المكونات العراقية على رمال متحركــة

المحرر موضوع: المكونات العراقية على رمال متحركــة  (زيارة 411 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ظافر نوح

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 62
    • مشاهدة الملف الشخصي


المكونات العراقية على رمال متحركــة 
   
   الاعلامي    ظافر نوح - بغداد   

إن التحولات التي تعرضت لها منطقة الشرق الاوسط منذ إحتلال العراق عام 2003 واندلاع الثورة في تونس وتغيير الحكم في مصر، والاحداث الدامية التي تشهدها سوريا، قد جعلت المنطقة كلها  تقف على صفيح ساخن، بسبب التحديات الكبيرة التي هددت استقرار الشعوب والأقليات التي تبحث عن وطن آمن وضمان مستقبل الاطفال، مع ضعف روح التمسك بالوطن والارض. فكبار دول العالم تتنافس على فرض هيمنتها على الدول الضعيفة في أنظمتها والغنية في مواردها، مثل ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا مؤخرًا، ولكن في الوقت نفسه فشلت مساعي هذه الدول الكبرى في ايجاد الطائرة الماليزية المختفية مؤخرا، مما أظهر ضعفًا في إمكانياتها ومقدراتها وتضاربًا في سياساتها.
 
يقف الإنسان اليوم حائرا أمام ما يجري في العالم الذي يسير وفق نهوض تكنولوجي مرعب ومردود اقتصادي كبير، مع كبوة إنسانية واجتماعية تذهب ضحيتها الشعوب، ناهيك عن تغلب لغة العنف المستشري في الحياة السياسية في ظل أجواء تدّعي الديمقراطية، وتهميش القيم الإنسانية. فبعد ثورات الربيع العربي، جاءت الأنظمة الجديدة تحمل قيمًا وحريات مبنية على أساس رمال متحركة. يتضح هذا من خلال قمع المطالبين بالحقوق ومصادرة الحريات السياسية والاجتماعية.
هكذا انقلب الربيع العربي إلى خريف يحمل في طياته تساقط الاحلام والاوهام الوردية التي اراد الشعب تحقيقها، فغالبية من ساعدوا القوى القادمة من الغرب في تغيير الانظمة الاستبدادية، عادوا يمهدون إلى قيام أنظمة على أساس ديني ترهب الشعوب وتستعبدها للحكومات الجديدة. إذا كان مجيء هذه الحكومات نعمة، لكنه سرعان ما تحول إلى نقمة، لتصبح مزيجًا من النعمة والنقمة. هكذا قام صِدام بين الشعوب والحكومات الجديدة في تظاهرات ضخمة، وتحول القرار الشعبي الى قرار سياسي يعكس صورة الشخص الحاكم ومدى تطبيقه للأجندات الخاصة.
 
مأزق التوافقات
 بعد نجاح تغيير الانظمة، ليس كل من طلب حقا ناله، فالناس اختلطت الامور لديها وامتزجت آمالها بالمآسي والعنف، واخذت تتنازل عن حقها في الانتخابات. ففي العراق، وبسبب الخداع السياسي وانهيار مبدأ المواطنة، نشط التناحر والتفرقة بسبب الصراع على إثبات الهويات الضيقة والإنتماءات المذهبية والإثنية. بينما كانت المطالبات تسعى إلى قيام دولة ديمقراطية يكفلها الدستور على أساس التنوع والحريات والمساواة والوعي بالحقوق الفردية والعدالة الاجتماعية. هكذا أصيب الجميع بخيبة أمل من جراء هذا النهج التوافقي الذي سعى إلى إرضاء جميع الاطراف، لانتخاب حكومة جديدة، إلا أنها فشلت في الوقوف على مسافة واحدة من مسوؤليتها الوطنية، ولم تميز بين الصالح والطالح، وبين المصلحة الوطنية والشخصية.
أدت هذه التداعيات إلى إهمال حقوق الشعب وفقد الأمل في التغيير، فظهر أن الاغلبية أصبحت صامتة بسبب فقدان الأمن والاستقرار بأنواعه والصراعات السياسية المستمرة. هكذا انقلبت المعادلة من نظام يقوم فيه المواطن بالانتخاب بشكل ديمقراطي تثمر عنه حياة مريحة إلى معركة انتخابية هدفها الحصول على الامتيازات المالية غير المعقولة. هكذا يزداد الأغنياء غنى ويرتفع أعداد الفقراء المهملين، وسوف تخسر الاغلبية الصامتة حقوقها في الخدمات والحقوق مع الشعور بالمذلة والهوان، بينما تقف قبة البرلمان هي ايضًا على أركان رمالها متحركة، لم تقدم سوى جلسات طويلة فيها المجادلات والمنازلات الكلامية أمام وسائل الاعلام، بدون تقديم شيء فعال للمواطن.
       
الديمقراطية مواطنة أم محاصصة؟
 تتأثر اليوم حياة المواطن بتقلبات المشهد السياسي الذي يشق طريقه ويدخل في خضم إثبات العقلية الفردية على حساب الحقوق العامة والمؤسساتية، تضمن قيام دولة تحمي كل مواطنيها بما فيها الاقليات على أساس الدستور، لا على أساس المجاملات السياسية أو استغلال حقوق الاقليات من قبل البعض كدعاية سياسية. هذا قد يدفع الاقلية بالشعور بالضياع وسط الاغلبية التي تذهب في زوايا واتجاهات متعددة وما عليها إلا الالتحاق بالاغلبية.
قد يكون السبب في كل ما يحدث هو أننا شعوب لم تكن مستعدة لاستقبال وهضم الديمقراطية كمفهوم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد اتخذناها كموضة جديدة يتفاخر بها المحرومون منها، فجاءت الانتخابات بممثلين من فئات جهوية لا تمثل المجتمع بشكله العام، ولم تحقق اهدافها إلا لغرض خاص بها لا تتفق مع مبادئ الوطنية وحقوق الإنسان الطبيعية. كان من الواجب أن يكون هناك تطوير في الفكر السياسي كي يحقق ويحول الاقوال إلى أفعال، لأن الشعب يبحث عن المكتسبات التي تخدم مصالحه بينما أصبح الشعب يرزح خلف الحواجز خائفا من ثمار الديمقراطية المريضة التي مازالت تمر بفترة المخاض المؤلم والخطير في حين أن الشعب هو الخاسر الاكبر.

انتخابات أم دولاب يعيد المشهد
  إن الانتخابات ليست وحدها جوهر الديمقراطية، بل أن ما يحدث في العراق من سلوك الكتل السياسية في عدم إقرار القوانين المهمة والحساسة يخالف أصول وحقيقية الديمقراطية ومسألة تحديد السلطة وتداولها، وأن ما يحدث هو تكريس لعقلية الديكتاتورية الجديدة وبسط الهيمنة. فلابد من وجود قانون يحتكم إليه الشعب والاجيال القادمة كي تقودهم إلى صناديق الاقتراع بلا خوف، ويكون المواطن شريكَا حقيقيًا في انتخاب شخص فيه كافة المؤهلات التي ستغير الواقع من حال إلى حال أفضل. إن الوصول إلى فهم النظام الديمقراطي يحتاج إلى توعية وتوجيه بلقاءات متعددة حول كيفية إجراء التغيير في شكل وعقلية الحكم، وقيام إصلاحات سياسية لها وقع في حياة المواطن. إن تحقيق الديمقراطية يعتمد على إرساء القيم وترسيخ فكرة المجتمع المدني، لولادة دولة مواطن لا دولة مسؤول. هكذا تصبح الديمقراطية قوانينا يفهمها الناس لا لعبة سياسية يصدر أبطالها أصواتا مثل "ماكنة طحن الطحين تدور وهي فارغة". لذا وجب على الدستور ضمان الحقوق الأساسية للفرد والجماعة واحترام حقوق الأقليات الإثنية والثقافية والدينية. يعيش الشعب في زمن عدّ فيه الرابح الأكبر هو الأغلبية، ولكنها ليست اعتدالية، بل هي منغلقة على نفسها. هكذا يبقى الشعب يردد بأن العراقيين لم ينصفهم في تاريخهم أي حاكم ولم يعدل معهم أي نظام. والسبب الحقيقي هو الانزلاق خلف المسميات المنغمسة بالعقد والتقوقع. إننا بحاجة الى إحياء الفكر الإنساني وربطه بمفاهيم الوطنية، على الرغم من تنوع الأديان والمكونات، وإلا سقط الجميع في عبودية الهوية الضيقة ونهايتها الهاوية.

النخب المهاجرة
استوقفتني صورة فوتوغرافية التقطت في الأربعينيات من القرن الماضي بالأبيض والأسود، لمجموعة من العوائل العراقية وهي جالسة على ضفاف دجلة، شعرت حينها كم كانت قلوبهم مملوءة بالمحبة والطمأنينة، فلم يكن أمامي سوى تسمية تلك الفترة بـ "الزمن الجميل". لقد اختلفت اليوم صورة الحياة، إذ تتحسر العوائل - وهي تتابع على التلفاز - المستويات التي تعيشها بقية سكان الأرض، وعزفت عن ارتياد التجمعات الشعبية وحب المطالعة والاهتمام بالثقافة، من خلال دور السينما والمسرح والمكتبات.
 هناك فرق بين صورة الماضي والحاضر الذي فقدت فيه علامات المحبة والتسامح، إذ لا تعرف الناس اليوم ما سيحمله المستقبل، والجميع واقف على "كف عفريت"، الذي يدفع إلى التساؤل حول كيفية المحافظة على نسيج العلاقات الانسانية والنخبة العراقية؟ يبدأ الجواب على هذا التساؤل من خلال إعادة صياغة المناهج التعليمية والتربوية وخصوصا ما تحمله كتب التاريخ والدين، كي تركز على مبادئ احترام وقبول الاخر في التعددية الدينية والفكرية التي تخدم وحدة الوطن كعائلة واحدة.   
 ويبقى المواطن يكرر السؤال نفسه:"ماذا أعمل في بلد تعدّ فيه الطبقة المثقفة والمتعلمة والوطنية من الأقلية؟" فمنهم من غادر البلد قسرًا، ومنهم مهددون بمغادرة الوطن، والتبعثر في بلاد الشتات.

زمن استبدال الاوطان
تواجه الأقليات بما فيها المسيحيون في العراق انواعًا من المخاوف والقلق بسبب العنف والإرهاب، مع انعدام رؤية مستقبل مستقر، مما يؤدي إلى البحث عن وطن بديل، لكن هل هذا هو الحل الأمثل؟ بينما يقرر البعض البقاء وعدم البحث عن بديل للواقع البائس الذي يعيشه. لذا يصبح الرجاء بديلا لليأس كحقيقة وواقع، وليس كمثالية أو تقليد موروث، بل كقرار إيماني عميق نابع من محبة الوطن. لقد أصبح عدد المسيحيين في العراق قليلا وهم مبعثرون ومختلفون فيما بينهم على أصلهم وقوميتهم. فعندما يسأل أحدهم: "من أنت؟" يجيب فورًا "أنا مسيحي"، وبعدها يبدأ بسرد جذوره المذهبية والقومية والجغرافية، هكذا ننسى أننا كلنا واحد في المسيح. إنها ليست المرة الاولى في التاريخ التي فيها يترك المسيحي أرضه ووطنه ليعيش في الغربة، فهناك فترات هجرة متعاقبة حدثت، لكنها تصل اليوم ذروتها بسبب تدهور الأوضاع على المستويات كلها وتهجير المسيحيون من بلداتهم وترك منازلهم عضة لسلب والنهب مما أدى الة ضعف الثقة بمن يعيش من حولهم.
 
الانعزالية والمصالحة العرجاء
 إن الرب لا ينسى أحدًا من أبنائه، لذا سيقول يوما ما للعراق مثلما قال في سفر أشعيا النبي: "على كفي رسمتك... تطلعي وانظري" (16/ 17). إن الجميع اليوم، في الداخل والخارج يبكي على العراق، وفي الوقت نفسه يمزقه الجميع وهم لا يعلمون أو يعلم البعض منهم. فالعراق الذي هدم فيه برج الكبرياء والغرور في بابل القديمة يبني اليوم لنفسه برجا عاليا تختبئ فيه المصالح الشخصية والأنانية من قبل رجال إتخذوا من السياسة والديانة منبرًا لهم، وعاثوا في البلد خرابًا أصاب نسيج العلاقات في مجتمعنا بمرض الطائفية والانعزالية، فبعث الخوف في نفوس الناس المساكين، متناسين تاريخ التعايش الحضاري واحترام جميع الاديان والمعتقدات.
لقد حان الوقت ليتوقف كل من يتقصد إجهاض قيامة الخير والمحبة والسلام في بلدنا، وأن يقف نزيف الهجرة ليتوجه الجميع إلى أفق يطوي صفحة العنف واليأس والضياع. فالخلاص الذي يعده لنا الرب مفتاحه الصبر، ومن وراء هذه الظلمة سيأتي حتمًا النور فيعود التفاؤل في نفوس الناس. هذا ما نطلق عليه "التفاؤل رغم الشدة" و"الميلاد رغم الإجهاض" و"القيامة رغم الموت". نعم التفاؤل والفرح ميزة الإنسان المؤمن والمتجدد المرفوع الرأس والمحبوب من قبل الله، فنحن نؤمن بالمحبة التي سوف تنتصر في النهاية على كل براثن الشر: هذا هو سر بقائنا في الوطن.

من العنف إلى التراحم
 إن العمل من أجل توطيد العيش ضرورة تمليها الهموم والعنف الذي يعاني منه بلدنا فالسياق التاريخي والحضاري هو واحد للكل ومصيره واحد، وأن الاختلاف الديني والقومي لا يلغي حقيقة الإنتماء الواحد لحضارته التي شارك في صنعها الجميع جنبًا إلى جنب. فما يتعرض له بلدنا من تدخلات خارجية وتشظٍ في السياسات رفعت من حدة التوترات الداخلية واتخذت أشكالا مختلفة من العنف إلى جانب التهويل الإعلامي وإثارة الفتن. فمعالجة الوضع الداخلي بواسطة الحوار والعمل المشترك يحول دون أن يزيد الوضع تفاقمًا، لأن الانكفاء على الذات وفقد الحوار وعدم ترجمة مبادرة المصالحة إلى برنامج عملي أدى إلى عدم معالجة أسباب التوترات الدينية والطائفية. وحتى الثقافة لم تسلم من الأذى، بينما هي تصبو إلى تعزيز مناخ يعالج الضرر الذي حدث. فتأكيد تحقيق المصلحة العامة والتصدي لاشكال الفتن والعنف كافة التي يواجهها مجتمعنا بكل فئاته؛ يستوجب ثقافة ونوعًا من الحوار وفهمًا للمواطنة وقبولا للآخر المختلف، والعيش معه واحترام قناعته الدينية وخصوصيته القومية، لأن الضرورة تقتضي التفاعل الاجتماعي بين أبناء الوطن كلهم ومن أجل المصالحة الوطنية وإسهامًا في ترسيخ أواصر المودة، واعتبار الاختلاف والتنوع حقيقة إنسانية، بل هما هبة من حكمة الله للإنسان.
يؤكد المسيحيون دورهم في الوطن كشركاء وأخوة للجميع، ويطرحون المساعي للقاء العقول والقلوب لمواجهة التحديات والقضايا المشتركة للوصول إلى التضامن والتراحم وإشاعة روح الحوار والتسامح، كي يتم وزن الأمور بميزان العدل والاستقامة. إن اختلاف الاتجاهات والآراء هو من طبيعة الواقع الذي يتطلب مواجهة جريئة وتوعية مستمرة حتى يصبح العراق خيمة مصالحة وواحة سلام للجميع يجمعه الإيمان بإله واحد ووطن واحد.

الخاتمة
 إن الأوطان التي تبنى على العنف ورفض الآخر تبني بيتها على رمال متحركة يمكن أن تأكل كل ما هو إيجابي في حياتها وتذهب إلى العزلة والدكتاتورية وضياع الحقوق لأغلب مكوناتها. ما يحتاجه بلدنا هو البناء على الصخر، أي قيام مجتمع تسوده الحرية والمساواة في حقوق المواطنة، والشعور بضرورة العمل المشترك لمواجهة الهموم الداخلية والأخطار الخارجية التي تهدد أبناء وطننا. وعملية بناء دولة رحمة وسلام تحتاج إلى أناس جريئين يرفعون البلد من مستنقعه ويضعونه على طريق المصالحة والتعاون. وكل هذا بحاجة إلى تواضع كبير للاعتراف بالأخطاء التي وقعت وبإمكانية إصلاح ما هُدمَ من قيم في نسيج المجتمع العراقي، بروح أخوية حقيقية بعيدة عن الدعاية والكلام المرائي والازدواجية. إن الأوطان تُبنى على هامة أناس جعلوا من إزدهار الشعب ووحدته قيمتهم العليا التي تحفظ قيمة كل المكونات بشكل عادل.   
 



متصل samy

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 741
    • مشاهدة الملف الشخصي
عزيزي ظافر نوح .....احسنت لتوضيف وقتك وجهدك لهذا المقال  الرائع والذي يضع الامور في نصابها بعيدا عن توظيف الاديان والقوميات والطوائف للمصالح الشخصية لبعض ((العصابات)) باسماء احزاب او حركات.لايربطها با الوطن والشعب اي رابط.