الأيزيدية قوم من البشر كشأن الأديان الطبيعية الفطرية. من الكتّاب الذين كتبوا عنهم؛ جوزيه فربلاني في كتابه (النصوص الدينية الايزيدية) ترجم فيه الى اللغة الإيطالية (مصحف رش والجلوة)، جورج حبيب في كتابه (الايزيدية بقايا دين)، السمعاني المتوفي 1166 في كتابه (الانساب)، مس بيل الإنكليزية في كتابها (تاريخ العراق الحديث)، إسماعيل جول في كتابه (الايزيدية قديماً وحديثاً). معتقداتهم العريقة التي ترجع جذورها الى الالف الرابع ق.م منذ العصر السومري. اجدادهم على دين الزرادشتية وعقيدتهم مستمدة عن طريق المانوية. في زمن عدي بن مسافر المتوفي سنة 1161 أسلموا (ترك لبنان أواخر القرن الخامس الهجري ووالده هو من الاكراد الترائية (المذهب الترائي هو الزرادشتية). معبدهم في وادي لا لش في قضاء شيخان، أصل المعبد كما يقول القس بطرس نصري: (ان الاديرة التي أسسها الأساقفة السبعة كان من بينها دير ما أيث آلاها فوق قرية لا لش ثم صار معبداً ومزاراً). ان كلمة شيخ انما دخلت كمصطلح ديني بتأثير الدعوة الإسلامية بعد زمن الشيخ عدي لتحل محل كلمة (إيزيدا) المترائية وإن كانت صفة الإيزيدية قد بقيت لاصقة كصفة أساسية للديانة الاصلية موحدين وليسوا مشركين كما وصفهم السير هنري لا بارد وهم ثنائيون بحسب معتقدهم اللاهوتي. يتفق أغلبية الباحثين على ان تسميتهم مشتقة من كلمة أزيد (الملك الإله) وتعني عبادة الرب. في سنة 1093 سار كريوقا الى الموصل فحاصرها 9 أشهر فقد نهبت وسرقت الى حدْ العدم والمناطق التي أصابها الدمار بحزاني وبعشيقة الأيزيدية وتلكيف وكرمليس المسيحية. ثم جاء التخريب الثاني يوم غزاها طهماسب في 1743 فنهبها وسلبها، وشيخان دمرت بالكامل. عانوا وعاشوا أصحاب الأرض وهم من أقدم الديانات في شمال العراق الجبلية، في قممها وكهوفها التي انقذتهم ليبقوا على دينهم وتقاليدهم. تعرضوا لاضطهاد فكري وثقافي لمئات السنين الى 72 حملة عسكرية همجية بهدف ابادتهم أو أسلمتهم. حيث تم تدمير معظم قراهم وبيوتهم وبساتينهم وتحويلها الى معتقلين مستعبدين في سهل شنكل. الأيزيديون طيبون وأوفياء ومقاتلين شجعان ويتحلّون بصفة، فهم اصلاً للكرم والضيافة، أخلاقهم حميدة استمدوها من عمق مبادئ ديانتهم العريقة ومن تراثهم الاجتماعي الزاخر. عندما شن العثمانيون حملات الإبادة الجماعية ضد الأرمن عام 1915(مجزرة المليون شهيد) إضافة الى إبادة مليون آخرين من الآشوريون والكلدانيون واليونانيون، حصل نزوح الى مناطق شنكل وأصبحوا تحت حماية ورعاية زعيم الجبل حمو شرو، بذلك طلب الاتراك من حمو تسليم هؤلاء النازحين المهاجرين إلا انه أبىّ ذلك ورفض طلبهم مما هددوه بحملة عسكرية ضده وضد شعبه، حصلت الحملة العسكرية عام 1917 وقاد الحملة إبراهيم بك، وَحَد الشنكلين صفوفهم ضد القوات الغازية وكبدوهم خسائر فاحشة ولم يسلّموا فرداً واحداً من حاضنيهم. ما زال الأرمن يستذكرون الواقعة والموقف الإنساني خاصة بعد ام أنشئت دولة أرمينيا. موقف الأيزيديين الثاني البطولي التاريخي والذي لا ينساه الاكراد (البشمركة) في القصبات والقرى التي كانت مأوى وملاذ لهم اثناء الحركات الكردية. وعند قيام الانتفاضة الكردية عام 1991 ترك ألاف من الجنود العراقيين مواقعهم في زاخو وسميل وهربوا الى القرى الايزيدية استقبلوهم بإخوة عالية وقدموا لهم المأوى والمأكل والملابس المدنية وعبروهم الى الموصل في مجمع خالكي ثم وصلوا الى ذويهم سالمين. ألا يستحق هؤلاء القوم الثناء التقدير والاجلال؟ من خلال معاشرتي وعلاقتي معهم منذ الستينات من القرن الماضي جمعتني واياهم الجلسات واللقاءات والحوارات السياسية والاجتماعية ومعتقداتهم خاصة في دار أخي وعزيزي غانم صبري جبور (أبو شوان) في الكرادة وكان بيته ديواناً للملتقى، منهم الطبيب والنائب في البرلمان (النظام السابق) والمهندس والموظف والتاجر وغيرهم. لمست من خصائصهم وعاداتهم واخلاقياتهم مثُل القيم العليا في الكرم والمحبة والنخوة، كرماء مخلصون مبدعون، يقدسون المرأة والأطفال، لا يعرفون الكذب والسب والقتل، محافظين على شرف الغير لأنهم شرفاء وانقياء، سموّهم عزة النفس ويحترمون الأديان، تاريخي لم يرى أي قوة نموذجية تُذكر سواهم. وعند حصول النكبة على مسيحيو الموصل بما حلّ بهم بعد سقوطها بيد داعش استقبلوهم الايزيديون في شنكل وشيخان وبعشيقة وقرية ختارة فأسكنوهم في ديارهم ومدارسهم وأنشأوا المخيمات وأن أميرهم الشيخ تحسين سعيد له موقف مشرّف وتاريخي. مع كل هذا العطاء الإنساني للمسلم والمسيحي. وإذا بالنكبة الشرسة امتدت عليهم بكابوس الشر، حيث طردوهم وقتلوهم وعذبوهم وذبحوا الألاف من رجالهم وشبابهم مع النساء والأطفال العُزل واجبروا بعظهم على الإسلام بالسيف. ثم سبوا نسائهم وبناتهم في أسواق النخاسة ببخس الدولارات في الموصل وتلعفر والبعاج وريف حلب وريفي الرقة والحسكة في سوريا، من اجل تنفيذ مشروع الإبادة. حتى الجبال التي فرّوا اليها صارت تنزف وتصدخ بصراخ النساء والأطفال وهم ثكالى بلا ماء ومأوى وملبس مما وصل الحال البعض منهم حالات الانتحار للتخلص من البؤس والمآسي والذل دون إغاثة تذكر من المسؤولين والمجتمع الدولي. مجرمو داعش انسحبوا من مجمع سيبا شيخ قدر بدون قتال بسبب روائح الجثث التي قتلت ولم تعد التحمل بعد مجزرة بشعة على قرية كوجو ذو الألفين نسمة. الشعب الأيزيدي المسالم ليس في ثقافتهم الدينية والاجتماعية أي شيء يربطه نتيجة هذه الجرائم الوحشية، انها تتنافى جميع الأعراف الاجتماعية الدولية في عصر الألفية الثالثة. هل لأنهم طيبون مسالمون؟ أم لأن شريعتهم مثال الإنسانية؟
الباحث/ ســــمير عســــكر