ساكو يدعو لدعم دولي "عاجل وفعال" لإنقاذ المسيحيين العراقيين من "الزلزال المدمر" الذي تعرضوا له 2014/08/24 19:06

البطرياك لويس ساكو
المدى برس/ كركوكعد بطريرك الكلدان في العراق والعالم مار لويس روفائيل ساكو الأول، اليوم الأحد، أن المشهد الثاني من "نكبة" المسيحيين العراقيين، يتضمن تهجيرهم في بقاع الأرض، لتبدأ رحلة "التيه وعملية تذويب هويتهم وتراثهم وطيّ تاريخهم المجيد"، وفي حين اتهم أميركا والاتحاد الأوربي، بعدم تقديم مشروع حقيقي لمعالجة الأزمة، والمجتمع المسلم، بعدم اتخاذ الموقف المنتظر حيال الأعمال "البربرية" التي تمت ضد المسيحيين باسم الدين، أكد الحاجة لدعم دولي "عاجل وفعال" لإنقاذ هذا المكون العراقي "الأصيل" من "الزلزال المدمر" الذي تعرض له، لأن "الصمت والتقاعس" يشجعان (داعش) والأصوليين على ارتكاب المزيد من "المآسي".
أكد بطريرك الكلدان في العراق والعالم مار لويس روفائيل ساكو الأول، اليوم الأحد، أن "الضربة القاسية" التي تعرض لها المكون المسيحي في العراق، وتهجير أكثر من مئة ألف منهم بنحو "قسري مُذلّ"، وسرق ممتلكاتهم، لم تحرك الضمير العالمي "إلا قليلاً"، وفي حين بين أن المشهد الثاني من "نكبة" المسيحيين، يتضمن تهجيرهم في بقاع الأرض، لتبدأ رحلة "التيه وعملية تذويب هويتهم وتراثهم وطيّ تاريخهم المجيد".
واتهم البطريك ساكو، المجتمع الدولي، لاسيما أميركا والاتحاد الأوربي، بعدم تقديم مشروع حقيقي لمعالجة الأزمة، والمجتمع المسلم، بعدم اتخاذ الموقف المنتظر حيال الأعمال "البربرية" التي تمت ضد المسيحيين باسم الدين، عاداً أن الأزمة الراهنة ينبغي أن تمنح المسيحيين القوة لإعادة البناء الروحي والمعنوي والمادي، ودعا إلى ضرورة احترام قرار من يريد الهجرة، مع التأكيد على احترام من بقى، والتأكيد على التاريخ المسيحي الطويل والمتجذر بعمق في هذه التربة، لأن وجودهم يمثل مشيئة الرب الذي يحملهم رسالة ينبغي أن يكونوا على قدرها، هي رسالة "محبة وإخوة وكرامة وعيش مشترك متناغم".
وقال البطريرك ساكو، في حديث إلى (المدى برس)، إن "حملة الاجتثاث المنظمة التي تعرض لها المسيحيون في العراق وتلقيهم مع أقليات أخرى، ضربةً قاتلة في صميم حياتهم ووجودهم، تمثلت بتهجير أكثر من مئة ألف شخص منهم، بنحو قسري مُذلّ، وسرق ممتلكاتهم وأموالهم ومستمسكاتهم، والاستيلاء على بيوتهم، لتهمة وحيدة هي مسيحيتهم، لم تحرك ضمير العالم إلا قليلاً"، مشيراً إلى أن "المسيحيين النازحين إلى محافظتي أربيل ودهوك، تعرضوا لأحداث تشبه أفلام الرعب وبما يفوق الخيال، من دون أن تلوح بالأفق أي بوادر حل فريب لمعاناتهم".
وأضاف بطريرك الكلدان في العراق والعالم، أن "تمويل المسلحين وتسليحهم يتواصل مثلما يستمر تدفق المقاتلين عليهم"، مبيناً أن "راسم المشهد ومنفذه يواصلان العمل بقوّة، لتنفيذ المشهد الثاني من نكبة المسيحيين، وكأنه الحل المرسوم، من خلال تهجيرهم في بقاع الأرض، لتبدأ رحلة التيه وعملية تذويب هويتهم وتراثهم وطيّ تاريخهم المجيد".
وعد البطريرك ساكو، أن "أثر التهجير والهجرة كبيراً سواء على المسيحيين أم المسلمين، لأنهما جميعاً يخسرون شيئاً لا يُعوّض بقلع مكون أصيل، بحجم المسيحيين، ليبدأ تراثهم العريق بالتلاشي"، محملاً "المجتمع الدولي بعامة وأميركا والاتحاد الأوروبي بخاصة، مسؤولية أخلاقيّة وتاريخية تجاه ما حصل، إذ أن العالم لم يفكر حتى الساعة، بمشروع حقيقي لمعالجة الأزمة وكأن المسيحيين ليسوا من جنس البشر".
واعتبر بطريرك الكلدان في العراق والعالم، أن "المجتمع المسلم، هو الآخر، لم يقل ما كّنا ننتظره حيال الأعمال البربرية التي تمت باسم الدين، ضد المسيحيين وكرامتهم وحريتهم، بالرغم من أنهم أصحاب فضل وشراكة وكفاح من أجل الوطن والعروبة، لغة وتاريخاً وحضارة إسلامية".
ورأى البطريرك ساكو، أن "الاصولية الدينيّة ما تزال تقوى وتتنامى بكل ما تفرزه من مآسي"، متسائلاً "لا نعلم متى يقوم علماء الدين والمفكرون المسلمون بدراسة نقديّة لهذه الظاهرة الخطيرة وتفكيكها من خلال توعية دينية صحيحة وإشاعة ثقافة الاعتراف بالآخر وقبوله كأخ ومواطن مكتمل الحقوق".
وأكد بطريرك الكلدان في العراق والعالم، أن "ما حصل هو بحجم الدول، لذلك نحتاج إلى دعم دولي عاجل وفعال ومساندة جميع ذوي الإرادة الطيّبة لإنقاذ هذا المكون العراقي الأصيل من الزلزال المدمر الذي تعرض له"، لافتاً إلى أن "الصمت والتقاعس يشجعان داعش والأصوليين على ارتكاب المزيد من المآسي".
وشدد البطريرك ساكو، على أن "كثيراً من النازحين المسيحيين يرغبون بالعودة إلى بلداتهم وبيوتهم في سهل نينوى، ويتمنون أن يرون منطقتهم آمنة تحت إشراف دولي"، مستدركاً "لكن التطهير الكامل للإرهابيين لا يمكن تحقيقه إلا بتعاون المجتمع الدولي وحكومتي المركز وإقليم كردستان".
وتابع بطريرك الكلدان في العراق والعالم، أن "المسيحيين أناساً أبرياء يستحقون العيش بسلام وكرامة، وقد تعرضوا للرعب من قبل داعش وجيرانهم الذين هبوا لسلب بيوتهم ونهبها معتبرين إياها غنيمة"، مستطرداً أن "الكنيسة تفتخر بإيمان أبنائها وبناتها وثباتهم وشجاعتهم في مواجهة ما قاسوه من أجل مسيحيتهم، لكنها في الوقت نفسه تدعو لاستثمار النكبة المشتركة التي حصلت، لعيش مسكونيّة حقيقة وليس انشائية (خطابات)، كما عشناها خلال زيارة موفد البابا فرنسيس والبطاركة والمنظمات المسيحية المختلفة".
وواصل البطريرك ساكو، أن "الأزمة الراهنة ينبغي أن تمنحنا القوة لإعادة البناء الروحي والمعنوي والمادي لجماعاتنا"، داعياً إلى ضرورة "احترام قرار من يريد الهجرة، مع التأكيد على احترام من بقى، والتأكيد على التاريخ المسيحي الطويل والمتجذر بعمق في هذه التربة، لأن وجودهم يمثل مشيئة الرب الذي يحملهم رسالة ينبغي أن يكونوا على قدرها، هي رسالة محبة وإخوة وكرامة وعيش مشترك متناغم".
يذكر أن بطريرك الكلدان في العراق والعالم، لويس روفائيل ساكو، طالما دعا العراقيين إلى "التعايش السلمي ونبذ التفريق بين الأديان وتقوية اللحمة الوطنية والإخاء"، مثلما أكد مراراً على المسيحيين "عدم ترك العراق" وحث المغتربين منهم إلى العودة إليه.
وكان البطريرك ساكو، دعا في (الخامس من آب 2014 الحالي)، بابا الفاتيكان وقادة الكنيسة، إلى التحرك والضغط بقوة على المجتمع الدوليّ وأصحاب القرار لإيجاد حلول جذرية لـ"الجرائم الضخمة والمخططات المدمرة"، بحق المسيحيين في العراق وسوريا وفلسطين، وفي حين بيّن أن الحكومة العراقية "عاجزة" عن فرض النظام والأمان في البلاد، أكد أن المسيحيين أمام أزمة وجود بشعار (نكون أو لا نكون)، منتقداً الأحزاب المسيحية لإخفاقها في عمل شيء ملموس، والزعماء المسلمين لغياب موقف واضح منهم بهذا الشأن، والدول الكبرى لتعاملها بمكيالين مع المسيحيين.
ويتعرض المسيحيون في العراق إلى أعمال عنف منذ سنة 2003 في بغداد والموصل وكركوك والبصرة، من بينها حادثة خطف وقتل المطران الكلداني الكاثوليكي بولس فرج رحو في آذار 2008، كان أبرزها حادثة اقتحام كنيسة سيدة النجاة من قبل مسلحين تابعين لتنظيم القاعدة في سنة 2010.
وتعرضت كنيسة سيدة النجاة التي تقع في منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد، لاقتحام من قبل مسلحين ينتمون إلى تنظيم القاعدة، في الحادي والثلاثين من تشرين الأول 2010 الماضي، احتجزوا خلالها عشرات الرهائن من المصلين الذين كانوا يقيمون قداس الأحد، وأسفر الاعتداء عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 125 شخصاً، وقد تبنى الهجوم تنظيم ما يعرف بـ"دولة العراق الإسلامية" التابع لتنظيم القاعدة، مهدداً باستهداف المسيحيين في العراق مؤسسات وأفراد.
لكن المسيحيين تعرضوا إلى محنة قاسية بعد أن تمكن تنظيم (داعش) من فرض سيطرته على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، (405 كم شمال العاصمة بغداد)، في،(العاشر من حزيران 2014)، كما امتد نشاطه بعدها إلى محافظات أخرى بينها صلاح الدين وكركوك وديالى وأربيل ودهوك ومناطق قريبة من العاصمة بغداد.
وكان شهود عيان من أهالي نينوى، أكدوا في أحاديث إلى (المدى برس)، في،(الـ18 من تموز 2014 )، بأن عشرات المسيحيين "يهربون"، من مدينة الموصل، بعد تلقيهم تهديدات "بالقتل من قبل تنظيم داعش"، إذا لم يغادروا المدينة حتى (الـ19 من تموز 2014)، وفي حين بينوا أن عناصر التنظيم كتبوا على منازلهم عبارة "عقارات الدولة الإسلامية"، أكدوا أن عناصر "التنظيم ومناصريهم" من أهالي المدينة، بدأوا "عمليات المصادرة لأموال المسيحيين".
كما عمد (داعش) إلى تفجير أو حرق ونهب العديد من كنائس الموصل، بما فيها تلك التي تتميز بمكانتها التاريخية، فضلاً عما قام به من تفجير أو تخريب العديد من مراقد الأنبياء ودور العبادة والمواقع الحضارية، في الموصل وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها، وتهجير مئات الآلاف من أبناء الأقليات (تركمان، شبك، مسيحيين)، مما اثار سخط الأوساط الشعبية والرسمية المحلية والإقليمية والعالمية، ومطالبتها بضرورة وضع حد لتصرفات ذلك التنظيم.
وكان المسيحيون يشكلون نسبة 3.1 بالمائة من السكان في العراق وفق إحصاء أجري عام 1947، وبلغ عددهم في الثمانينات بين مليون ومليوني نسمة، وانخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال حقبة التسعينات وما أعقبها من حروب وأوضاع اقتصادية وسياسية متردية، كما هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الخارج بعد أحداث غزو العراق.