات. إقترح ـ ووافقت فورا، إقتناعا مني بتجربته وخبرته وثقافته ـ أن يضع ـ وبالاتفاق معي ـ هوامش وملاحظات لأسماء الأعلام والأماكن وما يتطلب التوضيح مما يرد في صفحات الدفتر، إعتقادا منه بضرورة مساعدة القارئ على تتبع وفهم ما يدور في محتويات صفحات الدفتر لو صدر ككتاب..)
 /// تشكر أشخاصا حقيقيين، = ثمانية (رشاد الشلاه/ بلقيس حميد حسن/ عبدالكريم هداد/ كوران محمود/ طه رشيد/ شادمان علي فتاح/ ماركو يونتينن/ عبدالله به شيو) تحديدا، ما يحتّم على "كوابيس هلسنكي"، ثالثا، أن تغدو مزيجا من ("المصداق" الملموس) و("المكذاب" المحسوس)
 ** أمّا الفصول الأخرى، بعد (1/ القارئ الكريم)، فمرقمة كليا  2/ 3/ 4/ 5/ 6) ومعنونة جزئيا  "سكشنات" أو "مقاطع"). وهي تكوّن، بمجموعها، ما كتبه صاحب "الدفتر"، زوج كاتبة "المقدمة"، حيث هو "السارد الكلي" خلالها خمستها. لذا.. فإنّ بنيةً كهذه، هنا، لها "سارد كلي"، = أوحد + أعلم، تستوجب تقنية ذات "أسلوبيّ حِرْفيّ".
هذه "التقنية"، التي يُفترض أنها ("فذة": استثنائية غير اعتيادية) بحسب هذا الاستيجاب "البنيوي"، تتجلى من خلال الاشتغالات الآتية:
 * التشديد على التناوب "الحدثي"، = المشهدي، أي تعليق "الحدث"، أو "المشهد"، عبْر مفهومين:
ـ تأويلي ((= "إيحائيّا"))، ليس حاسما، يُبْطَن في "كلمةٍ"، ما، لا يفصح "السارد الكلي" عنها، مثلا، وهنا:
 / إبتداءً، حيث أوائل الصفحات، من (هذه الكلمة حتى الآن لم يقلها لي أحد ما مباشرة/ ص16)
 // إنتهاءً، حيث أواخر الصفحات، إلى (حين أراد أخي تكرار أسئلته، رفعت إليه عينين غاضبتين:/ - أتريد أن تقول إني صرت.../ لم أكمل عبارتي. ص288)
ــ تفسيري ((= "معنويا"))، جدّ حاسم، يُظْهَر في إفصاح "السارد الكلي" عن سبب وجوده في "المستشفى" وسط "الأطباء والمحققين"/ ص17، مثلا كذلك، بحسب قوله الآتي هنا (من دون أي تردد توجهت إلى مركز الشرطة القريب من محل سكني/ ص249)
 ** المزج بين "الميتافيزيق" و"الفنطازيا"، أو تبرير الثانية بالأول، حيث الحلم الإرادي لـ"السارد الكلي"، خصوصا، أي التحكم في زمانه ومكانه، كليهما معا، منذ "ص41" (قررت العودة إلى النوم من أجل مزيد من الراحة، وأيضا لسبب آخر بدا لي مهما وأساسيا ذلك اليوم، وكان هو شرارة الحريق التي اندلعت في سهول حياتي، والبداية في كل ما أعيشه الآن: محاولة التعرف إلى أين يذهب أخي متخفيا كأنه لص؟.)
 *** الاقتباس من كتابات لـ: هادي الخزاعي/ كاظم الحبيب/ هادي محمود، = ص81/ ص220/ ص244 تراتبيا، بوساطة "السارد الكلي"، ذاته، ناسبا عبارات صادرة عنهم لـ"الصديق الكاتب".

 **** الاعتماد على النسق "التتابعي"، فضلا عن نظيره "التراوحي"، خلال "اللواحق"، = "الاستذكارات" + "الاسترجاعات"، كما الحال، مثلا، في ما هو متعلق باعتقال "السارد الكلي" من طرف "السلطة الدكتاتورية" (الغثيان طوحني بعيدا وأعادني إلى تلك الأيام الكريهة الخارجة على الزمن البشري، التي كنت فيها مجرد حشرة!/ ص102 ـ ص103.)
 ***** التوئيم بين "السارد الكلي" و"الصديق الكاتب"، لصالح "الروائي المؤلف"، هكذا:
ـ (رواية جديدة بدأ صديقي الكاتب يضع الخطوط الأولى لها. لم يخبرني عن هذا. يبدو أنه يريد أن تكتمل الفكرة أو أجزاء منها قبل أن يتحدث عنها. ماذا خط في الصفحة الأولى؟ آآآه. عنوان مقترح للرواية. ماذا؟ "كوابيس هلسنكي". عنوان مثير ومخيف. عن ماذا يريد أن يتحدث؟ سأقرأ كل ذلك لاحقا.)/ ص191
ــ (أتدري يا صديقي العزيز، بعد تلك الرسالة اللعينة كم مرة دهمتني الكوابيس؟ كوابيس مخيفة، مريعة. كانت تتكرر بتفاصيل متشابهة. كنت أخفي ذلك عنكم جميعا، لم أرد إقلاق أحد. هذه أول مرة أتحدث عنها.)/ ص202
ـــ (نحن صورتان لبعضنا البعض. نحن أصل وصدى. صورة وانعكاس. أفكارنا تنبع وتجري وتصب في ذات النقطة. كثيرا ما أجده يكتب ما كنت أفكر به. وأتبنى ما كتب لأحكيه وأدافع عنه بحماسة شديدة)/ ص236
 ****** الانفتاح على المستقبل، = تفسيريا "معنويا" + تأويليا "إيحائيا"، عبْر النهاية "المفتوحة"، دون نظيرتها "المعقولة"، حيث عبارة "السارد الكلي" هذه (بهدوء وبصوت مسموع كررت ما قلته كذا مرة: لا تنس أنهم بيننا!.)
إضافة إلى هذه الاشتغالات، الستة، التي تتجلى من خلالها تقنية "كوابيس هلسنكي"، بحسب استيجاب بنيتها، ثمة اشتغالات أخرى من طرف "السارد الكلي"، أيضا، أهمها اثنان. أولهما.. الركون إلى "التواتر"، = المفردي/ التكراري/ النمطي، من أجل إعادة التماسك لـ"التناوبات" الطويلة: الحدثية أو المشهدية. ثانيهما.. اللجوء إلى "الصحافة"، = تجميعا/ تحليلا/ تقديما، لأزمَنة الروي: حكيا ثم قصا.
مما تقدم، كله، بما فيه العلاقة بين: الناقد ـ النص، حيث: "علمية" الأول ـ "أدبية" الثاني، يُستشفُّ أن أهم مزايا "كوابيس هلسنكي"، = رواية، ﺗﻤﺎﺳﻚ: موضوعتها/ بنيتها/ تقنيتها. هذا التماسك، الأيديولوجي السياسي/ الجمالي الفني/ الأسلوبي الحرفي، مكّنها من ﻄﺮح أﺳﺌﻠﺔ لإثارة ﻗﻀﺎﻳﺎ، "حياتية" + "موتية"!، بأداء مزدوج: سردي = حبْكاً/ وصفي = رسْماً. ما جعلها، إجمالا، تنجح في التوفيق ما بين ﻤﺘلقٍّ "ﻨﺨْﺒﻮي" وآخر "ﺸﻌْﺑوي"، حيث (النخبوي الشعبوي) في الرواية العراقية، وهذا محسوبٌ أهمّ لمؤلفها ﻳﻮﺳﻒ أﺑﻮ اﻟﻔﻮز.