الأحلام الوردية.. والإبادة الجماعية
يونان هوزايا• بدءا، أحيي العزيز كوركيس لمواضبته ومتابعته للأحداث، كيف لا وأنها "كارثية" وتعصف بشعبنا.. أكاد أسمع بعض الأصدقاء يقولون لي: "ولكنك لا تحبذ إستخدام كلمات كـ الكارثة، للأحداث التي كانت تستهدف أبناء شعبنا"!!.. ولكن الآن الموضوع كارثة بإمتياز.. وفعلا لخص المطلوب إزاء هذه المأساة بـ "نتكاتف ونتحد للعمل على التخفيف من هذه المآسي".. وقيم الجهود المبذولة من جالياتنا في دول المهجر- والمظاهرات بصورة خاصة"..
• ألديموغرافيا في ظل الإبادة الجماعية: جزء من هذا المقال محاضرة ألقيناها في النادي الثقافي الآشوري- عنكاوا (أيار- 2014)، وحصرنا الموضوع في الثلثين الأخيرين من القرن المنصرم.. وتعرف الديموغرافيا ببساطة: بأنها دراسة المتغيرات التي حدثت في زمن محدد لمجموعة بشرية كالـ (الولادات– الاموات- الزواجات- الامراض).. أما الإبادة الجماعية الجينوسايد: فقد إختلف أساتذة القانون الدولي وعلماء الإجتماع والسياسيون في تعريفها: فهذا رفائيل لمكين "مبتكر التسمية التي تبنتها الأمم المتحدة، في 1944" يقول: (انها تدمير البنية التحتية لمجموعة قومية).. أما فاكان دادرين- الباحث في جرائم إبادة الأرمن، يقول: المحاولة الناجحة للجماعات المسيطرة لقتل وتدمير مجاميع مستهدفة كليا أو جزئيا.. أما جاك بورتر فيقول: إنها التدمير القصدي للحكومة ومؤسساتها لمجاميع على أساس الجنس أو الدين أو الأقلية السياسية.. ومفهوم القصد من الجريمة (إما أن تكون جنحة عادية، وقد يكون القصد منها شيئا أكبر بكثير منها- كأن يكون إستهداف مجموعة إثنية أو..).
• النزوح من القرية:فقد يكون الرقم 160 للمؤنفلين صغيرا جدا في حسابات الاثنيات، إلا أن كونه فعلا "قصديا" وضمن الخطوات المبرمجة، يكون له شأن آخر، وكم من مرة كان أبناء شعبنا يلبي الطلبات الثقيلة للجيش وملحقاته من ما سمي بـ فرسان صلاح الدين.. هذه كانت "حصة" شعبنا في ألأنفال، التي شملت أكثر من عشرين قرية كلدوآشورية.. كما إن القرى في المناطق السهلية حول المدن والقصبات، كونها تقدم المأوى للمقاتلين البيشمركة، مما عرضها الى التدمير لمرات، أضافة للحصار الأقتصادي، كما أن إتفاق بغداد وأنقرة على إعتبار الشريط الحدودي بينهما وبعرض 5 كم منطقة عمليات عسكرية، وهذا شمل عشرات القرى، التي ما زالت غير مأهولة ولأربعة عقود.. كذلك عدم الإستقرار في جنوب تركيا، ولاحقا في سوريا، دفع بمئات – بل آلاف العوائل لعبور الحدود الى الجانب العراقي، لتضغط على ساكني العديد من قرانا، بالمقابل كانت المدن الكبيرة– خصوصا بغداد- جاذبة لشعبنا، حيث الأشغال الوفيرة، والمدارس والجامعات، ومغريات المدينة.. والنزوح من القرية بإتجاه المدينة هو ترك للأرض، وبالنتيجة حالة من حالات الإبادة الجماعية..
إن حيوية شعبنا الكلدآشوري، جعلته يستثمر نزوحه الى بغداد فيؤسس مؤسسات كانت رئته التي يتنفس بها، ويمارس هويته، لغته وثقافته، ومن هذه: (نادي أور العائلي/ الوطني الآشوري/ نينوى/ المشرق/ سومر/ بابل الكلداني/ الأخاء/ الرافدين/ النادي الثفافي الاثوري.. مجمع اللغة السريانية / إتحاد الأدباء والكتاب السريان/ الجمعية الثقافية السريانبة/ جمعية الفنانين السريان/ إذاعة بغداد- القسم السرياني)..
إلا أن الديموغرافيا الأفضل بقيت في سهل نينوى كونها تشهد لعمق تاريخي.. وإمتداداتها طبيعية الى عنكاوا وناحية السليفاني بالأخص الأراضي الزراعية.. وبذلك كونت وحدة سكانية متجانسة.. وقرب المسافات، بين قصباتها، نتطلع الى منطقة نكون فيها (الأغلبية)، فنستطيع أدارتها، ونمارس فيها هويتنا، ونضمن مستقبلنا كأمة، مع المكونات الأخرى، والأيزيدية خاصة ..
• التطرف الديني والإبادة الجماعية:شهدت نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، ما آلت اليه القبضة الحديدية التي كان صدام وأزلامه يحكمون بها، فلجأ الى ما أطلق عليه "الحملة الأيمانية".. ثم وبسقوطه في 2003، قفز الى الساحة كل من هب ودب، وكان أخطرهم الذين أقحموا الدين في خندق السياسة.. ففقط بعد مرور شهر واحد على السقوط، يفتي شيخ في بغداد بتحريم الكحول، وأمر المرأة بإرتداء الحجاب، وغلق المسارح ودور العرض السينمائي!!.. وشيخ في زاخو يأمر بحرق المحلات العائدة لأبناء شعبنا، وشيخ من القاعدة يفتي بخصوص كنيسة سيدة النجاة، وآخر لإستهداف الطلبة في بخديدا، و.. وتنوعت التهديدات وفتاوي القتل والأختطاف وطلب الفدية، و(ضاعت) الدولة، التي آمست عاجزة عن حماية المواطنين.. وبعد ثلاث سنوات من السقوط كان (نصف المسيحيين قد هربوا من بغداد والبصرة ومدن الجنوب) .. وكي نتصور حجم المأساة، تقول المصادر إن عدد المسيحيين في العراق في 1980 – 1990 كان 1.5 مليون.. والباقي اليوم أقل من نصفهم، وبكلمات أخرى: مئات الآلاف من العوائل، ويعني عشرات آلاف الموظفين تركوا وظائفهم مرغمين، ومئات الآلاف من الطلبة تركوا مقاعدهم الدراسية، وعشرات الآلاف تركوا دورهم السكنية ومحلاتهم ومصانعهم ومشاريعهم وأحلامهم وآمالهم، ومعظم من باع ممتلكاته كان بثمن بخس لا يتجاوز ربع القيمة، تركوها ونزحوا الى اللاوطن.. الى المجهول.. أليست هذه نماذج لجرائم إبادة جماعية.. ثم جاءت "داعش"، وهي قمة التطرف الديني، والتي تدعي إنها ستعيد العراق والشام الى عصر الخلافة!!.. إذ إنها- وبين ليلة وضحاها- دفعت عشرات الآلاف من العوائل خارج أقضية تلكيف وقرة قوش وبعشيقا وسنجار ومدنها وقراها..
• ساكو وحركته المكوكية: أكرر ما كتبت في منتصف آب الماضي: ".. أشد على أيدي البطريرك الذي دشن عهده بحالة صعبة جدا، ثم كثف حركاته المكوكية وبكل الإتجاهات، عندما "أتحفنا" الدهر بالـ دواعش.. ثم أرفع القبعة للخلايا الشبابية العاملة في أيبارشية أربيل وبإشراف المطرانين الرائعين بشار وأميل، اللذان يعملان ليل نهار لتخفيف معاناة مئات الآلاف من العوائل المنكوبة، والنازحة الى عنكاوا"..
إن حركة البطريرك ساكو ومطارنته الأجلاء- ومعه في الغالب القيادات الروحية لكنائس شعبنا الأخرى – التي تشمل لقاء المسؤولين المحلين في بغداد وأربيل، وعبر الحدود في البرلمانات الأوروبية، ومع صناع القرار في الدول العظمى، كما تشمل إلتزاماته الكنسية، وواجباته الرعوية، منطلقين مستوعبين حجم المأساة.. فإن نصف أهلنا في العراق قد تركوا مساكنهم، ومدارسهم وها قد بدأ الموسم الدراسي، خسروا وظائفهم ومصالحهم وموارد معيشتهم، وفقدوا أراضيهم، وطعنوا في حبهم لأرضهم وتمسكهم بها.. وإنكسروا، كما إنكسرنا!!. تلك الأرض التي كانت أرض الأحلام.. عليها تتشكل ملامح هويتنا واضحة وكاملة، وعليها نمارس حقوقنا الإدارية والثقافية، عندها يتغنى كتابنا ومثقفينا، وبين ثناياها نكون شعبا وأمة، ومع المكونات الأخرى تكون لنا سرايا من الشرطة تحمي الأمن والنظام، ونعلم بلغتنا ولغات اخر، ونجسد طموحاتنا الكثيرة.. وحتما ستتغيرالحال، وتهدأ العاصفة!!.. وعندها سيتكلم "المهجرون".. كما ستتكلم الساحات والكهوف والحدائق، وستحكي جدران المدارس، وستقص حزم الشمس اللاهبة قصصا عجيبة..• أغان الصباح الباكر:سألتني إبنتي المدرسة نيشا- وهي من الناشطات في فريق العمل الرسولي في أبارشية أربيل، ومن المتطوعات لخدمة "المهجرين"، إذا كانت لي ملاحظات قبل يوم من سفرها الى ألمانيا، بدعوة من البرلمان الألماني، للقاء لجان برلمانية، وسياسيين، ومنظمات إنسانية، لمناقشة مشكلة النازحين، وكيفية تخفيف مآسيهم، والأولويات.. وردا على طلبها، فقد حضرت لها مقطعا لأغنية بالسريانية تقول:
بـ دًذا دخِشكًـا بًبِــل ونينوٍا ىِبٌـليه بًــىرًا
وعًلمًا بريٌــزًا بًبِــل ونينوٍا فيشليه نًــىرًا
بـ دًذا د زِدقٍــا وجو يولفًــنٍا ومَـــمـطًيًـــــةا
عَمَــــن شلِجلًيه عبِدليه جوٌدةًا قــدًم اَقلًـــةا
(في عصور الظلام، أضحت بابل ونينوى فنارات.. وأمسوا أنهارا تروي جفاف العالم..
وفي زمن الحقوق، والعلوم والإتصالات.. قلعوا شعبنا، وجعلوه كرة تتقاذفها الأقدام..).
***