حكايات قديمة جدا ..
بقلم : د . رفعت السعيد :
فى بعض الأحيان يشعر القاريء بالملل مما يقرأه للكاتب. ودفعا لهذا الملل أكتب لكم مجرد حكايات:
- كان الخادم يتلصص على سيده وهو يدبر مع صديق له سرقة بيت المال، ويقول له : الأمر بسيط، يتدلى أحدنا بحبل متين من فتحه موجودة فى السقف ويناول الآخر كل ما نستطيع حمله من أموال، وفيم يتدارس السيد مع صاحبه كيفية تدبير حبل متين وكيفية النزول به ثم الصعود عدة مرات للحصول على أكبر قدر من الغنيمة، بدأ الخادم الماكر يحكى لزميله وبصوت مرتفع كيف قرأ فى كتاب قديم أن لصوص الزمن الماضى كانوا يعرفون حيلة لا تخيب، وهى أن ينتظر اللص ليلة اكتمال البدر ثم يهتف « شولم بولم » ويمتطى ضوء القمر نازلا وصاعدا كما يشاء. وفعلها السيد وصاح فى الموعد المحدد شولم بولم وأمسك ما أعتقد أنه ضوء القمر. وسقط لتتكسر أضلاعه، وبين الصرخات استدعى السيد خادمه ليعاتبه، فأجاب الخادم : كنت يامولاى اعرف انك قد يقبض عليك ويقتادونك الى القاضي، فيحكم عليك بالموت فاخترعت هذه الحكاية. فتأوه السيد قائلا : ياغبي، ياليتك تركتني، فلو قبضوا على كنت أعرف كيف أقتسم المال مع البعض ونفلت معا من العقاب.
عن : كليلة ودمنة ..
عندما فتح الاسكندر الأكبر مدينة ماريا ( الاسكندرية فيما بعد ) وفيما كان يتمشى فى طرقاتها منبهرا بالعمائر الجميلة لمح رجلا وقورا يجلس فى أحد الأركان وهو يملى على تلميذ له. وفيما هما منهمكان، الوقور يملى والتلميذ يكتب سأل الاسكندر من هذا ؟ فأجاب أحد أفراد حاشيته هذا يا سيدى اراسيموس أشهر فلاسفة هذا الزمان، فتقدم نحوه الاسكندر وقال هل تأذن ياسيدى أن اتحدث اليك ؟ لكن الوقور نهره بلطف قائلا : أرجوك الذين حولك يحجبون الشمس. فمضى الاسكندر غاضبا. وعاتب التلميذ استاذه قائلا: لقد اغضبته ياسيدى وهو باق هنا لوقت قد يطول وأخشى من غضبه عليك. فرد اراسيموس :
عندما تأتى الشمس بلا ضوء يذهب الظلام من تلقاء نفسه »
عن : فلاسفة الاسكندرية القديمة :
- ذات يوم غضب السلطان من جحا بسبب انتقاداته اللاذعة التى يوزعها بمكر ودهاء على الحاشية، فاذا بها تمس السلطان نفسه. ولما ضاق السلطان به ذرعا، أمر بالقبض عليه وارساله الى السجن فى غياهب الصحراء وظل جحا فى السجن زمنا، حتى اشتاق السلطان الى خفة ظله فأمر بالافراج عنه. السجانون فتحوا باب السجن واطلقوا سراحه بعد أن ابلغوه بعفو السلطان. وفيما جلس جحا وهو فى طريق عودته ليستير فى ظل شجرة، مر عليه شيخ تبدو عليه دلائل الحكمة، وسأله لماذا انت جالس هنا فى هذا المكان الموحش، حكى جحا حكايته وقال : اننى ياسيدى أفكر فى هدية أقدمها لمولانها السلطان لأعبر له عن شكرى للافراج عنى فبماذا تشير على ؟ قال الحكيم : ليس من الذكاء ولامن احترامك لمقام السلطان ان تفرض عليه هدية قد لاتعجبه. سأل جحا وبماذا تنصحني؟ قال الحكيم: دعه يختار بين أن تهديه جملا او حصانا او حمارا، ومضى الحكيم قائلا أنا أعرف ماذا سيختار، وكتب كلمة فى ورقة وقال له لاتفتحها إلا بعد أن يختار السلطان مايشاء فان اختار غير ما ذكرت لك فى الورقة تعال الى هناك وسوف اعطيك أية هدية تشاء. وأخذ جحا بهذه النصيحة، وما أن دخل على السلطان حتى قال : أرجوك يامولاى أن تقبل منى أيه هدية تختارها. فاما أن تختار جملا وهو سفينة الصحراء، وبه تعلو على كل من عداك، وتعبر الصحارى دون أن يرهقك بماء او زاد، فبدا عدم الرضاء على وجه السلطان. فقال جحا اذن هناك الحصان وأكاد أراك يامولاى وانت تصول به وتجول فى معاركك شاهرا سيفك هاتفا وسيفى كان فى الهيجا طبيبا يداوى رأس من يشكو الصداعا ولكن السلطان لم تعجبه كلمة معارك فأشاح بوجهه قائلا : وماذا أيضا ؟ فقال جحا لم يبق يا مولاى سوى الحمار فتهلل وجه السلطان فرحا وقال : هات الحمار. وهنا تذكر جحا ورقة الحكيم المطوية فى جيبه، فأخرجها واذا به ينفجر ضاحكا فسأله السلطان ماذا فى هذه الورقة ؟ قال جحا: أعذرنى يامولاى لاأستطيع، فصاح السلطان غاضبا : اقرأ ما فى الورقة بصوت مسموع وإلا أمرت السياف بقطع رقبتك. فقال جحا : أنت أمرت يامولاى وأمرك مطاع. وبدأ جحا أولا بأن حكى حكايته مع الحكيم الذى قابله فى الصحراء، وكيف نصحه بأن يطلب الى السلطان ان يختار، ثم اعطاه الورقة المطوية على شريطة ألا يفتحها إلا بعد أن يختار. ثم بدأ يقرأ ما فى الورقة مترددا وبصوت خفيض صاح السلطان أرفع صوتك، فصاح جحا بكلمات الحكيم : اعلم يابنى ان كثيرا من السلاطين يفضلون اختيار الحمير لأنهم على الدوام خاضعون ولايعترضون. فضحك السلطان مبديا شماتته فى افراد الحاشية. وبدأ الغيظ الشديد على أفراد الحاشية. لكن القصة لم تنته. فجحا تجنبا للحرج أستأذن من السلطان أن يذهب ليتوضأ وترك عباءته فى مكان جلوسه وذهب. وعندما عاد وفيم يتناول العباءة انفجر الحاضرون جميعا بالضحك ،
ونظر جحا فوجد شخصا قد رسم رأس حمار على العباءة، ولم يفت جحا فرصة الرد السريع فقال :
يبدو يامولاى أن واحدا من الجلوس قد تصبب عرقا من الخجل فمسح وجه فى العباءة فترك هذه العلامة.
وهذه المرة ضحك السلطان وحده.
- عن : نوادر جحا
- كان نابليون جالسا فى شرفة قصر الازبكية وهو قصر غاية فى الجمال اقتنصه الفرنسيون من أحد كبار المماليك، وفيم نابليون يستمتع بجلسته سمع ضجيجا وصراخا واستفسر، فأجابوه ان ثعبانا ضخما شوهد وهى يمضى الى أحد الشقوق ولم يلحق به أحد. وأتى أحد الخدم المصريون مؤكدا ان ثمة « رفاعي » يمكنه اصطياد اى أفعي. واذن له نابليون. فحضر الرفاعى واطلق صفيرا خفيفا فظهر الثعبان من الشق وبهدوء ولطف امسك به الرفاعي. دهش نابليون واستدعى أحد كبار علماء الحملة الفرنسية وقال له أريد تفسيرا علميا وعقلانيا لهذه الظاهرة. كيف يمكن لانسان أن يصطاد ثعبانا ضخما بهذه البساطة ؟ وبعد فترة من تفكير أتاه العالم وقال : الرجل أخرج الثعبان من الشق بتقليده لصوت أنثى الثعبان. فصاح نابليون ولكن كيف أمسك به الرجل دون خوف ؟ فأجاب العالم : لأنه لم يكن خائفا. فاذا خاف الانسان من أى كائن متوحش او سام، ادرك الكائن انه خائف فيهجم عليه اما اذا لم يكن خائفا وامتدت يده الى رأس الأفعى بثبات وقوة فان أى ثعبان يستسلم. واقتنع نابليون وأنا أيضا.
- عن : وصف مصر .
وفقط ارجوك عزيزى القارئ - أن تستعيد الحكايات ، وأن تتأمل .
المصــدر / الأهــــرام اليومــــــي .