عذرا ان قلت كل عراقي يخبيء في دواخله داعشا !!!
أوشانا نيسان" أكتب هذا المقال والعراق كله يراقب عن كثب نتائج أعلان ثقة البرلمان العراقي على أسماء التشكيلة الوزارية التي سيقدمها رئيس الوزراء المكلف السيد حيدر العبادي الى رئاسة البرلمان الوطني العراقي بعد لحظات. علما أن تأخر التشكيلة الوزارية جاء بسبب حدة الخلافات المتفاقمة حول المصالح والمقاعد الوزارية وليس حول البرنامج السياسي- الوطني للكابينة كما يفترض. في وقت لم يجر الحديث عن مشاركة المكونات العرقية العراقية الاصيلة ضمن الكابينة الوزارية حتى اللحظات الاخيرة من الاجتماع. رغم الاحتجاجات الخجولة من بعض رؤساء المكونات وتذمرهم من التهميش المقصود رغم الاوضاع المأساوية التي يمر بها أبناء شعوبهم المضطهدة هذه الايام".
الواقع الذي ان دل على شيء فانه يدّل على خصوبة الاجواء السياسية التي مهدت بشكل أو بأخر على تبني ثقافة الاختلاف أو سياسة الاختلاف الطائفي، تلك التي تلقفتها الدولة الاسلامية في العراق والشام " داعش" واستغلتها في العراق بامتياز.
أّذ لو رجعت قليلا الى الوراء وتذكرت جوهر السجال الذي جرى بيني وبين العديد من المثقفين العرب في بغداد قبل أكثر من 30 عاما، لتذكرت جيدا انني أصريت في القول، أن الطاغية صدام لا يمكن اعتباره مجرد شخص أو مجرد رئيسا للجمهورية وانما "ظاهرة" سياسية مقيتة يتقمصها كل مواطن عراقي في زمان ومكان معينين. فالاجندات السياسية للنظم المركزية التي تعودت أن تتباهى بالبنود الخاصة بالحروب الداخلية، القتل الوحشي، الانقلابات الدموية، الاعدامات بما فيها سحل الملوك في الشوارع، وأستعمالات الاسلحة الكيميائية ضد شعوبها، أصبحت بحق مصدرا لانتاج الفتن الطائفية والتكفير وتصدير القتلة باسم الدين وبالتالي تشويه نظرة المواطن العراقي الى الهوية والمستقبل وفقدان ثقته بالسطة السياسية الحاكمة في بغداد منذ 93 عاما. وما يقال اليوم عن مضمون الشعارات الوطنية ومفردات التلاحم الوطني في الاجندة السياسية للنظام المركزي رغم مرور ما يقارب من قرن من الزمان، مجرد وهم وخيال يصعب تصديقه بعد كل هذه التجاوزات واعتداءات الجيران على الجار.
في وقت وللحق يقال، انه يجب التميز بين نهج العراق العربي ونهج العراق الكردي وخطاب قياداته السياسية ودور الاخيرة في ترسيخ دعائم الاخاء الوطني من خلال تثبيت حقوق الشعوب غير الكردية ضمن دستور الاقليم رغم قصرعمر الفيدرالية قياسا بالدولة العراقية التي شاخت وهرمت. ففي وقت يهمش فيه علنا وجود وحقوق جميع المكونات غير العربية والكردية في الكابينة الوزارية التي قدمت لرئيس المجلس الوطني بالامس، يطالب اليوم رئيس الاقليم السيد مسعود البارزاني رئيس الوزراء العراقي المكلف حيدر العبادي على "ضرورة تخصيص حقيبة وزارية للإيزيديين في الكابينة الحكومية الجديدة، وذلك اثر تعرض الإيزيديون لمجازر على يد تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي قتل أكثر من ألفي إيزيدي إعداماً بالرصاص وذبحاً، فيما فر الآلاف منهم إلى داخل العراق وخارجها إلى سوريا.
علما أن ولادة "داعش" جاءت أساسا كناتج طبيعي لسياسات التهميش والاقصاء التي فرضتها الحكومة المركزية على مناطق ومدن معينة، عانت منها بعض مكونات المجتمع العراقي وعلى رأسها العرب "السنة" رغم اعتبارهم ثاني أكبر شريحة سكانية في العراق. فالمطلوب اليوم قبل الغد، هو تغييرعقلية السلطة السياسية في بغداد ورفع القيود المفروضة على القوى والطاقات الوطنية العراقية تارة بأسم الاكثرية واخرى باسم المذهبية أو الطائفية، ذلك من خلال تقديم أجندة سياسية بديلة تتفق مع روح العصر وتستوعب كل المتغيرات.
حيث الكل شاهد وراقب عن كثب، فصول الاحداث الدموية والجرائم اللانسانية التي اقترفت خلال شهر أب المنصرم، ابتداء بمسيحي الموصل وانتهاء بالايزيدين العزل في سنجار وضواحيها. ذلك نتيجة لهشاشة الوضع الامني الذي خلفته الايديولوجية السياسية التي نفذها السيد نوري المالكي واجراءاته اللامسؤولة في عدم تشكيل الجيش العراقي بالشكل المطلوب. ومن المنطلق هذا يمكن لاي عراقي غيور ان يطرح التساؤل الاتي: ما هو السبب في عدم تشكيل حكومة عراقية جديدة يفترض بها ان تكون حكومة شراكة وطنية، تحمل استراتيجية جديدة للعمل الجدي في سبيل ايقاف خطاب التهميش وسياسات الاقصاء وتوفر الامن والاستقرار في جميع أرجاع العراق، ومن ثم الاعلان عن ولادة حكومة ناقصة من دون أهم وزارتين وهما وزارة الدفاع والداخلية؟ بمعنى أخر يمكن القول، ان الاجواء السياسية المعقدة التي خلقها الخطاب "الوطني" المنحاز، سارع بعجالة في خروج الداعشي المهمش من قمقه في الوقت والمكان المناسبين.