غيث الخريف
بقلم..سمير القس يونانالقوش في 16 ايلول 2014
ها هو شعب والذي صيره الزمن الأغبر أقلية يتعكز على لهفة فجر جديد وصباح أمين..فقد أصيب في سويداء قلبه..لقد قض مضجعه ولم تغمض عينه تلك الليلة..حتى كاد الليل قد أجفل فاحمر الأفق وكاد أن ينصدع عمود الصباح ..وخرجوا بقضهم وقضيضهم وهم لا يعرفون سببا لهذا الفلتان والخوف وقد ولوا وجوههم شطر الجبل كالأغنام إذا هربت من صوت الذئب..فيه كل الفضائل كالبنفسج تواضعا وكالزئبق طهرا والبان جمالا..وعبثا يطلب السعادة والسعادة بعيدة منه مناط الثريا...وفي قلبه تغلي مراجل الشوق ليعود إلى دياره وأماكن صيرورته..انه الشر أيها المتأوهون ..وبديهي أن الشر إذا رافقه الدهاء والذكاء احدث من الخراب والويل ما لا تستطيع جيوشا جرارة فعله..ليس للشر قدم أو يد يسعى أو يسطو بها لكنه يجد في بعض الناس أعوانا يتلبسونه ويصبحون له أقداما وأياد ليعيثوا في الأرض فسادا..ها نحن مثل الباقي من قطع الدومينو لا مكان لهم من خارطة اللعبة..فلا القرى والرساتيق تقبلنا ولا البراري والقفاري تحوينا..إننا شعب انتزع منه وطنه في الوقت الذي كان من أشعل السراج وبدد الظلام وسن الشرائع واوجد الحرف أولا..إن هولاكو والمغول الذين قتلوا كل شيء لهم وطن..وأشباه الشعوب لهم وطن..الفاشيون والنازيون والرجعيون والسفاحون ومصاصي الدماء وقاطعوا الرؤوس لهم وطن وارض إلا نحن..أين أوجه الحق والمنطق في هذه المعادلة الصماء..أين هو مسرح الفضائل والأخلاق السامية الذي انشأ لإصلاح العالم..أين ذلك الشعب الذي كان يرغي ويزبد ويهيج كالبحر الخضم حين المساس بأمنه وروحه ووجدانه..أين بحور الشعر وأوزان النثر عندما كانت تفيض وجدا وحسا وعنفوانا ولغطا حينما تهدد كيانه..أين الحقوين الممشوقين بالرصاص والغمد والسيف السمهري..أين النسوة اللائي كن يهلهلن بالقرب من المتاريس لتلهب المشاعر وتجعل من الثوار أتونا مضطرما..أين الناقوس برنه وصدحه وهيجانه وصخبه..أين الصليب بعظمته وتواضعه..بجبروته ومحبته..أين الرموز التي كانت تهرع إلى ساحة الوغى كالأيائل..أين الكاهن الذي وضع قلنسوته جانبا ليقود الميامين إلى حيث الثأر..أين الطاووس وألوانه وحكمته..أين ترمال الراهب وإنجيله..أين الطوباوي وعجائبه..أين الثوب الأبيض والماء الطاهر وزواج الصابئي..أين الحق وحامله..أين أين..لا جواب ولا رد..لقد صمتت الآذان إن لم تقتلع وعصمت العيون إن لم تفقأ..لقد اكتسح الظلام بصيرتهم وأعمى قلوبهم وأضحوا اسودا في واحات الصحراء..من يمنحني الحق رغم الحق في الحياة بكرامة وحرية إن لم انتزعها منه عنوة كما تنتزع الفهود قطعة اللحم من أفواه غيرها..ومن يصغى إلي إلا عندما يكون باستطاعتي سحب البساط من تحت قدميه..لقد رضيت أن أكون لعازر أتناول فتات مائدة الملك لكنهم استكثروه علي ومنعوني منه..أرادوني أن أكون مائعا هزيلا يولي الأدبار عند أول منازلة كالارءام(ظباء الرمال خالصة البياض)..أرادوني أن اكتب باحثا عن المال وليس عن الشرف والحكمة..أرادوني أن تنزعج الأرانب من غطيطي كسولا متسولا..أرادوني أن أكون لاهيا بمعاقرة بنت الحان شاربا إياها لتلعب نشوتها في راسي وتدمنني..أرادوني أن امشي تحت المطر دائما لكي لا يرى احد دموعي..أرادوني أن أستجير الرمضاء بالنار..أرادوني أن أصحح وأقوم الزمن رغم كوني نجارا أو عطارا..أرادوني أن يكون حبي لأرضي كحب يوناثان لوالده شاؤول الملك المتزعزع وليس كحب يوناثان لداؤد المتين الراسخ..
7