الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟

المحرر موضوع: الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟  (زيارة 1097 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أبرم شبيرا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 164
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟
====================================
أبرم شبيرا

توطئة: يؤسفي القول بأن الكثير من أبناء شعبنا وفي مقدمتهم بعض من قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية بعيدين عن فهم السياسة ورسم إستراتيجية لمعالجة أمور شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" وتقدير أبعادها المستقبلية ووضع الحلول المناسبة لها في حالة وقوع الكوارث والفواجع. ففي اللغة الإنكليزية مصطلح يعرف بـ (Contingency Plan) أي خطة للطوارئ والأمور غير المنتظرة للأحوال المضطربة أو المتوقع إضطرابها، وهل هناك حالة مضطربة أو متوقع إضطرابها أكثر فأكثر من أحوال شعبنا المسيحي في العراق والذي يتطلبه مثل هذه الخطة؟؟؟ يعيش الإنسان عشرات السنين وقد يصل عمره إلى مائة سنة، أما الأمم والدول فتعيش مئات بل ألاف السنيين. على هذا الأساس نقول بأن خطة معالجة أمور الإنسان أو شخص تختلف كلياً في أبعادها ومنظورها المستقبلي عن خطة معالجة أمور الأمم والدول. فأهداف الشخص قد تتحق في سنة أو بضعة سنيين ولكن تحقيق أهداف الأمة والدول يتطلبها فترات زمنية أكثر بكثير. فالأسف الأكبر هو أن معظم، إن لم يكن جميع، سياسات مجتمعنا هي قصيرة الأجل، فإما تكون لتحقيق أهداف تتلخص في المنفعة الشخصية والمصالح الخاصة للذين يمثلون شعبنا أو تكون بعد أن "يقع الفأس على الرأس" والذي شرحنا عنها في موضوع سابق، ولا نجد سياسات إستراتيجية في تخمين أو توقع الأمور المستقبلية ورسم خطة طارئة لها عند وقوعها، وهذا ما نشاهده اليوم في تخبط قادة وزعماء أمتنا في معالجة المأساة التي يتعرض لها شعبنا في الحاضر القائم من دون أن يكون لهم أية خطة طوارئ قائمة على دراسة الوقائع والتوقعات الممكنة أن تحدث في المستقبل لذلك جاءت هذه المأساة كفاجعة صاعقة وقعت على أبناء شعبنا.  هذا الموضوع الذي نعيد نشره، كتبناه في بداية عام 2011 عندما كان شعبنا المسيحي يُضطهد ويُطرد من مدينة الموصول وكنًا نتوقع الأسوء على أيادي متطرفة قذرة في نفس المدينة شكلت مدخلاً سهلاً لدخول داعش المجرمة للمدينة وإحتلالها. وفي حينها ذكرنا بأنه ليس للمسيحيين أمان في العراق غير الحماية الدولية. لذا أرجو من القارئ اللبيب أن يقرأ الموضوع في سياقه الزمني وقبل وقوع الأحداث الأخيرة الناجمة من أحتلال داعش المجرمة لأراضي واسعة من العراق وتشريد شعبنا وبالتالي تصاعد نداءات الحماية الدولية للمسيحيين وتوفير منطقة آمنة لهم... وهنا نعود ونقول مرة أخرى "منو يسمع منو يقرأ" فنزيد عليه ونقول أيضا "منو يعمل"... وحتى أن عملوا فالفائدة المرجوة من هذا العمل ستكون قليلة بعد أن خسر شعبنا الكثير الكثير، ليس في سلب بيته وأثاثه وإنما وطنه أيضا.   

أسئلة معقولة في زمن غير معقول:
بعد أن فقد المسيحيون في العراق الأمن والسلام والإستقرار، وبعد أن عجزت الحكومة العراقية وأي جهة أخرى من توفير الحماية اللازمة والضامنة لإستمرار حياتهم في العراق بشكل طبيعي تطرح  اليوم أسئلة تصبح في الزمن غير المعقول أسئلة معقولة لا بل مقبولة أيضاً. هذا الزمن غير المعقول الذي يصبح فيه أبن الوطن الأصيل غريباً ومنبوذاً... هذا الزمن غير المعقول الذي جعل من أغنى بلد بالبترول في العالم أن يقف أبناؤه ساعات طوال وفي طوابير طويلة من أجل الحصول على بضعة ليترات من البترول ... هذا الزمن غير المعقول الذي يجعل أبناء البلد ذو النهرين العظيمين عطاشا، هذا الزمن الذي جعل من أبناءه ألأصلاء محشورين في معضلة الخيار بين شرين أحلاهم مُر ... هذا الزمن الذي دفعنا أن نبحث في موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقين ونتساءل فيما إذا سيكون ذلك نعمة عليهم تسترد أمنهم وسلامتهم في وطنهم الأم أم سيثير ذلك هيجان وغضب الحكومة العراقية والقوى السياسية الأخرى ويزيد الإرهابيون إرهاباً وقتلاً بالمسيحيين في العراق وتصبح نقمة عليهم؟ أسئلة وأسئلة فرضت علينا الظروف الحالية أن تطرح وتناقش في هذا الزمن غير المعقول.

معضلة  المسيحيين العراقيين:
المعظلة، وبالإنكليزية (Dilemma) تعني إكراه الشخص على إختيار واحد من خيارين وكلاهما صعب وفي غير مصلحته، أو كما يقال أحلاهم مُر. فمعضلة المسيحيين العراقيين في هذه الأيام هي إنجبارهم على مواجه خيارين لا يكفي أن نصف أي منهما بالصعب بل بالمهلك. فأمامهم أما خيار البقاء على أرض الوطن وتحمل الإرهاب ونتائجه المدمرة أو الهجرة إلى المجهول. يقال بأن ما يدفع المرء إلى المُر هو الأمرُ منه. تفيد كل الإحصائيات الدولية والأقليمية والمحلية لا بل حتى الواقع الفعلي لوجود المسيحيين في العراق بأنه في تناقص شديد ومثير للقلق والمخاوف. هذا الواقع الذي لا يعني إلا إختيار المسيحيين لخيار الهجرة رغم مرارته، خاصة في الظروف الحالية الصعبة، ليظهر بأنه أقل مرارة من مواجهة نتائج الإرهاب المدمرة والفانية للحياة، فحال المقتلعين والمطرودين من بيوتهم في المناطق الجنوبية والوسطى والموصل والإحتماء في المنطقة الشمالية، كما وإن المهجرين إلى تركيا وسوريا والأردن والدول الغربية كلها حقائق واقعية تثبت ما ذهبنا إليه. من هنا يمكن القول بأن إختيار مسلك الهجرة في الظروف المأساوية التي تسحق المسيحيين في العراق سحقاً يصبح أمراً غير مستغرباً في ظل غياب الأمن والسلام والإستقرار. فالعيش بأمن وسلام هما سُنة حياة الإنسان، وهي السُنة التي تدفع بالإنسان للبحث واللجوء إلى أي مكان من العالم يوفر له عناصر البقاء والعيش. لذا يمكن القول بأن المكان الذي يستطيع أن يوفر الأمن والسلام للإنسان يصبح هو الوطن بالنسبة له. أما المكان أو الوطن الذي لا يستطيع أن يوفر لأبناءه مثل هذه العناصر في العيش فأن مسألة الإنتماء إلى أرض الأباء والأجداد تتراخى تدريجياً وبمرور الزمن تفقد أهميتها في ظل ظروف الإرهاب والقتل والتشريد. قيل أن تكون غريباً في أرض غريبة هو أمراً طبيعياً أما أن تكون غريبا في وطنك ومرفوضاً فهو أمراً شاذاً وغير طبيعي.
وبينما هجرة المسيحيين لوطنهم في تصاعد مستمر، نرى على الجانب الآخر بأنه لا توجد أية جهة سواء أكانت عراقية حكومية أم مدنية ، مسيحية أم غير مسيحية، دولية أم إقليمية تؤيد هجرة المسيحيين من العراق بشكل علني وفصيح، رغم وجود مؤامرات وخطط إرهابية تسعى إلى تفريغ العراق من المسحيين سواء قتلاً أو تهجيراً لغرض إقامة الدولة الإسلامية، مثلما كان يفعل العثمانيون بالمسيحيين قبيل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. من هنا نقول طالما الحكومة العراقية لا تستطيع توفير الحماية اللازمة للمسيحيين من جهة وترفض، على الأقل بالكلام والتصريحات، هجرتهم إلى أماكن أكثر أمناً وإستقراراً من جهة أخرى، إذن موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين أو تدويل قضيتهم تصبح مسألة مشروعة للطرح والمناقشة.     

دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين:
أكتسب موضوع الحماية الدولية أو الأجنبية للأقليات في بلدان الشرق الأوسط وتحديداً المسيحيين منهم سمعة  تاريخية سيئة للغاية وذلك بسبب إستغلال هذا الموضوع من قبل الدول الكبرى كحجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولإغراض تحقيق مصالحهم الخاصة ومطامعهم الإستعمارية. فقبيل الحرب الكونية الأولى أستغلت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية هذا الموضوع كمعبر للتدخل في شؤون الدول العثمانية حتى تمكنوا من تفتيتها وتحقيق مطامعهم الإستعمارية من دون أن يتحقق للأقليات المسيحية من أتباع هذه الإمبراطورية شيء يضمن لهم أمنهم وإستقلاهم، بإستثناء قليل في لبنان. ويعتبر إستغلال بريطانيا للمسألة الآشورية في العراقية بعد الحرب العالمية الأولى نموذجاً واضحاً في هذا السياق، فأرشيف دائرة الوثائق العامة البريطانية في لندن زاخر بوثائق ومراسلات وتصريحات تخص موضوع حماية الآشوريين المسيحيين وضمان حقوقهم وتحقيق مطالبهم غير أنهم لم يحصلوا من كل هذه الضمانات الورقية في حمايتهم إلا مزيدا من المأساة والمعاناة.
 
واليوم وفي ظل الظروف المأساوية التي يعانيها المسيحيون في العراق، خاصة بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وما أعقبلها من هجموم على بيوت المسيحيين وقتل أعداد منهم، تطرح بعض دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين من جهات غير رسمية يشوبها نوع من الخشية والخجل ولكن أكثر هذه الدعوات صراحة ووضوحاً كانت الرسالة المشتركة التي وجهتها كل من أيطاليا وفرنسا وبولندا والمجر بتاريخ 08.01.2011 إلى السيدة كاثرين أشتون الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي تطالب فيها بإدراج مسألة إضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط في جدول أعمال قمة مجلس وزراء الإتحاد الأوروبي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري، مؤكدين بأن الإتحاد الأوربي لا يمكن أن يبقى غير مبال بما حدث في الأشهر القليلة الماضية وإن إجراءات ملموسة يجب أن تتخذ بشأن حماية المسيحيين في العراق ومصر. لا بل كان وزير الخارجية الإيطالي أكثر وضوحاً عندما ذكر بأنه يجب عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين.  ثم جاءت دعوة بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط والتي أثارت غضب وهيجان جهات عربية عديدة منها مصر التي أستدعت سفيرها في الفاتيكان للحضور إلى مصر إحتجاجاً على تصريحات البابا.

عجز الحكومات ورد الفعل تجاه الحماية الدولية:
لا شك فيه بأنه بسبب الخلفية التاريخية السيئة لدعوات أو مشاريع الحماية الدولية للأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، تركت إنطباعاً سيئاً وردود سلبية غاضبة تجاه هذه الدعوات والمشاريع سواء من جهات حكومية رسمية أو قوى سياسية أخرى. وجميع هذه الردود الرافضة للحماية الدولية للمسيحيين تستند على أنه تدخل في الشؤون الداخلية وإنتهاك لسيادة الدولة وإعتبار حماية أمن وسلامة مواطنيها من المسيحيين شأناً داخلياً وليس دولياً. ولو حاولنا معرفة الدوافع الحقيقية النفسية والسياسية في رفض الحماية الدولية للمسيحيين من قبل رجال الحكم في الدول العربية التي يُضطهد فيها المسيحيين نرى بأنها نابعة، أولا: من الحساسية المفرطة في موضوع السيادة والمبالغة فيه إلى درجة إنتهاك أبسط حقوق الإنسان. وثانيا: من الترسبات الماضية المتعلقة سواء بمفهوم الإستعمار أو الإحتلال الأجنبي. وثالثاً: تأتي كغطاء لتغطية عجز هذه الحكومات في حماية المسيحيين في أوطانهم وإظهار كأنها فعلاً قادرة على حماية جميع مواطنيها من دون الحاجة إلى حماية خارجية والتي تعتبرها إهانة سياسية تحط من هيبة وكبرياء الحكومة في قدرتها على القيام بأهم واجباتها وهي حماية مواطنيها. فلو أخذنا العراق نرى بأن حكومتها هي نفسها غير قادرة على حماية نفسها وموظفيها فكيف والحال مع حماية المواطنين العادين وخاصة الطرف  الآخر المختلف، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقول المثل. فكيف توفر الحكومة الحماية للمسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة في الوقت الذي لا تسطيع الحكومة وأعضاؤها العيش بحياة طبيعية من غير أن يكونوا محاطين بأسوار بشرية وحواجز كونكريتية تحميهم من نيران الإرهابين والتي هي أيضا غير مجدية في كثير من الأحيان. كما إن عقدة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي مرتبطة بعقلية معظم الماسكين على زمام الحكم في العراق وتتحكم في سلوكهم بشكل سلبي لأنهم جمعيهم لم يتمكنوا من إزاحة النظام الدكتاتوري البعثي في العراق الذي فتك بهم وبالشعب العراقي طيلة أكثر من ثلاثة عقود إلا بالتدخل الخارجي الأمريكي وإسقاط الصنم ومن ثم تربعهم على الحكم في العراق بفعل الدبابات الأمريكية. فهؤلاء يدركون كل الإدراك قابلية التدخل الإجنبي وإحداث التغيير، فخوفاً على أن ينقلب السحر على الساحر فأنهم يرفضون التدخل الخارجي في مسألة حماية المسيحيين.

للحكومة العراقية مشاريع في حماية المسيحيين إلا أنها لا تتجاوز حدود الكلام والتصريحات وردود فعل للمجازر التي أرتكبت بحقهم. صحيح أن هذه المجازر تعتبر كارثة ومصدر للهلع والخوف لكن مثل هذه التصريحات الفارغة والمعالجات العقيمة والأساليب "الدونكوشية" في تناولها للحيلولة دون وقوعها والإستقراء الخاطئ لأسبابها والطروحات الإستهلاكية في معالجتها هي الأكثر هلعاً وخوفاً لأنها بالتأكيد لا تضع اليد على الجرح بل سوف تزيده نزفاً وتدميراً. وطروحات تشكيل مجلس حماية المسيحيين وربطه برئاسة الجمهورية في العراق نموذجاً حديثاً لمعالجة عقيمة ومبتورة في هذا السياق.. فالحكومة العراقية ترفض لا بل تستنكر الحماية الدولية للمسيحيين وتدويل قضيتهم في العراق مؤكدة بأنها سوف تخلق رد فعل وبالتالي ستزيد من إرهاب الأرهابين ضدهم. هذا الإدعاء لم يتأكد أو يثبت بعد ولم ينفذ لحد هذا اليوم أي مشروع في الحماية الدولية للمسيحيين لكي نجزم تزايد الأرهاب ضد المسيحيين، لكن من المؤكد والواضح بأن معظم تصريحات رجال الحكم في القضاء على الأرهاب وحماية المسيحيين هي التي أفرزت ردود فعل قوية لدى الإرهابين وزادوا من أرهابهم إرهاباً ضد المسيحيين ولم يقلُ أو يتوقف عند حدود هذه التصريحات التي هي معروفة  لدى الإرهابين بأنها "كلام فارغ" أكثر مما هي معروفة لدى المواطن العراقي العادي. فالعمليات الإجرامية التي أرتكبها الإرهابيون بحق المسيحيين بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد يثبت ذلك، ودلائل الوضع القائم تشير بأن العمليات الإرهابية ضد المسيحيين ستزيد عنفاً وقوة رغم كثرة تصريحات وإجراءات الحكومة العراقية فيما يخص حماية المسيحيين طالما الحكومة تتنصل عن المعالجات الجذرية للمسألة وقلعها من جذورها. 

نوعية الحماية الدولية للمسيحيين ومسؤولية الحكومات:
يتخوف الكثير من طرح أو قبول موضوع الحماية الدولية للمسيحيين بسبب تصورهم بأن مثل هذه الحماية ستكون عن طريق التدخل العسكري للقضاء على الإرهاب وفرض القوانين والإجراءات الخاصة في حماية المسيحيين. هذا الأسلوب الكولنيالي لم يعد له مكان في عالم اليوم، العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفعل الثورة التقنية في وسائل الإتصالات والإعلام والتأثير متجاوزة كل الحدود السيادية التقليدية، العالم الذي أصبحت الدول فيه ملزمة لا محال منها بلعبة "العولمة" وقوانينها وبعكسه ستصبح خارج اللعبة معزولة ومقيدة بجملة من التشريعات الدولية المتجاوزة للقوانين المحلية. فقبل كل شيء فأن الأسلوب الكولينيالي المرتبط بظاهرة الإستعمار التقليدي لم يعد له وجود في عالم اليوم. كما أن مثل هذا الأسلوب الذي يتطلب التدخل العسكري مرتبط أساساٌ بجملة عوامل جغرافية وديموغرافية. فتمركز الكورد وبكثافة في المنطقة الشمالية سهل أمر حمايتهم دولياً حتى أمنت لهم الحكم الذاتي وبصلاحيات واسعة. في حين نرى بأن مثل هذه العوامل لا تتوفر في وضع المسيحيين العراقيين، فهم منتشرين في مختلف أرجاء العراق وغير متمركزين بكثافة في منطقة معينة يستوجب حمايتها. لذلك فإن موضوع الحماية الدولية بهذا الأسلوب مستبعد نهائياً في المرحلة الحالية مالم يكونوا ديموغرافيا متواجدين في منطقة معينة توفر لهم أولاً الحماية الذاتية وثانياً الحماية الدولية في حالة عجز الحكومة عن توفير مثل هذه الحماية، من هنا تأتي الأهمية المصيرية للمسيحيين في أن يكون لهم منطقة حكم ذاتي وإلا فمصيرهم سيتقرر بالخيارين المهلكين، أما مواجهة الموت على يد الإرهاب أم الهجرة نحو المجهول. 

الحقائق الواقعية أثبت بأن عملية القضاء على الإرهابين بشكل نهائي ومن خلال المواجهة العسكرية المباشرة أمر صعب ما لم يعالج الإرهاب والقضاء عليه من جذوره الذي نشأ منها. فالتصدي للمشاكل والتعقيدات الدينية والفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية ومعالجتها أمر أساسي وأولي في القضاء على الإرهاب أو حصره في حدود ضيقة، وهي من المسؤوليات الإساسية والجوهرية للحكومة. فهناك خيط رفيع يوصل بين، على سبيل المثال لا الحصر، قرار منع بيع الخمور وغلق النوادي الإجتماعية في بغداد وبين مجزرة كنيسة سيدة النجاة والتي جميعها تصب في هدف أسلمة الدولة العراقية. فكيف تستيطع الحكومة العراقية من مكافحة الأرهاب في الوقت الذي هي تهيأ الأجواء لنشؤ وإستمرار هذا الأرهاب الذي له جذور وفروع تكمن في مثل هذا القرار وغيره. فالإرهاب يبدأ من الفكر والقرار وينتهي بالفعل الإجرامي في القتل والتنكيل. من هنا نقول، بأن الحكومة العراقية إن لم تكن قاصدة ومساهمة بشكل أو بآخر في هذا الإرهاب فهي جاهلة في فهم الواقع وفي أسلوب تحمل مسؤولياتها الإساسية في حماية مواطنيها وتحديدا المسيحيين منهم. فهذا القصد أو الجهل ليس بسبب لهث المسؤولين في الحكومة المستمر والمتواصل وراء مصالحهم الطائفية وتكريس كل إمكانيات الحكومة وأجهزتها في حماية هذه المصالح بحيث لم يعد لها وقت وإمكانيات كافية توفرها لحماية مصالح المواطن والوطن بشكل عام، بل أيضاً بسبب إفتقار معظم أعضاء الحكومة العراقية والمتولين لأمور السلطة الرسمية وغير الرسمية إلى خبرات وتجارب سياسية في الحكم والتعامل مع الآخر المختلف، والمختلف بنظر وعقيدة الإسلامي المتطرف، وما أكثرهم في الحكم، لا يعني إلا "الكافر" الذي لا يستوجب العيش والإختلاط معه في دولة الإسلام. من هنا نقول، لو تملكت الحكومة العراقية إمكانيات فكرية منفتحة ومناهج سياسية متمدنة في حل المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي لأمكنت البدء في عملية القضاء على الإرهاب بشكل جدي ومنطقي. أليس الفعل الإجرامي بحق جمعية آشور بانيبال الثقافية في بغداد الذي أرتكبته الأجهزة الأمنية وبمباركة محافظ بغداد شكل من أشكال الإرهاب ويصب في نفس خانة مجزة كنيسة سيدة النجاة؟ فهذه المجزرة ما هي إلا قمة جبل الثلج في الفعل الإجرامي قائم على عدد هائل من القرارات والسلوكيات المتطرفة المتعفة في عقول رجال الحكم والسياسة في العراق.
من هنا نقول وبصريح العبارة بأن التدخل الدولي لحماية المسيحيين يصبح في مثل هذه الظروف أمرُ لا بد منه لتصحيح الأوضاع في العراق وتثبيت حق المسيحيين في البقاء في الوطن والقيام بواجباتهم وممارسة حقوقهم بشكل طبيعي. وعلى القابضين على السلطة في العراق أن يطمئنوا بأن شكل التدخل لن يكون بالتدخل العسكري لإزاحتهم من السلطة بل المطلوب من الدول التي تدعي بالديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان أن تلجاً إلى الوسائل الأخرى في الحماية من إقتصادية وقانونية ودبلوماسية للتأثير على رجال الحكم في العراق بقصد تغيير سلوكهم الإرهابي حتى يتمكنوا من القضاء على الإرهاب الإجرامي وتوفير الحماية للمسيحيين. أي بعبارة أخرى ما لم يزاح  الفكر الإرهابي من عقلية رجال الحكم في العراق لا يمكن أن يقضى على العمل الإرهابي. وأولى هذه الوسائل القانونية في الحماية هو الفرض والضغط على الحكومة العراقية للإلتزام بالتشريعات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية الأقليات القومية والدينية والتي كان العراق ولا يزال طرفاً فيها. وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1977 الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة والذي فرض فيه على الدول التي توجد فيها أقليات إلتزامات بضرورة حماية حقوقها القومية والدينية. وفي عام 1976 دخل هذا العهد حيز التنفيذ وأصبحت له قوة القانون حين صادقت عليه 87 دولة حتى عام 1987 ومنها العراق. وبالنظر لتزايد إنتهاكات حقوق الأقليات في الكثير من البلدان وحرصاً من المجتمع الدولي في توفير الغطاء القانوني لحماية الأقليات القومية والدينية أصدرت الأمم المتحدة في نهاية عام 1992 أعلانها المشهور بهذا الصدد والمعروف بـ "إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" الذي أقر حق الأقليات بتمتع بكافة حقوقها القومية والدينية، لا بل فأن هذا الإعلان ألزم الدول المعنية على تعديل قوانينها بما تضمن هذه الحقوق. صحيح أن لهذه الإعلانات وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس لها قوة قانونية ملزمة للدولة ولكن لها قوة إخلاقية ومعنوية يعكس الإلتزام بها تحضر الدول ورقي أخلاق رجالاتها، ولكن أين الحكومة العراقية من مثل هذه التشريعات الحضارية الإنسانية في الوقت الذي تمارس سياسات وسلوكيات كلها تصب في خانة الأرهاب وتحقق هدف الإرهابين في تفريغ العراق من المسيحيين؟؟ إذا كانت مثل هذه التشريعات ذات مغزى أخلاقي ولا يلتزم بها إلا الذين لهم إخلاقيات ديمقراطية، والحكومة العراقية بعيد كل البعد عن مثل هذه الأخلاقيات فأن الأمر يستوجب اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر واقعية في التأثير على الحكومة العراقية وتغيير سلوكها نحو المسيحيين. ويبدو أن تصريح وزير الخارجية الإيطالي في عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين هو نموذج في الوسائل الفعالة بهذا الشأن ولكن الأمر يبقى دائماً وأبداً في مدى مصلحة هذه الدول الكبرى في تنفيذ مثل هذه التصريحات والقرارت. أفهل يستطيع المسيحييون العراقيون من أن يكون لهم ثقلاً في هذه المصلحة حتى تلجاً حكومات الدول الكبرى إلى حمايتهم؟. في عام 1933 أنتهت مصلحة بريطانيا من إستخدام الآشوريين المسيحيين في تحقيق مشاريعها السياسية في العراق فتركتهم تحت رحمة سيف الحكومة العراقية حينذاك فأرتكبت بحقهم مذبحة سميل في شهر آب 1933. وبعد سبعة عقود، أي في عام 2003 لم يكن للأمريكان مصحلة مع المسيحيين العراقيين فتركوهم تحت رحمة سيف الأرهاب فكانوا أول الخاسرين من سقوط نظام البعث في العراق في الوقت الذي كان الكورد والشيعة أول الرابحين من سقوط هذا النظام... لماذا؟ لأن مصالحهم تطابقت مع مصالح الأمريكان في العراق، واليوم في هذا الزمن الغادر جعل من المسيحيون أن ينظر إليهم كـ "كفار وغرباء" لأنهم يدينون نفس ديانة المحتل في حين أصبح أرهابيو الفكر والممارسة أصحاب الوطن الشرفاء معادين لكل أجنبي وغريب... أليس هذا الزمن غير المعقول الذي قلب الشعب العراقي الأصيل إلى غريب يستوجب طرده؟؟

وأخيرا:
أفهل يدرك السياسيون المسيحييون وأحزابهم وممثليهم هذه الحقائق؟؟؟ نحن قلنا منذ البداية ونستمر القول بأن لنا الثقة بممثلي شعبنا لدى الهيئات الحكومية وبقدراتهم الفكرية والسياسية ولكن لعبة المشاركة السياسية مع أرهابي الفكر المتمثلين في الحكومة العراقية لعبة خاسرة لم يجني شعبنا منها إلا مزيدا من الإرهاب والتقتيل والتهجير وأصبحت كل الوسائل والتصريحات في حماية المسيحيين العراقيين نقمة عليهم. من هنا نعيد ونكرر بأن إستقالة ممثلي شعبنا في البرلمان ومجالس المحافظات والحكومة سيكون فعل يسحب البساط من تحت أقدام الحكومة العراقية التي تستغل مشاركة المسيحيين معها في العملية السياسية لتغيطة فكرها الإرهابي تجاه المسيحيين ولاشك فيه بأن إستقالة ممثلي شعبنا سيترك أثراً على المستوى الدولي لكي تلفت الدول الكبرى المعنية بحقوق الإنسان والأقليات النظر بشكل جدي وعملي في أوضاع المسيحيين العراقيين، حينذاك تكون البداية الأولى لإمكانية فتح باب للحماية الدولية للمسيحيين التي حتماً ستكون نعمة بعد أن أصبح عجز الحكومة العراقية في حمايتهم نقمة عليهم.


غير متصل بولص اﻻشوري‬

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 124
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاستاذ والكاتب الاشوري الرائع, تحياتي لقلمك وفكرك النير في وضع النقاط فوق الحروف السياسية والمذهبية والثقافية التي يتطلبها كل سياسي يعي بالامور السياسية لانقاذ وطنه وشعبه من هذه الماساة التي تشرد وتقتل وتذبح  من قبل قوى التكفير الدولي التي تغللت من خلال العيوب الفكرية والسياسية التي تعيشها الحكومات الضعيفة والفاشلة والمذهبية التي مزقت شعوبها وشردتهم وقسمتهم الى ثلاث ولايات عثمانية وتركت الاخرين تحت رحمة الارهابيين من الداخل او الخارج, ونقولها مع الاسف يوميا نقرأ عشرات من المقالات التي تحاول ان تعالج هذه المشاكل ولكن بدون امل. وقلوبنا وعقولنا تتحسر الى ما وصلت اليه الامور, والحل ..ما العمل؟؟؟ وكيف معالجتهاوالوسائل الى تغييرها:
1-كل احزابنا السياسية العراقية تؤمن بالتغيير ولكنها تنضم الى حكومة المحاصصة الطائفية القذرة التي هي الاول والاخير سبب هذه الماساة.
2-على القوى السياسية التي تؤمن بحكومة مدنية ان لا تشارك في اي حكومةطائفية مهما كانت الاسباب.
3- وعلى الاحزاب الكردية والمسيحية ايضا الخروج من هذه الحكومات لانها تسيء الى سمعتها السياسية والفكرية.
4-تشكيل جبهة وطنية تضم كل الاحزاب التي تؤمن بالمدنية ولها منهاجها السياسي والفكري لمستقبل العراق الجديد.
5-فضح بالوثائق لادانة مثل هذه الحكومات الطائفية التي دمرت العراق منذ الاحتلال الامريكي القذر الذي عمد اليها لضرب العراقيين بعضهم ببعض كما يحدث الان.
6- نشر على الملا الوثائق التي تفضح رجال السياسة السارقين لقوت الشعب مهما كانت هويتهم ومكانتهم السياسية في الدولة الفاشلة.
7-العمل على تقديم رجال السياسة البارزين مثل المالكي والنجيفي وغيرهم الى المحاكم الدولية لانهم السبب الرئيسي لتدهور السياسي والاقتصادي وهم الذين فتحوا ابواب الموصل لدخول الارهابيين اليها وايضا مفارز بيشماركه الذين تركوا شعبنا الاعزل للذئاب القادمة..
8- على الحكومة الجديدة الاستفادة من تجارب الدول الاوروبية التي وصلت الى هذه المرحلة من التقدم والنجاح لتشكيل حكومات مدنية وتفصل الدين عن السياسة والثقافة والحرية العامة لا تفرق بين شعوبها من حيث الدين والقومية والمذهب والحرية العامة التي تكفل لهم حياة سعيدة بشرط ايمانهم بالروح الوطنية العامة.
9- اعادة تشكيل الجيش العراقي على مبدأ الوطنية واعادة التجنيد العام لكل العراقيين  بدون تفرقة, وعدم تدخلهم بالسياسة والدين او المذهب, وتجربة الموصل اكبر برهان الى ذلك.
10-اما بالنسبة لشعبنا الاشوري المسيحيي يمكن تجميعه في منطقة واحدة وهو سهل نينوى ويكون تحت الحماية الدولية وتشكيل محافظة او اقليم   وتشكيل الحرس الوطني من ابناء وبنات شعبنا وتسليحهم بالمعدات العسكرية للدفاع عن حدودهم عند تعرضها لاي عدوان خارجي من قبل الاصدقاء اولا ومن ثم الاعداء ثانيا كما اشترطت ذلك الوثائق المبرمة بين تركيا والحكومة البريطانية عندما احتلت تركيا ولاية هكاري الاشورية وتركت الموصل للعراق لكي تكون اقليما اشوريا لكل المسيحيين في المنطقة.
واخيرا انا اؤمن بان مشاكل العراق لن تحل ابدا الا بتشكيل حكومات مدنية او انتفاضة شعبية من قبل الشعب العراقي كما حدث ذلك في دولة المصر الشقيقة التي قبرت والى الابد احلام الاخوان الاسلام السياسي قبل ان يتطور الى اخطبوط سياسي ...

غير متصل هنري سـركيس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 274
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاستاذ القدير ابرم دواد شبيرا المحترم
تحية طيبة وبعد
احييكم على ما تطرقتم اليه في مقالكم القيم والرائع وتوضيحكم المستنيرة للكثير من النقاط والمفاهيم التي تجاهلها البعض.
كما هو معلوم للمتابع، ان مسؤولية الدولة والحكومات الى حماية مواطنيها ضد من كل انواع الاضطهاد والجرائم ضد الانسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوقهم. اما اذا واجهت الدولة صعوبات في توفير الحماية لمواطنيها بسبب العجز او ضعف الامكانيات او غيرها، فان المسؤولية في الحماية تتحول إلى المجتمع الدولي الذي تقع على عاتقه مسؤولية توفير الحماية للمدنيين بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك التدخل العسكري المباشر وتوفير مناطق امنة ومحمية. ولكن  يعترض البعض على هذه النظرية مستندين على مبدا هام من مبادئ القانون الدولي وهو مبدا السيادة الكاملة والمتساوية لكل دولة من دول العالم على اراضيها ومواطنيها، وعلى مبدا عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، كما يتخوفون من ان يساء استخدام المبدا بحيث يصبح ذريعة للتدخل في بعض الحالات دون اخرى وربما العمل على تغيير نظام او اخر تحت حجة مسئولية الحماية خاصة وان الحدود هلامية جدا في العديد من القراءات لاوضاع التدخل الفعلية. ونتيجة للمتغيرات الجذرية التي حدثت في محيط العلاقات الدولية في مطلع عقد التسعينات برزت في السياسة الدولية مفاهيم و مصطلحات جديدة تنسجم و تتوافق مع ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، و من بين هذه المصطلحات، مبدا التدخل، و الذي يستند الى منطلقات فكرية و سياسية غربية و التي تعتبر الديمقراطية و حقوق الانسان مصادرها الاساسية متجاوزة بذلك مبدا السيادة الوطنية للدول المتدخل فيها باعتبارها شخصا رئيسيا في القانون الدولي، فلم يعد بذلك مبدا السيادة المطلقة و الخاصة للدول قائما، و لذلك وجب اعادة التفكير و بجدية في مسالة السيادة ليس من اجل اضعاف جوهرها الذي له اهمية حاسمة في الامن و التعاون الدوليين، و انما بقصد الاقرار بانه من الممكن ان تتخذ مسالة السيادة اكثر من شكل و ان تؤدي اكثر من وظيفة، و مثل هذه الرؤية يمكن ان تساعد على حل المشاكل سواء بين الدول او داخل الدولة الواحدة، لانه لا يمكن ان نتجاهل حقوق الافراد و الشعوب التي تستند الى ابعاد من السيادة العالمية و التي هي ملكية للبشرية عامة، و هذه النظرة و هذا التطور الحاصل في مبدا السيادة كان دافعا لترويج مفهوم التدخل الانساني و الحجة كانت حماية الاقليات القومية الصغيرة. التي تتعرض  لانتهاكات في حقوقها ومعيشتها من قبل الانظمة السياسية المستبدة. اذن  حقوق الاقليات في ضوء القانون الدولي يتناول المسالة كواحدة من المسائل التي ارقت ضمير الانسانية قرونا طويلة، ومع انشاء عدد كبير من اللجان والاعلانات والاتفاقيات التي عملت على تطبيق مبادئ لتعزيز وحماية حقوق الاشخاص المنتمين الى اقليات والحد من الانتهاكات التي تفاقمت مع فشل القوانين الوطنية في التعاطي مع المسالة بشكل عام، وحتى فشل الامم المتحدة، والذي لم يحل دون نهوض منظمات دولية اقليمية بدور رائد ومميز في هذا المجال. . ففي هذه الازمات التي يمر بها الوطن، وايضا ضعف المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة التي تنخرها الفساد بكل اشكاله، ادت الى عدم  حماية الاقليات القومية والتضامن معها في اوقات الشدة. فالتالي فان الملاذ الاخير والوحيد يبقى الرجوع الى مؤسسات دولية ضمانا ماديا ونفسيا وشعورا بالامان والحماية امام عجز الدولة عن توفيرها. وفي كل الاحوال لا يمكن لاحد بان يحكم على الاقليات القومية، حكما سلبيا فان دخولها معترك السياسة قد يساهم في بلورة فكر سياسي متعدد قائم على احترام الخصوصيات والتنوع الثقافي داخل الوطن في مرحلته الانتقالية شريطة ان لا ينتج خطاب القوميات الكبيرة  ايديولوجيا عنصرية حاقدة ضد الاقليات القومية الصغيرة.. فلا يمكن لاي مجتمع ديمقراطي ان يتاسس على فكر احادي يرى في كل خصوصية محلية او اقلية  قومية تهديدا لوحدته وانسجامه، لان نموذج بعض دول شرق اوسطية هي نموذج الدولة اليعقوبية المركزية التي ترغب باسلوب او باخر الالتفاف بما يخص اعطاء الاقليات القومية حقوقها ، وهو نموذج ورثته هذه الدول من الفترة الاستعمارية او انتجه نظامها الاستبدادي. واخيرا اقول ان الاساليب الرخيصة والخطابات الفضفاضة والمناورات السياسية، التي يلجا اليوم اليها بعض ساستنا لاغراء شعبنا  بوعود كاذبة وذلك ظاهريا من اجل مصالح شعبهم، وعلميا من اجل مصالحهم الخاصة والوصول الى مقاعد منصبية لا اكثر. هذه الديماغوجية اذا صح التعبير هي مواقف شخصية يقوم بها بعض ساستنا على الاطراء او حتى التملق من اجل كسب عواطف ومشاعر ابناء شعبهم بهدف الحصول على تاييد ودعم جماهيري لا اكثر. وعلينا نحن اليوم بان نتحرك بانفسنا لنتولى زمام امر قضيتنا القومية، بحيث لا نصبح امام الخيار بين  قبضة  الذئب الحكومي او قبضة اسد خارجي. وتقبل مني كل الود والتقدير
اخوكم
هنري سركيس