حكومة العبادي بارقة أمل جديد للعراقيين
عماد هرمز
كشف رئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبادي في يوم الاثنين المصادف 9 أيلول عن تشكيلة حكومته الجديدة التي ضمت في صفوفها معظم ممثلي القوى السياسية وكانت بالفعل قوز قزح النظام السياسي العراقي حيث ضمت ممثلي من مختلف طوائف الشعب العراقي في محاولة منه لربط اوصال النسيج العراقي المتفكك بل يمكن القول المتمزق بهدف إخراج العراق من حالة التشتت والتشنج الطائفي والسياسي التي يعاني منها العراق خلال عقد من الزمن. فضمت حكومة العبادي الجديدة 3 نواب لرئيس الجمهورية، هم نوري المالكي، واسامة النجيفي، واياد علاوي و3 نواب لرئيس الوزراء هم بهاء الاعرجي، وصالح المطلك، وهوشيار زيباري. وأعطى منصب وزير الخارجية لإبراهيم الجعفري بعد أن تم ترقية هوشيار زيباري ليصبح أحد نواب رئيس الجمهورية. وكان حيدر العبادي قد عرض تشكيلة حكومته على رئيس مجلس النواب (البرلمان) العراقي السيد سليم الجبوري قبل الإعلان عنها.
وفي قراءة سريعة لأسماء القادة السياسيين وانتماءاتهم الفكرية والسياسية والمذهبية والطائفية والمناصب الرفيعة التي منحها لهم رئيس الوزراء المكلف بهذه المهمة، نرى بأن حيدر العبادي قد اظهر مدى جديته ونيته الحقيقية في لم شمل العراق، العربي السني والشيعي والكردي والتركماني والمسيحي والإيزيدي من جديد تحت سقف واحد وتحقيق الاستقرار المنشود في العراق. وأرى هذا التجمع الكبير من عمالقة ساسة العراق على طاولة واحدة بأنه امل جديد بمستقبل عراق جديد. وبرأي فأن قبول الساسة العراقيين في وضع أيديهم بأيدي بعض في سبيل بناء العراق يعكس مدى رغبتهم في العمل سوية بهدف إخراج العراق من حالة الضياع والدمار الذي فرضه عليه منظمة داعش الإرهابية ولا يمكن تفسيره إلا بأن ساسة العراق قد تعلموا درسهم ولو بصورة قاسية، أي بعد أن فعل تنظيم داعش الإرهابي ما فعل في الشعب العراقي في شمال العراق وخصوصا ً للشعب المسيحي والمكون التركماني الشيعي، في أن في الاتحاد قوة وفي التفرقة الدمار والانقسام وسفك الدماء. ويمكن القول بأنه رغم أن الولادة الحكومية كانت اشبه بالولادة القيصرية العسيرة، إلا أنه بادرة خير وبريق أمل في مستقبل عراق آمن خالي من العنف والقتال والتهجير القسري وكما يقول المثل "فقد يرى الشعب العراق النور في نهاية النفق المظلم الذي هو سائر فيه". فنجاح العبادي في لم شمل القادة المتناحرين تحت مظلة واحدة يعتبر بحد ذاته إنجاز كبير.
فتعيين قادة الكتل السياسية الكبرى في العراق، أياد علاوي ونوري المالكي واسامة النجيفي، كنواب للرئيس وبالتالي وضعهم في خانة واحدة مهم جدا ً. فبفعله هذا وضع العبادي هؤلاء القادة أمام المسؤولية الكبرى والواجب الوطني في حماية العراق من الانقسام والدمار الشامل وبالتالي ومن موقع مسؤوليتهم والمهام التي القت على عاتقهم بتعيينهم في منصب نواب لرئيس الجمهورية يتحتم عليهم القيام بواجبهم الوطني على أكمل وجه واهم تلك الواجبات هو واجب الحفاظ على لحمة الشعب العراق واستقرار الوضع فيه واستتباب الأمن والأمان في ربوعه والبقاء على العراق موحد وعليه تقع عليهم مسؤولية إنجاح أو إفشال العملية السياسية في العراق. وجاء تعيين النجيفي، المولود في مدينة الموصل، رئيسا للجمهورية خطوة جبارة ومهمة لسحب البساط من تنظيم الدول الإسلامية الإرهابي في الموصل. والنجيفي هو رئيس ائتلاف متحدون للإصلاح وله ثقله السياسي بين الكيانات والأحزاب السياسية والعشائرية والاجتماعية السنية. وأيضا ً كان من المفرح أن نرى تشكيلة الحكومة وهي تضم أحد ممثلي الكيانات المسيحية وهو السيد فارس ججو من قائمة الوركاء يُعين في منصب وزير للعلوم والتكنولوجيا وهي خطوة مهمة أيضا ً تعكس مدى حرص رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة حيدر العبادي على ضم المكونات التي تمثل الأقليات التي تشهد اضطهادا كبيرا في الآونة الأخيرة على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.
ورغم أن تعيين هذا العدد الكبير من النواب، سواء لرئيس الجمهورية أو لرئيس البرلمان، قد يفسر سلبيا أو تشاؤميا على أنه دليل على استفحال الانقسام الطائفي والسياسي في أوساط الشارع السياسي العراقي ومنح هذا المنصب للعديد منهم قد يعني عدم تمكن العبادي من إرضاء جميع الأطراف وكان لابد من ضمهم جميعا في مكان واحد لتلافي الاقتتال الطائفي والسياسي. في رأي أعتبرها خطوة إيجابية وذكية وتعتبر الحل الأمثل لضم أكبر عدد ممكن من ممثلي الأحزاب والقوائم السياسية الكبرى تحت خيمة الحكومة العراقية بهدف لم شمل كل الأطراف السياسية في العراق بغية إنجاح العملية السياسية ودرء العداء بين القوى السياسية للخروج بالعراق من أزمته المستعصية الكبيرة واهمها مشكلته العصيبة في مواجه خطر تنظيم داعش الإرهابي الشرس الذي أصبح يهدد مستقبل ومصير العراق بأكمله. وثانيا ضم نوري المالكي من ائتلاف دولة القانون في الفريق النيابي لرئيس الجمهورية هي خطوة واضحة تهدف إلى الاستمرار في الهدنة بين جماعة المالكي وجماعة العبادي وتحقيقا ً للاتفاق الذي عقد بينهم الذي بدا واضحا في ضم المالكي إلى فريق الرئاسة مقابل تخليه عن رغبته في ولاية ثالثة لرئاسة الوزراء. وضم علاوي وهو شخصية وطنية معتدلة لها وزنها وشعبيتها على الصعيد المحلي والدولي ممثلا عن ائتلاف الوطنية وهو أحد الائتلافات الكبرى في العراق، مع الفريق النيابي لرئيس الجمهورية كان ضروري جدا ليكون حلقة وصل بين المكونات الكبرى في العراق.
وبالطبع تشكيل حكومة عراقية جديدة بهذا التنوع الطائفي والسياسي سيغلق الأبواب بوجه الدولة الإسلامية التي تتغذى على فكرة تهميش السنّة من قبل الحكومة وهذا بالضبط ما وصفته الحكومة الأمريكية حيث اعتبرت بأن تشكيل الحكومة الجديدة تعتبر " خطوة حاسمة لهزيمة الدولة الإسلامية". وجاء تعيين الحكومة بهذا الشكل تلبية لمطلب واشطن التي اشترطت على الحكومة العراقية وقتها، في أيام المالكي، في أن يعمل السياسيين العراقيين مع بعض قبل أن تقوم واشنطن بتقديم أي دعم للحكومة العراقية. ففي شهر حزيران الماضي، عندما كان داعش لازال على أطراف الموصل، طلبت الحكومة العراقية مساعدة الأمريكان في التدخل عسكريا بريا لوقف زحف تنظيم داعش الإرهابي. بالطبع تدخل أمريكا من جديد في العراق بعد ما عانته على أيدي المليشيات العراقية السنية أو الشيعية وخصوصا ً بعد أن توغل واستقر الوجود الإيراني في العراق، لم يكن بتلك البساطة وكان يجب على أمريكا أن تدرس خياراتها بدقة قبل أن تتخذ قرارها بإعادة نشر قواتها لحماية العراق. فرفضت أمريكا التدخل عسكريا وقتها وشرطت في حالة تدخلها العسكري أن تقوم الحكومة العراقية ببعض الإجراءات والتعديلات والإصلاحات السياسية والطائفية وهذا ما أوضحه نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما صرح بأن الدعم الأميركي مشروط بتنحية الساسة العراقيين الخلافات الطائفية، وتوحيد صفوفهم في مواجهة تقدم المسلحين. حيث صرح بايدن، بحسب ما جاء في موقع سكاي نيوز العربية "بأن بلاده ستقدم مساعدة عاجلة وضرورية لقوات الأمن العراقية، ولكن ينبغي أن يتوحد العراقيون لمحاربة أعمال العنف المسلحة "الشريرة" التي يشنها "متشددون" وتهدد بتفكيك البلاد". وبحسب الموقع أيضا ً فأن بايدن صرح خلال زيارة للبرازيل "من الواضح أن هناك حاجة لمساعدة عاجلة... الخلاصة هنا أن العراقيين عليهم أن يوحدوا صفوفهم لهزيمة هذا العدو". وأضاف "إن ذلك يستلزم تنحية الخلافات الطائفية وبناء قوة أمن تشمل جميع الأطياف وضمان أن تكون أصوات جميع التجمعات السكانية في العراق مسموعة". وضم ساسة من السنة كان أيضا ً شرط من شروط أمريكا حيث، بحسب نفس الموقع، جاء فيه بأنه "أوضحت واشنطن أنها تريد أن يضم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في صفوفه ساسة من السنة كشرط للدعم الأميركي لمحاربة التقدم المباغت لمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" ورغم زوال المالكي فان العراق كان ملزم بحقن ساسة من الطرف السني في الحكومة ليحقق التوازن الذي تنشده واشنطن ويوفر الأرضية الصالحة لها قبل أن تتورط من جديد بأي تدخل عسكري وتواجه ما واجهته في السابق.
أما بالنسبة لوضع المليشيات العسكرية المنتشرة بكثافة والمتواجدة بكثرة في العراق فكان لابد أيضا ً من الحكومة الجديدة أن تجد حلا لها لأن وجود السلاح في أيدي المليشيات لا يعني سوى إبقاء الصراع العسكري في العراق كحل للنزاعات والخلافات السياسية والطائفية ونزع السلاح يعني توجيه المليشيات والكيانات السياسية التي تمثلها نحو إيجاد الحلول السياسية السلمية لخلافاتهم ومشاكلهم. وفي خطابه أمام البرلمان صرح حيدر العبادي وأعلن رفضه القاطع لتواجد مليشيات في العراق وكذلك رفضه القاطع في أن يكون بحوزة أي مجموعة أو مليشيا مهما كانت وأينما كانت أي سلاح وأن الجيش العراقي يجب أن يكون هو الجهة الوحيدة المخول لها لامتلاك السلاح. فهذا التصريح لا يدل إلى على أن حكومة عبادي جادة في نزع السلاح في العراق وتركيزه في يد السلطة المتمثلة في الحكومة العراقية. وهذا القرار مهم جدا ً حيث سيسحب البساط من تحت أقدام داعش الإرهابي ووضعه في خانة الإرهاب. فبحسب هذا القرار فأن تنظيم داعش الإرهابي، الذي يمتلك الآن مخزون عسكري كبير وترسانة عسكرية واسعة ومتقدمة غير مخولة من قبل الحكومة بل تعمل ضد الحكومة، أصبح بحكم هذا القانون، بمصاف حركة مسلحة غير قانونية مخالفة للدستور العراقي وهي بذلك تعتبر ملاحقة قانونيا من قبل الجيش العراقي. هذا أيضا ً يعطي الحق للقوات العسكرية العراقية في التصدي لها بكل ما لها من قوة وبغطاء قانوني ودستوري وأيضا ً يخول للحكومة العراقية طلب الدعم العسكري من القوات الأمريكية لدحر داعش والقضاء عليها. بالطبع هذا القرار يجب أن ينطبق أيضا ً على الميليشيات الشيعية التي يجب أن تنزع سلاحها وتكتفي بالعمل السياسي. أما بخصوص العشائر فبإمكان أيضا ً استخدام هذا القانون لنزع السلاح الذي في حوزتهم دستوريا وقانونيا أو بإمكان البرلمان أن يمنحهم استثناء من ذلك بسبب طبيعة معيشتهم وسبل معيشتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
نتمنى أن تتوفق الحكومة الجديدة في مهامها واهمها المهمة الكبرى في لم شمل العراقيين من جديد تحت سقف واحد.