هواجس مصيرية وأسئلة مشروعة
لويس إقليمسلا يخفى على أحد، قهر الزمن الحاليّ وما يشكّلُه من هواجس يومية مصيرية، بعد تنامي طبقة خارجة عن الركب الإنسانيّ والطبع البشريّ، تريد العودة بالخليقة وطبيعتها إلى عقلية القرون الجاهلية والتخلّف والبداوة. ومن غير الممكن أن تسود مثل هذه العقليات وتتحكّم بمصير دولٍ وشعوبٍ لها من الطاقة والإمكانية على الصعيد البشريّ والماديّ والفكري ما يتيح لها أفضل الخيارات بالتنعّم بالحياة التي حباها الله لبني البشر، خليقته الضعيفة، التي هي بمثابة "عشب اليوم الذي يجفّ وغدًا يُحرق في النار".
إنّ الإنسان السويّ، المؤمن بوعود السماء وخالق الكون الذي أمرَ أبوينا الأولَين، آدم وحوّاء، كي ينميا ويكثرا ويعيشا في فردَوسِه الفسيح، رجلاً وامرأة، ليكملا ويسعدا بعضهما البعض، أراد لهما ولنسلهما كلَّ خيرٍ وسعادة. وإلاّ لَما أتاح لهما العيشَ في فسيح ذلك الفردوس ونهاهُما عن عمل الشرّ واقتراف الفحشاء وعصيانِه. ولمّا كانت النفسُ أمّارةً بالسوء، فقد زاغَ الإثنان وحادا عن جادّة الطريق السليم الذي رسمه لهما اللهُ الخالق. وبذلك، فقدا الحرّية والمنَعة التي حباهما هذا الإله الطيّب محبّ البشر، فعاقبهما جزاءَ فعلتهما وعصيانهما بطردهما من الفردوس. لكنّه لم يحنق عليهما بسبب تلك المعصية، بل وعدهما بالرحمة والصفح إن هما تابا وعادا إلى رشدهما ليكفّرا عن الذنب الكبير الذي فعلاهُ. من هنا فرضَ عليهما التعبَ والشقاء والبحث عن لقمة العيش والفيء كي يحتميا من شدّة الحرّ وأعارَهما ورقَ التوت ليسترا بها عورتهما بعد أنْ جرّدهما من ثوب الحرّية والنعيم الذي رفلا به.
إنّ قصّة أبوينا الأولَين، ينبغي أن تكون درسًا بليغًا للبشر، كلّ البشر، في طاعة الخالق وعدم المعصية والزوغان والتيه في مجاهل متخلّفة غير آمنة، لا تخدم البشر والبشرية
. فما يجري في عالم اليوم المتحضّر، نكوصٌ إلى الوراء وعارٌ بحقّ الإنسانية جمعاء، بعد طفو فئة ضالّة لا ترقى إلى الإنسانية بشيء، وهي تحزّ الرقاب جهرًا وتتنعّم بسفك الدماء علنًا وتستهين بخليقة الّله بطرق بشعة لا يتقبلُها أيُّ إنسانٍ سويّ. فهذه الشلّة الضالة المتشدّدة التي تتبرّاُ منها الأديان كافّة، قد حوّلت أرضَ الله الطيبة إلى مجازروإبادات جماعية يندى لها جبينُ الإنسانية ولا يقبلُ بها إلاّ الضالّون أمثالَهم والمخدوعون بوعود حور العين والجنان الوارفة التي تجري من تحتها الأنهار.
كلُّ الأرض تقف هذا اليوم ومعها البشرية لتقول كلمة "لا" لما تقترفُه عصابات "داعش" الإرهابية التي تلقنتْ دينَها الخاصّ وصاغَته على مرامها ووفق مقاساتها، فشوّهتْه، لحدّ أصبح المنتمون إليه يشعرون بالخزي والخجل ممّا يُشاع ويُقترفُ ويُشاهدُ ويُسمَعُ. أليس هذا الموقف، خيرَ تحدٍّ لهذا التنظيم الضالّ وردّا لرفض أفكارِه وأيديولوجيته الخائبة والخاطئة التي لا يعترف بها سوى الشواذّ وناقصو الفكر والضمير والرأي؟ أترك الجواب للقارئ الكريم لفرز الصحيح من الخاطئ في التعاطي مع ما جاء به أصحاب هذه التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الإسلام دينًا وتجزُّ الرقابَ البريئة باسم "الله أكبر" وترفع راية "لا إلهَ إلاّ الّله" في أنشطتها التخريبية والترهيبية.
تحدّيات قائمة ومخاطر شاهدةمؤخرًا، تصاعدت وتيرة عقد مؤتمرات دولية تبحث في كيفية الردّ على الخطر الداهم لتوسّع أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في كلّ من العراق وسوريا، وعدّ هذا الخطر ليس على مصير ومستقبل البلدين المبتلَين به فحسب، بل أيضًا هو يشكّل خطرًا على المنطقة والعالم. فقد صحا الغربُ لخطورة فعّاليات هذا التنظيم وطريقة جذبِه لمقاتلين دوليّين من أكثر من 80 دولة بحسب البعض، علاوةً على تحديد أجهزة المخابرات الأمريكية لأكثر من خمسين دولةً ممولة أو تمويلٍ قادمٍ من أفرادٍ على أراضيها. وهذا كلّه كان إنذارًا بخطورة الموقف ومن تنامي قدراتِه المالية والفكرية والسَّوقية واللوجستيّة بفعل أجهزة الدعاية الضخمة التي يروّج بها لأنشطته.
والتنظيم ليسَ سوى حركة إرهابية لا ينتمي لبلد وليس له حدودٌ ولا أرضٌ ولا كيانٌ، بل يريد خلق كيانٍ عالميّ لنفسه ومنه يتخذ مسارًا لتوسّعه وطموحاته العالمية. وهذا ما أرعبَ الغربَ ودولة القطب الواحد أميركا، حين بدأ هذا التنظيم الأخطبوطيّ يزحف مهدّدًا مصالح الغرب الغافي الذي صحا على خطورة الموقف متأخرًا، كعادتِه. وهذا ما يُؤسفُ له. إذ لم ينصت منذ البدء للدعوات وطلبات النجدة من البشر والشعوب التي وقعت ضحيةَ هذا التنظيم والتي تشرّد ت وفقدتْ مالَها ومنازلَها ومناطقَ سكناها بسبب أدوات القهر والترهيب والترعيب التي مارسهَا مسلحّوه ببربرية واضحة بحق أبناء المناطق التي احتلّوها أينما حلّوا.
إنّ التحدّيات التي يواجهها عالمُ اليوم بسبب أعمال هذا التنظيم المسلّح الذي يُعدّ أغنى تنظيم إرهابيّ لغاية الساعة، كبيرة وعديدة. وما لم يتعاون المجتمع الدوليّ وتتضافر جهود الدول والمنظمات وأصحاب الأرض للحدّ من نشاطه ودحرِه في أقرب وقت ممكن، فإنّه سيستمكنُ ويتقوّى ويستفحلُ لينتشر بعد ذلك كالسرطان الخبيث الذي لا يتوقف تدفُّقُه، ولن تفيدَهبعدُ جرعاتُ الدواء المسكّن المتمثلة اليوم بضربات جوّية محدَّدة غير قادرة على لوي ذراعِه الطويلة، لاسيّما وأن رأس الحكومة العراقية قد وجّهَ خطأً بعدم استهداف المقرّات والمواقع المدنية التي يحتمي بها مسلّحو التنظيم باتخاذها ملاذًا آمنًا. وهناك مّن يرى في هذا القرار المحرج، تشجيعًا باطنيًّا لتنظيمات مسلّحة أخرى لاستغلال هذه الثغرة في ارتكاب جرائم أعمل عنف تطالُ أناسًا أبرياء.
القضاء على الفكر الإرهابيّ خطوة استباقيةإنّ المنظومة الفكرية التي أتى بها تنظيم "داعش" الإرهابيّ، على خلفيّة تراجع تنظيم "القاعدة" مؤخرًا في المنطقة بصورة خاصّة، قد مكّنته من بسط نفوذ هائلٍ دوليًّا، بفعل ماكنته الدعائية الهائلة والفكر السلفيّ المتشدّد الذي سار عليه وكسبَ به ودّ طبقات كثيرة وحركات عديدة نبعتْ بسبب خلفيّات متخلّفة لطبقات فقيرة من المجتمع تعاني من التهميش والبطالة وشظف العيش.
وقد ساعده على انتشار فكره المشوَّه هذا، اتساعُ نقمة الجماعات السنّية في مناطق تواجدها بالمحافظات الشمالية والغربية من البلاد بسبب تراكم أخطاء الوزارة السابقة وانغماسها في تهميش المكوّن السنّي والسعي لإبعاد رموزه وقياديّيه من الواجهة السياسية والشراكة الصحيحة في الوطن. ولا أسهلَ من كسب ودّ البشر، حينما تنقطعُ بهم سبلُ الحياة الكريمة، فيناموا ليجدوا أنفسَهم أسرى بين أيدي مَن يعدُ أو يدّعي إنقاذهم من براثن الحياة المزرية التي يوجدون فيها.
كما أنَّ الفكر الإرهابيّ الذي يتخذه أمثالُ هذا التنظيم في أيديولوجيته وفي تحرّكاته، حالفَهُ الانتشار السريعُ، لاسيّما بين صفوف طبقة الشباب الضائع والتائه في مسارات العولمة القائمة وما أتى به هذا النظام العالميّ الجديد، عندما وجدَ نفسَه عاطلاً بلا عملٍ ولا رزقٍ ولا مأوىً ومرميًّا على قارعة الطريق يلعنُ الزمنَ الغادر ومَن حوّلَه إلى متسوّل وفاقدٍ للأمل بحياة آدمية لائقة. فالجريُ وراء الشرّ أهونُ وأسهلُ من فعل الخير ومن الصلاة والتوبة في نظر هذه الشرائح التائهة الضائعة التي لم تعد تستمعُ لغيرها ولا ترعوي من المآسي تاركةً النصح والهداية في سبيل الخير خارجًا عن أهدافها في الحياة. ف"الممنوع دومًا مرغوبٌ فيه"، وإنْ كان يسيرُ بعيدًا عن ركب الخير والإنسانية وعن الرحمة للنفس ولغيرها.
لعلَّ أولى الخطوات التي تمكّن من القضاء على هذا الفكر الإرهابيّ الآثم، تبدأ من البيت بالتنشئة المنزلية الأولية المعتدلة والإنسانية التي تضع محراثَ الطفل على السكّة الصحيحة، ليقوم منتصبَ القامة في الفكر والخلُق والسيرة الحسنة. ثمّ يأتي دور المؤسسات التعليمية التي تأخذ على عاتقها ترسيخ المبادئ التي خلقتها الأسرة الصغيرة في عقلية وذهن الطفل ليقوم حسنًا في السيرة والأخلاق ونافعًا لأهلِه وبلده وللعالم أجمع. إلى جانب هاتين الجهتين، يأتي دور المؤسسات والمراجع الدينية التي تعزّز وتعدّل وتقوّي ما سبق للطفل أن تلقّاه في صغرِه وفي شبابه ليدخل غمار الحياة الشريفة من أوسع الأبواب وليس من بابٍ ضيّق لا يسعُ سوى نظراتٍ قاصرة ورؤى ناقصة في الحياة. كما لا ننسى دور منظمات دولية وإنسانية ومنظمات أخرى في المجتمع تُعنى بتطوير وتفعيل الروح الإنسانية وتدعو للتعاضد والتكافل المجتمعيّ.
بهذه الوسائل فقط، يمكن تحصين الشباب وعموم البشر من مخاطر التطرّف ومزالق التشدّد المتنامية بسبب فكرٍ قاصرٍ ورؤية ضبابية للحياة وما فيها. ولا ننسى أن الإرهاب، لو قيل عنه "أْن لا دينَ له"، إلاّ أنّه في أساسِه فكرٌ منحطّ لا يرتقي إلى أبسط قيود الغيرة والأخلاق والضمير. من هنا، نلحظ أنّ غالبيةَ المغرَّرِ بهم من المنتمين لأمثال هذا التنظيم، قد حُرموا من تنشئة منزلية صحيحة لأسبابٍ عديدة، منها بصورة أخصّ، ضعف الآصرة الأسرية بين الأهل وفقدان التناغم بين الزوجين وترك تربية الأولاد للشارع وما يأتي به هذا الشارع من أخلاق واطئة ومشاكل اجتماعية لا حصرَ لها.
استراتيجية متأخرة قد تكون حاسمةإعلان التحالف الدولي في مؤتمر باريس المنعقد يوم الاثنين 15 أيلول الجاري عن استراتيجية فاعلة لحسم موضوع وجود "داعش"، هو خطوة أولى لدحر الإرهاب وتجفيف منابعه وقطعاليد التي تموله ومَن يؤازرُه ويقف معه عدوًّا للإنسانية. وتأتي موافقة أكثر من أربعين دولة للمشاركة في هذا التحالف ردًّا قاطعًا على نبذ هذا التنظيم وصدّ فكره المريض واستئصال شأفته بعد طغيانه بوسائله الترهيبية وأعماله البربريّة الشنيعة بحق أناسٍ آمنين لمجرّد الاختلاف معهم في الفكر والدّين والرؤية للعالَم القائم ونظامِهالعولميّ. وهذا العدد من الدول المستجيبة، بمقدوره في حالة تكاتفه مع دول الجوار لكلٍّ من سوريا والعراق، أن يلحق الهزيمة بهذا التنظيم الذي يستغلّ الإسلام في أعماله الترهيبية ولأهدافٍ إرهابية ومنافع ذاتيّة تعود به لعصر غزوات البداوة الغابر ولحقبة التخلّف القائمة قبل أكثر من أربعة عشر قرنٍ خلت، أيامَ الجاهلية والسيف والجمل والتيه في الصحراء.
إن مجموع هذا المجهود الدوليّ، بعيدًا عن النوايا الحقيقية للمشاركين والفاعلين فيه، يتطلّب بالمقابل تغييرًا في موقف الدولة العراقية ونظام الحكم فيها، بسبب الصبغة الطائفية التي اتسم بها نظامُه السياسيّ منذ السقوط في 2003، بدعمٍ من الجارة إيران، التي رأت فيه ولايةً إيرانية من دون شكّ وألعوبةً بذراعها السياسيّ في المنطقة. إلاّ أنّ حسابات البندر غير حسابات الحقل! فالواقع الصحيح والعادل، يتطلّبُ خطوة مقدامة على الطريق الصحيح بالانفتاح على محيطه الإقليمي والعودة للحضن العربيّ بكلّ ثقلِه. كما أنّ بعدَه غير الطبيعيّ عن محيطه الأصليّ قد باعدَ بينَه وبينَ شركائِه، ما اضطرّه بالقبول بتدخّل دوليّ بعد تضييق الخناق عليه من "داعش"، صنيعة الاستخبارات الأمريكية نفسها.
قصارى القول، أن تجفيف منابع الإرهاب وحواضنِه، في حالة انطلاقِه من أراضٍ عراقية، كما نتأمّل اليوم، وبعيدًا عن النيّات التي تقف وراء هذا المجهود الدوليّ، لن يكون متاحًا إلاّ في انتفاضة جديدة وجادّة من جانب الحكومة الجديدة التي عليها تغيير استراتيجية الحكومة السابقة الخائبة المتبعة طيلة السنوات الثمان من عهد المالكي.
فالعراق انطلاقًا من أراضيه وعلى أراضيه، يخوض اليوم حربًا كونيّة يدفعُ ثمنها بالنيابة عن المنطقة والعالم كلّه، بعد تركيز سمة الإرهاب على نظام الحكم الطائفي فيهوالاعتقاد بإمكانية تحديد أهدافه على أرض العراق تحديدًا، انطلاقًا من سوريا التي هيّأ نظامُها الدكتاتوري لنشأة هذا التنظيم وصعود نجمه. وهذا قدَرُهُ! فالعراقُ يدركُ تمامًا، ازدواجية عمل دول التحالف الجديد في معالجة الكارثة التي أوقعَت الأبرياء ضحيةًللتنظيم المسلَّح ذي الطاقة والقدرات التي تفوق قدرات دولة مثله. إن هذه الازدواجية في التعاطي مع مشكلة العراق القائمة منذ سقوط الموصل في 10 حزيران 2014، يدركُها القاصي والداني. فالدول العظمى ومعها المنظمة الدولية، لم تحرّك ساكنًا حين توالي سقوط المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى وتشريد الآلاف من سكان المناطق التي تقطنُها أقليات عرقية ودينية، إلاّ بعد تهديد مصالحها في كردستان. وهذا خيرُ دليلٍ على هذه الازدواجية في التعاطي مع الملف العراقيّ الشائك والخاضع لتجاذبات وخلافات سياسية حادّة بين الفرقاء ومّن يقف وراءهم. فالهدف واضحٌ وليس فيه لبسٌ. لم يكن وراءه خطةٌ ولا استراتيجية قريبة المدى تساهم بعودة النازحين والمشرَّدين إلى ديارهم، بقدر ما كان يرمي بالدرجة الأولى، للحفاظ على مصالح عددٍ من الدول التي شعرتْ بقرب التهديد على أيدي تنظيم "داعش" في العراق والمنطقة.
هنا تكمن الخطوة الّلاحقة للحكومة العراقية الجديدة، بتشكيل أو إعادة هيكلة الجيش العراقيّ القاصر القائم حاليًّا، من حيث العقيدة العسكرية والشؤون السوقية واللوجستيّة والتجهيز والاستراتيجية بحيث يكون بعيدًا عن اية تأثيرات طائفية ومذهبية وعرقيّة. وهذا ليس بالسهل بطبيعة الحال.
لكنّ الإرادة الوطنية ينبغي أن تنتصر في النهاية، بإعادة النظر في كلّ ما سلفَ من اجتهادات وسلوكيات وقرارات أبعدت الجيش العراقي العقائديّ التقليديّ عن مهامّه الوطنية وطبيعته العربية. ومن ضمن هذه الاستراتيجيات، التفكير الجدّي بقيام تشكيلات من حرس وطنيّ في كلّ منطقة أو محافظة لها القدرة على الدفاع عن حدودها ضمن تشكيلات الجيش الوطنيّ الاتحاديّ. وحينما تحصل هذه البرامج وتحظى بموافقة الشركاء السياسيّين، يكون البلد قد وضعَ أقدامَه على السكّة الصحيحة التي تنشلُه من واقعه المزري وترتقي به ثانيةً إلى مصافي الدول المتحضّرة بعودة السيادة الوطنية إليه وتعافيه من اقتصاده المثقل جرّاء تفشّي الفساد والمفسدين وإعادة تأهيل وبناء بناه التحتيّة المتهالكة.
ضمن هنا، يأتي قبول العراق للتدخل الدولي الأخير، خطةً مقبولةً وضروريّةً لصدّ الهجمة "الداعشيّة" الشرسة ومَن يقف وراءَها، بالرغم من اعتراض جهاتٍ شيعيّة معروفة بولائها للجارة إيران التي تخشىعلى تهديد مصالحِها فيه. وما التحالف الدوليّ الجديد، سوى فرصة قابلة للاستفادة منها وتطوير توجّهها نحو إعادة بناء البلد من جديد وفق قياسات وطنية، ووصولاً لنهج طريق الدولة المدنية المتحضّرة الديمقراطية.
وهذه الفرصة الجديدة قد لا تُعوَّض، ليكفّر المحتلّ الأمريكي ومعه الغرب الغافي، عن ذنوبهم تجاه شعب العراق الجريحوحقِّه في العيش الآمن وكذا تجاه حضارتِه ورموزِه التراثية والدينية التي تُستَباح كلَّ يوم، وتكاد تتراجع وتتقهقرُ مع تواتر الأيام وإطالة الضائقة وسطوة التنظيم المسلّح وحواضنِه ومؤازريه. هناك مَن ما زالَ يعتقد بأنّ الاستعجال بخروجالغزاة الأمريكان بالطريقة غير الذكية التي انتهجتها الحكومة السابقة، قد أخلّ بمصالح العراق، لا سيّما فيما يترتب على المحتلّ من واجبات الاحتلال والدفاع والصيانة وإعادة الإعمار وحماية الحدود. وهذا ما لم يفي به المحتلّ الأمريكي طيلة غزوه للبلد حتى طردِه مخذولاً مهانًا. ومَن كان يراقب البرامج التدريبية المخصّصة للجيش العراقيّ الجديد، يساورُه الأسى للأموال الطائلة التي صُرفت على أفرادِه ولعدم الجديّة في تنفيذ تلك البرامج التي استغلّها العديدون لواجهة سياحيّة وكسب منافع ومكافآت جرّاءَها ومن ورائها.
وهكذا، حينما أدرك الجميع الخطر الداهم وما كسبه تنظيم "داعش" من تمويل وما حقّقهُ من مكاسب ومآرب مالية وبشريّة ضخمة، تنادوا لتشكيل اتحاد دوليّ ضدّه وللقضاء على منابعه ومروّجي فكرهِ، إن أمكن. وهذا ليسَ بالسهل، كما نعلم. فبالرغم من إعراب 28 دولة من حلف الناتو عن دعمها لإنهاء وجود تنظيم "داعش" الإرهابي، إلاّ أنَّ ما في حوزة هذا التنظيم من مالٍ وسلاحٍ وحقولٍ نفطية وماكنة إعلامية هائلة وتأييد في صفوف الناقمين على حكومات وأنظمة عديدة بالمنطقة، إضافةً إلى ما غنمَه مؤخرًا من أسلحة الجيش العراقي المتخاذل في الموصل ومناطق أخرى ومن البيشمركة أيضًا، كثيرٌ ولا يمكن تصوُّرُه في ساحة المعركة وأساليبها التي تتدرَّبَ عليها. لذا، فمسألة تجفيف الحواضن ووقف إمدادات التمويل الإضافية التي يحصل عليها ومعالجة مشاكل الأرض الخصبة التي نما فيها وعليها، ستكون كفيلة بقلع منابعه والحدّ من نشاطِه لحين القضاء عليه نهائيًّا بعد حين. ويمكن اعتبار هذه الاستراتيجية الدولية برنامجَ عملٍ للقضاء على الإرهاب ذاته، وليس على تنظيم "داعش" فحسب.
ولكن، يبقى السؤال: هل في تقديرنا لما في حسابات التحالف الدوليّ من نوايا وأهداف يتطابقُ مع سيادة بلدنا على أراضيه موحَّدةً واستعادة النسيج المجتمعيّ لطبيعتِه المتآخية وعودة المهجَّرين والنازحين إلى مناطق سكناهُم الأصلية بأسرع وقتٍ متاح؟
لويس إقليمسبغداد، في 20 أيلول 2014