فلسفة تيار دي شاردان في نظرية الكون الشمولي


المحرر موضوع: فلسفة تيار دي شاردان في نظرية الكون الشمولي  (زيارة 7323 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

                       تيار دي شاردان

محاضرة  بعنوان      فلسفة تيار دي شاردان في نظرية الكون الشمولي
المكان                 اخوية مريم العذراء حافظة الزروع في ملبورن  2003               
 المحاضر               يوحنا بيداويد
 
      فلسفته:-
حاول بيار أن يدمج الفكري العلمي والديني في نظريته حول تطور العالم. كلنا يعلم بنظرية التطور التي وضعها تشالز داروين  في منتصف القرن التاسع عشر،  والتي عصفت  العالم الفكري  والديني في وقتها. فقد لاح للناس من جديد هوة كبيرة بين العلم والدين كما حدث في زمن غاليلو و كونبركريوس الذين قالا أن الأرض تدور حول الشمس وليس كما كان يعتقد بطليموس الاغريقي، اي ان الأرض هي مركز الكون.

تيار دي شاردان كان يرى تطورا واضحا هادفا نحو الوحدة، حيث يقول يتخيل المرء بان الكون هو جامد لا يتحرك بينما في الواقع ، يتقلص  ويمتدد،  يتفتق وينتشر ، ينمو ويتسع،  يبني ذاته، يخلق و يواصل التطور نحو  إكمال  ذاته، متقدما من  ضغط إلى تزاحم ثم التعقيد ثم إلى الوعي ثم ولادة فكر.
بكلمة أخرى هناك تطور مقصود ومحكم ومخطط في كل أنواع الحياة، بعيدة عن الصدفة ، جريا على نظام باطني يسوقه صعودا من اسفل إلى  الأعلى، من اقل تطور إلى الاعقد ،على غرار فكرة الدفع الحيوي لفيلسوف الفرنسي بيرغسون، الذي يسوق العالم  من اللاوعي إلى  الوعي او جدلية هيجل. إلا أن عند بيار الموضوع هو اكثر شمولا ، حيث ان لهذا التطور وجود غاية روحية تنتهي في المسيح الذي هو هدف الكون أو المحبة أو الوحدة الواحدة في الوجود.
ويواصل قوله ( أن الله وضع الروح في المادة ، فاختبأت  فيها، وحبلت بها بنوع ما ). وفيما يلي مراحل تطور الكون حسب رأي بيير تيار دي شاردان:-

المرحلة الأولى                بدء المادة بالحركة
 
يقول بيار تبدو المادة من ناحية الظاهرية ثقيلة وجامدة، لمن يتمعن فيها مليئا سوف يراها مملوءة من العقل والذكاء (أفكار هيجل) . فالمادة تبني وتنظم ذاتها بطرق مختلفة فمهما بدأت مفشاة  فأنها تحتل في تضاعيفها من الوجدان بشبه غيبوبة أو لا شعورية.
بالنسبة  تيار دي شاردان( الكون هو مغلف بالروح،  حيث يقول حيثما وقعت المادة وقعت على الروح، لذاك نراه يناجيها ويقول  أيتها المادة المقدسة يا حاملة الروح في رحمك)).

المرحلة الثانية           توحيد بنية الحياة بنوع اعقد فيها شعور

في المادة المجبولة بالروح، هناك قدرة او طاقة كامنة لها الامكانية على التسامي اكثر فأكثر نحو الروح. كلما نمى فيها جهاز العصبي فكلما زاد الوعي والوجدان والحساسية والشخصية  فهناك نظام مخطط ومرسوم نحو تقدم متواصل، تقوم بقزة  لتنتقل من  الفقريات إلى الثدييات منها إلى القرديات ثم إلى الإنسان.

المرحلة الثالثة    ظهور الإنسان

بعد تقدم وتطور متواصل  لمدة ثلاثة مليارات سنة ن يظهر الإنسان على حلبة الوجود،  في آخر تطور من التكوين الأرض ( تطوير الثالث)،وذلك لا اقل من مليون سنة ، يصعد بصمت وبمشقة ، مارا بأجناس مختلفة كما هو مبين من الهياكل العظمية المتحجرة داخل طبقات الأرض ، كانسان نياندرتال ( الذي اكتشفه فولهروت في 1857 في وادي نياندرتال في ألمانيا إنسان كرومانيوم في مقاطعة الجنوب الغربي لفرنسا وإنسان البيتاكنتروبيس والصيننبروبس . ومن مقدرته على  اختراع أدوات الحجرية والنار والرسوم وغيرها هي علامات الحضارة
هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في تاريخ الوجود، أن دخول الفكر البشري إلى الكون هي ظاهرة غير وليدة للصدفة كما يعتقد البعض ، بل هي مقصودة وكامنة في نظام التطور.

المرحلة الرابعة   البشرية في طريق وحدة فكرية

بعد آلاف القرون توقف التطور الكوني على صعيد الفسلجة، لكن بدا تطور من نوع  آخر
( تطور اجتماعي)، في منتصف القرن العشرين  وبعد أن ذاق العالم مرارة حرب العالميتين الكبيرتين  بدأت البشرية تقترب نحو بعضها تقبل بعضها ،هذا التطور هو على صعيد الاجتماعي سياسي يتسع لدول اكثر فاكثر ، رغبة الدول الشعوب تزداد يوما بعد يوم نحو اتحاد ، هذه هي نفس الطاقة الروحية التي تدفع الإنسان نحو  أخيه الإنسان فهي تعمل عملها داخل نخبة من البشر وتحضهم على التفاهم والتقارب نحو الوحدة في الرأي والقلب  والعمل مع الحفاظ على حريات الفرد.
كذلك فتح مجالات أمام طلاب والباحثين في شتى المجالات العلمية والفكرية، حيث تزداد عملية الاتصال الفكري بين هؤلاء .
 وكأنه كان تيار دي شاردان  يحدس وضعية هذه الأيام التي نعيشها  والتي يستخدم فيه الانترنيت.

المرحلة الخامسة      خاتمة التطور علامة اوميغا

أن تيار التوحيد الكوني سيتابع جريه وينتهي يوما بالجميع الناس  في  طرأ واحدا، حيث سوف تنتصر الحقيقة على الضلال، والمحبة على الكراهية، وسوف تكون هناك عنصره جديدة ونهائية وتفضي إلى  فوز الروح بالوحدة.
هذه الشركة تفترض وجود كائن مطلق متسام ومتعال منه تنحدر وتأخذ كيانها وكمالها، وإلا لكانت مبهمة بلا رأس ولا عقب ، فوحدة الأرواح تتطلب وجود الله حتما، هذا الإله نحو نقطة الدائرة في  تطور تاريخ ، هو علامة اوميغا (الحرف الأخير من اللغة اليونانية)  التي إليها يتوجه كل شيء ، هو ليس مثال أعلى فقط، لكنه شخص متسام، علة الكون ، أي الله  فهو ألفه وياؤه، وبدؤه ونهايته، هو الذي وضع قوة الروح في المادة وجعلها تتطور ثم تعود فتتجمع وتتوحد لتعود إليه في النهاية.

إذن لماذا جاء المسيح؟، ما هو موقعه من فكر تيار دي شاردان؟

  المرحلة السادسة         المسيح الكلي أو الكوني

حينما كانت البشرية نحو كمالها الروحي، إذ بحدث هام وخطير يحدث ، قفزة روحية هائلة تحدث ، إلا وهي ظهور المسيح في التاريخ. لقد اجتمع فيه الإله والإنسان معا.
هذا كان بمثابة تهيئ الكون لاتحاد بالله ، كان ظهور أو تجسد يسوع هو اعظم حدث يجري لتطور البشرية وتقدمها، يريد بالمسيح ، يسوع الناصري الذي ظهر في أطر الزمان والمكان ،وهو الخالق والمصدر والأساس لهذا الكون الفسيح ، والمثال الأعلى الذي على صورته تتكون الكائنات، إن يكون هو البيئة أو الوسيط الإلهي الذي يحرك كل شيء.
هو نقطة التي تلتف حوله كل العناصر وتتوحد، بكلمة أخرى هو الطاقة المحركة والقطب والغاية التي يصبو إليها كل  الرغائب وتجد مركزها ووحدتها.
أما نهاية العالم، هي اجتماع جسد المسيح الروحي  أو السري بكامله، اي اتحاد جميع الضمائر ذات الإرادة  الصالحة في المحبة والروح. هي نهضة الإنسانية بأسرها في الله الذي يجمع ويضم إليه كل ما خلقه بدافع حب وجودة لا توصف.
هزت هذه الأفكار العالم هزا عنيفا، من المؤمنين والغير مؤمنين على السواء، من العلماء واللاهوتيين، فمن محبذ ومهلل لها، ومن ناقد وساخط عليها، وقد كتب عن تيار دي شاردان كما قلنا  انه الشخص الذي  ولد في غير زمانه.
أراد أن يجمع العلم والأيمان، بالأحرى أن يقرب الأيمان للعلماء بلغة يفهمونها، ليكون لحياتهم مغزى ومعنى. فكان تيار فعلا رائدا في فكره النير، رو حيته المتصوفة وطاعته التامة لأوامر الكنيسة حتى بعد أنبهته و إعطت  القصاص له.



بعض مقتطفات من فكر تيار دي شاردان
1   إن نظرية التطور لدى داروين قد أدخلت مفهوم الزمن  إلى العلم والفكر الإنساني و الديني  بصورة  أوضح  لأول مرة، لان التطور الذي حصل للكائنات الحية حصل عبر التاريخ أي الزمن.
2    إن الوعي الإنساني يزداد يوما بعد يوم  إلى  الأعلى  و سيأتي يوما سيكون فيه الإنسان لديه وعي أعلى من اليوم.

3    كان يؤمن بوحدة الأشياء         The Unity of all Things
من  ملاحظة ألاجزاء اللامتناهية  للكون يرى تيار هناك   وحدة . يقول النقطة الأساسية  في الربط ، هي حقيقة كل واحد منا  بحكم حاجته الطبيعية  هو في حالة الربط مع كل  الأشياء المحيطة به العضوية والجامدة، وان هذه الوحدة نشأت في الماضي ومستمر في الحاضر والمستقبل لجميع الكائنات، إذا دققنا مليئا في حياة الحشرات الدقيقة مثل النمل ، لكن تطورت هذه الكائنات عبر طرق مختلفة باتجاه  الوعي أو الضمير.
                 
4    كان تيار يقول :
إذا كان العلم (داروين  و ماركس و  فرويد) قد اقنع البعض بان الدين قد زال من الوجود وان دور مفهوم عدالة الله قد زال  ، فان الأسلحة الذرية (لم يكن موضوع الاهندسة الوراثية قد طرح ظهر بعد  ) قد ضمنت موت العلم وزواله كبديل للدين.

5    الإنسانية ما هي إلا عملية تطور ونمو عبر مراحل طويلة لحين وصوله إلى حالة الوعي وهو في طريقه إلى مراحل اعقد فاعقد أي إلى درجة الوعي.

6   إن موقف هذا   العالم  Stephan Jay Guold  ما هو إلا  القضاء على الدين وحركة التطور فيه، إخراج  فكرة وجود الله خارج فكر العلمي تماما، لا بل أراد إيقاف أي محاولة أو فرصة للمضيء  قدما في هذا المجال فيقول :   
إن المشكلة في الفكر هو إذا تم تبنيه في عملية بناء نظام شامل واسع  واتكلنا عليه ،ربما لا يعمل ويقودنا إلى الفشل) .

7   لكن تيار لم يجد نظام الذي قصده  هذا العالم بل اخذ بذور فكره من علامات الموجودة في الطبيعة قبله بفترة طويلة.
8   إن فكرة العلمية عن الكائنات الحية لا تدرس هدفها أو  مستقبل تطورها،وحتى الانسلاخات المجودة في الحشرات وبعض الزواحف هي بلا اتجاه أو معنى.

9   يقول تيار ( إن أرى  بان هناك غرض واتجاه للحياة وهو في حالة التقدم وغدا سوف تصبح هذه الفكرة كونية.ما هي الإنسانية  إلا  وصول التطور أو  النمو إلى هذه الدرجة من الوعي أو وعي ذاته)
10   من ملاحظات على شجرة الحياة نستنج ما يلي:-
          كل أنواع من  الكائنات الحية نشأت من نفس التربة .
الوعي الإنساني وشخصيته تحتل قمة معرفة الإنسانية.
          إذا حاول الإنسان تصور مستقبل الإنسانية على امتداد نفس الخط سوف تكون النتيجة درجة أعلى من الوعي  و الإدراك التي بنفسها برهان  إلى هذا الاتجاه أو الوصول إلى نقطة اوميغا أو الوصول إلى الله .
الدين والعلم هما صورتان لنفس القطعة أو نفس الشيء

11   نلاحظ هناك خيط ربط بين أفكار الفلاسفة والعلماء واللاهوتيين  وان كانت في درجات ضيقة من
 أرسطو ( الربط بين درجة الوعي لدى الكائنات في الشجرة الحياة أو درجات الترقي لدى الكائنات  من الاقل      الى اعلى )                 
فلسفة ليبتز( الموناد ودرجات النقاوة )   
هيجل ( صرا ع الأضداد  في سلسلة من العمليات النهائية  لتحقيق الكمال او الوصول الى الحرية المطلقة)
 بوذا  (مبدأ النيرفانا )   
الداروينية  ( نظرية التطور  البقاء لاصلح)
 برغسون  ( نظرية الدفع الحيوي)                             
تيار دي شاردان (فكرة التطور الروحي الالتقاء عند نقطة اوميجا)

كان تيار مقتنع بصحة نظرية داروين ( التطور)  واعتبره كشرط أساسي لفهم وجود الإنسان في هذا العالم.. حيث كان يقول (يلزمنا اعتراف بأنه  هناك  زيادة واجباتنا و سعادتنا التي هي في طور تكملة تطور الكون )
اتجاه التطور       The Arrow of Evolution
 من ملاحظة لدرجة تطور كائنات الحية هناك خيط الربط الذي يتصاعد من اقل درجة في التطور إلى أعلى درجة من التطور، من اقل تعقيد إلى أعلى درجة.
إن درجة التعقيد توازي  تطور في الحياة الاجتماعية.

الخلاصة
ربما يكون فكر تيار فكر الرائد الوحيد والجريء الذي حاول دراسة فكر الإنساني من كلا الجانبين العلمي والديني خلال  فترة حياته.