الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟
====================================
أبرم شبيراتوطئة: يؤسفي القول بأن الكثير من أبناء شعبنا وفي مقدمتهم بعض من قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية بعيدين عن فهم السياسة ورسم إستراتيجية لمعالجة أمور شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" وتقدير أبعادها المستقبلية ووضع الحلول المناسبة لها في حالة وقوع الكوارث والفواجع. ففي اللغة الإنكليزية مصطلح يعرف بـ (Contingency Plan) أي خطة للطوارئ والأمور غير المنتظرة للأحوال المضطربة أو المتوقع إضطرابها، وهل هناك حالة مضطربة أو متوقع إضطرابها أكثر فأكثر من أحوال شعبنا المسيحي في العراق والذي يتطلبه مثل هذه الخطة؟؟؟ يعيش الإنسان عشرات السنين وقد يصل عمره إلى مائة سنة، أما الأمم والدول فتعيش مئات بل ألاف السنيين. على هذا الأساس نقول بأن خطة معالجة أمور الإنسان أو شخص تختلف كلياً في أبعادها ومنظورها المستقبلي عن خطة معالجة أمور الأمم والدول. فأهداف الشخص قد تتحق في سنة أو بضعة سنيين ولكن تحقيق أهداف الأمة والدول يتطلبها فترات زمنية أكثر بكثير. فالأسف الأكبر هو أن معظم، إن لم يكن جميع، سياسات مجتمعنا هي قصيرة الأجل، فإما تكون لتحقيق أهداف تتلخص في المنفعة الشخصية والمصالح الخاصة للذين يمثلون شعبنا أو تكون بعد أن "يقع الفأس على الرأس" والذي شرحنا عنها في موضوع سابق، ولا نجد سياسات إستراتيجية في تخمين أو توقع الأمور المستقبلية ورسم خطة طارئة لها عند وقوعها، وهذا ما نشاهده اليوم في تخبط قادة وزعماء أمتنا في معالجة المأساة التي يتعرض لها شعبنا في الحاضر القائم من دون أن يكون لهم أية خطة طوارئ قائمة على دراسة الوقائع والتوقعات الممكنة أن تحدث في المستقبل لذلك جاءت هذه المأساة كفاجعة صاعقة وقعت على أبناء شعبنا. هذا الموضوع الذي نعيد نشره، كتبناه في بداية عام 2011 عندما كان شعبنا المسيحي يُضطهد ويُطرد من مدينة الموصول وكنًا نتوقع الأسوء على أيادي متطرفة قذرة في نفس المدينة شكلت مدخلاً سهلاً لدخول داعش المجرمة للمدينة وإحتلالها. وفي حينها ذكرنا بأنه ليس للمسيحيين أمان في العراق غير الحماية الدولية. لذا أرجو من القارئ اللبيب أن يقرأ الموضوع في سياقه الزمني وقبل وقوع الأحداث الأخيرة الناجمة من أحتلال داعش المجرمة لأراضي واسعة من العراق وتشريد شعبنا وبالتالي تصاعد نداءات الحماية الدولية للمسيحيين وتوفير منطقة آمنة لهم... وهنا نعود ونقول مرة أخرى "منو يسمع منو يقرأ" فنزيد عليه ونقول أيضا "منو يعمل"... وحتى أن عملوا فالفائدة المرجوة من هذا العمل ستكون قليلة بعد أن خسر شعبنا الكثير الكثير، ليس في سلب بيته وأثاثه وإنما وطنه أيضا.
أسئلة معقولة في زمن غير معقول:
بعد أن فقد المسيحيون في العراق الأمن والسلام والإستقرار، وبعد أن عجزت الحكومة العراقية وأي جهة أخرى من توفير الحماية اللازمة والضامنة لإستمرار حياتهم في العراق بشكل طبيعي تطرح اليوم أسئلة تصبح في الزمن غير المعقول أسئلة معقولة لا بل مقبولة أيضاً. هذا الزمن غير المعقول الذي يصبح فيه أبن الوطن الأصيل غريباً ومنبوذاً... هذا الزمن غير المعقول الذي جعل من أغنى بلد بالبترول في العالم أن يقف أبناؤه ساعات طوال وفي طوابير طويلة من أجل الحصول على بضعة ليترات من البترول ... هذا الزمن غير المعقول الذي يجعل أبناء البلد ذو النهرين العظيمين عطاشا، هذا الزمن الذي جعل من أبناءه ألأصلاء محشورين في معضلة الخيار بين شرين أحلاهم مُر ... هذا الزمن الذي دفعنا أن نبحث في موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقين ونتساءل فيما إذا سيكون ذلك نعمة عليهم تسترد أمنهم وسلامتهم في وطنهم الأم أم سيثير ذلك هيجان وغضب الحكومة العراقية والقوى السياسية الأخرى ويزيد الإرهابيون إرهاباً وقتلاً بالمسيحيين في العراق وتصبح نقمة عليهم؟ أسئلة وأسئلة فرضت علينا الظروف الحالية أن تطرح وتناقش في هذا الزمن غير المعقول.
معضلة المسيحيين العراقيين:
المعظلة، وبالإنكليزية (Dilemma) تعني إكراه الشخص على إختيار واحد من خيارين وكلاهما صعب وفي غير مصلحته، أو كما يقال أحلاهم مُر. فمعضلة المسيحيين العراقيين في هذه الأيام هي إنجبارهم على مواجه خيارين لا يكفي أن نصف أي منهما بالصعب بل بالمهلك. فأمامهم أما خيار البقاء على أرض الوطن وتحمل الإرهاب ونتائجه المدمرة أو الهجرة إلى المجهول. يقال بأن ما يدفع المرء إلى المُر هو الأمرُ منه. تفيد كل الإحصائيات الدولية والأقليمية والمحلية لا بل حتى الواقع الفعلي لوجود المسيحيين في العراق بأنه في تناقص شديد ومثير للقلق والمخاوف. هذا الواقع الذي لا يعني إلا إختيار المسيحيين لخيار الهجرة رغم مرارته، خاصة في الظروف الحالية الصعبة، ليظهر بأنه أقل مرارة من مواجهة نتائج الإرهاب المدمرة والفانية للحياة، فحال المقتلعين والمطرودين من بيوتهم في المناطق الجنوبية والوسطى والموصل والإحتماء في المنطقة الشمالية، كما وإن المهجرين إلى تركيا وسوريا والأردن والدول الغربية كلها حقائق واقعية تثبت ما ذهبنا إليه. من هنا يمكن القول بأن إختيار مسلك الهجرة في الظروف المأساوية التي تسحق المسيحيين في العراق سحقاً يصبح أمراً غير مستغرباً في ظل غياب الأمن والسلام والإستقرار. فالعيش بأمن وسلام هما سُنة حياة الإنسان، وهي السُنة التي تدفع بالإنسان للبحث واللجوء إلى أي مكان من العالم يوفر له عناصر البقاء والعيش. لذا يمكن القول بأن المكان الذي يستطيع أن يوفر الأمن والسلام للإنسان يصبح هو الوطن بالنسبة له. أما المكان أو الوطن الذي لا يستطيع أن يوفر لأبناءه مثل هذه العناصر في العيش فأن مسألة الإنتماء إلى أرض الأباء والأجداد تتراخى تدريجياً وبمرور الزمن تفقد أهميتها في ظل ظروف الإرهاب والقتل والتشريد. قيل أن تكون غريباً في أرض غريبة هو أمراً طبيعياً أما أن تكون غريبا في وطنك ومرفوضاً فهو أمراً شاذاً وغير طبيعي.
وبينما هجرة المسيحيين لوطنهم في تصاعد مستمر، نرى على الجانب الآخر بأنه لا توجد أية جهة سواء أكانت عراقية حكومية أم مدنية ، مسيحية أم غير مسيحية، دولية أم إقليمية تؤيد هجرة المسيحيين من العراق بشكل علني وفصيح، رغم وجود مؤامرات وخطط إرهابية تسعى إلى تفريغ العراق من المسحيين سواء قتلاً أو تهجيراً لغرض إقامة الدولة الإسلامية، مثلما كان يفعل العثمانيون بالمسيحيين قبيل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. من هنا نقول طالما الحكومة العراقية لا تستطيع توفير الحماية اللازمة للمسيحيين من جهة وترفض، على الأقل بالكلام والتصريحات، هجرتهم إلى أماكن أكثر أمناً وإستقراراً من جهة أخرى، إذن موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين أو تدويل قضيتهم تصبح مسألة مشروعة للطرح والمناقشة.
دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين:
أكتسب موضوع الحماية الدولية أو الأجنبية للأقليات في بلدان الشرق الأوسط وتحديداً المسيحيين منهم سمعة تاريخية سيئة للغاية وذلك بسبب إستغلال هذا الموضوع من قبل الدول الكبرى كحجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولإغراض تحقيق مصالحهم الخاصة ومطامعهم الإستعمارية. فقبيل الحرب الكونية الأولى أستغلت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية هذا الموضوع كمعبر للتدخل في شؤون الدول العثمانية حتى تمكنوا من تفتيتها وتحقيق مطامعهم الإستعمارية من دون أن يتحقق للأقليات المسيحية من أتباع هذه الإمبراطورية شيء يضمن لهم أمنهم وإستقلاهم، بإستثناء قليل في لبنان. ويعتبر إستغلال بريطانيا للمسألة الآشورية في العراقية بعد الحرب العالمية الأولى نموذجاً واضحاً في هذا السياق، فأرشيف دائرة الوثائق العامة البريطانية في لندن زاخر بوثائق ومراسلات وتصريحات تخص موضوع حماية الآشوريين المسيحيين وضمان حقوقهم وتحقيق مطالبهم غير أنهم لم يحصلوا من كل هذه الضمانات الورقية في حمايتهم إلا مزيدا من المأساة والمعاناة.
واليوم وفي ظل الظروف المأساوية التي يعانيها المسيحيون في العراق، خاصة بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وما أعقبلها من هجموم على بيوت المسيحيين وقتل أعداد منهم، تطرح بعض دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين من جهات غير رسمية يشوبها نوع من الخشية والخجل ولكن أكثر هذه الدعوات صراحة ووضوحاً كانت الرسالة المشتركة التي وجهتها كل من أيطاليا وفرنسا وبولندا والمجر بتاريخ 08.01.2011 إلى السيدة كاثرين أشتون الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي تطالب فيها بإدراج مسألة إضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط في جدول أعمال قمة مجلس وزراء الإتحاد الأوروبي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري، مؤكدين بأن الإتحاد الأوربي لا يمكن أن يبقى غير مبال بما حدث في الأشهر القليلة الماضية وإن إجراءات ملموسة يجب أن تتخذ بشأن حماية المسيحيين في العراق ومصر. لا بل كان وزير الخارجية الإيطالي أكثر وضوحاً عندما ذكر بأنه يجب عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين. ثم جاءت دعوة بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط والتي أثارت غضب وهيجان جهات عربية عديدة منها مصر التي أستدعت سفيرها في الفاتيكان للحضور إلى مصر إحتجاجاً على تصريحات البابا.
عجز الحكومات ورد الفعل تجاه الحماية الدولية:
لا شك فيه بأنه بسبب الخلفية التاريخية السيئة لدعوات أو مشاريع الحماية الدولية للأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، تركت إنطباعاً سيئاً وردود سلبية غاضبة تجاه هذه الدعوات والمشاريع سواء من جهات حكومية رسمية أو قوى سياسية أخرى. وجميع هذه الردود الرافضة للحماية الدولية للمسيحيين تستند على أنه تدخل في الشؤون الداخلية وإنتهاك لسيادة الدولة وإعتبار حماية أمن وسلامة مواطنيها من المسيحيين شأناً داخلياً وليس دولياً. ولو حاولنا معرفة الدوافع الحقيقية النفسية والسياسية في رفض الحماية الدولية للمسيحيين من قبل رجال الحكم في الدول العربية التي يُضطهد فيها المسيحيين نرى بأنها نابعة، أولا: من الحساسية المفرطة في موضوع السيادة والمبالغة فيه إلى درجة إنتهاك أبسط حقوق الإنسان. وثانيا: من الترسبات الماضية المتعلقة سواء بمفهوم الإستعمار أو الإحتلال الأجنبي. وثالثاً: تأتي كغطاء لتغطية عجز هذه الحكومات في حماية المسيحيين في أوطانهم وإظهار كأنها فعلاً قادرة على حماية جميع مواطنيها من دون الحاجة إلى حماية خارجية والتي تعتبرها إهانة سياسية تحط من هيبة وكبرياء الحكومة في قدرتها على القيام بأهم واجباتها وهي حماية مواطنيها. فلو أخذنا العراق نرى بأن حكومتها هي نفسها غير قادرة على حماية نفسها وموظفيها فكيف والحال مع حماية المواطنين العادين وخاصة الطرف الآخر المختلف، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقول المثل. فكيف توفر الحكومة الحماية للمسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة في الوقت الذي لا تسطيع الحكومة وأعضاؤها العيش بحياة طبيعية من غير أن يكونوا محاطين بأسوار بشرية وحواجز كونكريتية تحميهم من نيران الإرهابين والتي هي أيضا غير مجدية في كثير من الأحيان. كما إن عقدة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي مرتبطة بعقلية معظم الماسكين على زمام الحكم في العراق وتتحكم في سلوكهم بشكل سلبي لأنهم جمعيهم لم يتمكنوا من إزاحة النظام الدكتاتوري البعثي في العراق الذي فتك بهم وبالشعب العراقي طيلة أكثر من ثلاثة عقود إلا بالتدخل الخارجي الأمريكي وإسقاط الصنم ومن ثم تربعهم على الحكم في العراق بفعل الدبابات الأمريكية. فهؤلاء يدركون كل الإدراك قابلية التدخل الإجنبي وإحداث التغيير، فخوفاً على أن ينقلب السحر على الساحر فأنهم يرفضون التدخل الخارجي في مسألة حماية المسيحيين.
للحكومة العراقية مشاريع في حماية المسيحيين إلا أنها لا تتجاوز حدود الكلام والتصريحات وردود فعل للمجازر التي أرتكبت بحقهم. صحيح أن هذه المجازر تعتبر كارثة ومصدر للهلع والخوف لكن مثل هذه التصريحات الفارغة والمعالجات العقيمة والأساليب "الدونكوشية" في تناولها للحيلولة دون وقوعها والإستقراء الخاطئ لأسبابها والطروحات الإستهلاكية في معالجتها هي الأكثر هلعاً وخوفاً لأنها بالتأكيد لا تضع اليد على الجرح بل سوف تزيده نزفاً وتدميراً. وطروحات تشكيل مجلس حماية المسيحيين وربطه برئاسة الجمهورية في العراق نموذجاً حديثاً لمعالجة عقيمة ومبتورة في هذا السياق.. فالحكومة العراقية ترفض لا بل تستنكر الحماية الدولية للمسيحيين وتدويل قضيتهم في العراق مؤكدة بأنها سوف تخلق رد فعل وبالتالي ستزيد من إرهاب الأرهابين ضدهم. هذا الإدعاء لم يتأكد أو يثبت بعد ولم ينفذ لحد هذا اليوم أي مشروع في الحماية الدولية للمسيحيين لكي نجزم تزايد الأرهاب ضد المسيحيين، لكن من المؤكد والواضح بأن معظم تصريحات رجال الحكم في القضاء على الأرهاب وحماية المسيحيين هي التي أفرزت ردود فعل قوية لدى الإرهابين وزادوا من أرهابهم إرهاباً ضد المسيحيين ولم يقلُ أو يتوقف عند حدود هذه التصريحات التي هي معروفة لدى الإرهابين بأنها "كلام فارغ" أكثر مما هي معروفة لدى المواطن العراقي العادي. فالعمليات الإجرامية التي أرتكبها الإرهابيون بحق المسيحيين بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد يثبت ذلك، ودلائل الوضع القائم تشير بأن العمليات الإرهابية ضد المسيحيين ستزيد عنفاً وقوة رغم كثرة تصريحات وإجراءات الحكومة العراقية فيما يخص حماية المسيحيين طالما الحكومة تتنصل عن المعالجات الجذرية للمسألة وقلعها من جذورها.
نوعية الحماية الدولية للمسيحيين ومسؤولية الحكومات:
يتخوف الكثير من طرح أو قبول موضوع الحماية الدولية للمسيحيين بسبب تصورهم بأن مثل هذه الحماية ستكون عن طريق التدخل العسكري للقضاء على الإرهاب وفرض القوانين والإجراءات الخاصة في حماية المسيحيين. هذا الأسلوب الكولنيالي لم يعد له مكان في عالم اليوم، العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفعل الثورة التقنية في وسائل الإتصالات والإعلام والتأثير متجاوزة كل الحدود السيادية التقليدية، العالم الذي أصبحت الدول فيه ملزمة لا محال منها بلعبة "العولمة" وقوانينها وبعكسه ستصبح خارج اللعبة معزولة ومقيدة بجملة من التشريعات الدولية المتجاوزة للقوانين المحلية. فقبل كل شيء فأن الأسلوب الكولينيالي المرتبط بظاهرة الإستعمار التقليدي لم يعد له وجود في عالم اليوم. كما أن مثل هذا الأسلوب الذي يتطلب التدخل العسكري مرتبط أساساٌ بجملة عوامل جغرافية وديموغرافية. فتمركز الكورد وبكثافة في المنطقة الشمالية سهل أمر حمايتهم دولياً حتى أمنت لهم الحكم الذاتي وبصلاحيات واسعة. في حين نرى بأن مثل هذه العوامل لا تتوفر في وضع المسيحيين العراقيين، فهم منتشرين في مختلف أرجاء العراق وغير متمركزين بكثافة في منطقة معينة يستوجب حمايتها. لذلك فإن موضوع الحماية الدولية بهذا الأسلوب مستبعد نهائياً في المرحلة الحالية مالم يكونوا ديموغرافيا متواجدين في منطقة معينة توفر لهم أولاً الحماية الذاتية وثانياً الحماية الدولية في حالة عجز الحكومة عن توفير مثل هذه الحماية، من هنا تأتي الأهمية المصيرية للمسيحيين في أن يكون لهم منطقة حكم ذاتي وإلا فمصيرهم سيتقرر بالخيارين المهلكين، أما مواجهة الموت على يد الإرهاب أم الهجرة نحو المجهول.
الحقائق الواقعية أثبت بأن عملية القضاء على الإرهابين بشكل نهائي ومن خلال المواجهة العسكرية المباشرة أمر صعب ما لم يعالج الإرهاب والقضاء عليه من جذوره الذي نشأ منها. فالتصدي للمشاكل والتعقيدات الدينية والفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية ومعالجتها أمر أساسي وأولي في القضاء على الإرهاب أو حصره في حدود ضيقة، وهي من المسؤوليات الإساسية والجوهرية للحكومة. فهناك خيط رفيع يوصل بين، على سبيل المثال لا الحصر، قرار منع بيع الخمور وغلق النوادي الإجتماعية في بغداد وبين مجزرة كنيسة سيدة النجاة والتي جميعها تصب في هدف أسلمة الدولة العراقية. فكيف تستيطع الحكومة العراقية من مكافحة الأرهاب في الوقت الذي هي تهيأ الأجواء لنشؤ وإستمرار هذا الأرهاب الذي له جذور وفروع تكمن في مثل هذا القرار وغيره. فالإرهاب يبدأ من الفكر والقرار وينتهي بالفعل الإجرامي في القتل والتنكيل. من هنا نقول، بأن الحكومة العراقية إن لم تكن قاصدة ومساهمة بشكل أو بآخر في هذا الإرهاب فهي جاهلة في فهم الواقع وفي أسلوب تحمل مسؤولياتها الإساسية في حماية مواطنيها وتحديدا المسيحيين منهم. فهذا القصد أو الجهل ليس بسبب لهث المسؤولين في الحكومة المستمر والمتواصل وراء مصالحهم الطائفية وتكريس كل إمكانيات الحكومة وأجهزتها في حماية هذه المصالح بحيث لم يعد لها وقت وإمكانيات كافية توفرها لحماية مصالح المواطن والوطن بشكل عام، بل أيضاً بسبب إفتقار معظم أعضاء الحكومة العراقية والمتولين لأمور السلطة الرسمية وغير الرسمية إلى خبرات وتجارب سياسية في الحكم والتعامل مع الآخر المختلف، والمختلف بنظر وعقيدة الإسلامي المتطرف، وما أكثرهم في الحكم، لا يعني إلا "الكافر" الذي لا يستوجب العيش والإختلاط معه في دولة الإسلام. من هنا نقول، لو تملكت الحكومة العراقية إمكانيات فكرية منفتحة ومناهج سياسية متمدنة في حل المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي لأمكنت البدء في عملية القضاء على الإرهاب بشكل جدي ومنطقي. أليس الفعل الإجرامي بحق جمعية آشور بانيبال الثقافية في بغداد الذي أرتكبته الأجهزة الأمنية وبمباركة محافظ بغداد شكل من أشكال الإرهاب ويصب في نفس خانة مجزة كنيسة سيدة النجاة؟ فهذه المجزرة ما هي إلا قمة جبل الثلج في الفعل الإجرامي قائم على عدد هائل من القرارات والسلوكيات المتطرفة المتعفة في عقول رجال الحكم والسياسة في العراق.
من هنا نقول وبصريح العبارة بأن التدخل الدولي لحماية المسيحيين يصبح في مثل هذه الظروف أمرُ لا بد منه لتصحيح الأوضاع في العراق وتثبيت حق المسيحيين في البقاء في الوطن والقيام بواجباتهم وممارسة حقوقهم بشكل طبيعي. وعلى القابضين على السلطة في العراق أن يطمئنوا بأن شكل التدخل لن يكون بالتدخل العسكري لإزاحتهم من السلطة بل المطلوب من الدول التي تدعي بالديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان أن تلجاً إلى الوسائل الأخرى في الحماية من إقتصادية وقانونية ودبلوماسية للتأثير على رجال الحكم في العراق بقصد تغيير سلوكهم الإرهابي حتى يتمكنوا من القضاء على الإرهاب الإجرامي وتوفير الحماية للمسيحيين. أي بعبارة أخرى ما لم يزاح الفكر الإرهابي من عقلية رجال الحكم في العراق لا يمكن أن يقضى على العمل الإرهابي. وأولى هذه الوسائل القانونية في الحماية هو الفرض والضغط على الحكومة العراقية للإلتزام بالتشريعات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية الأقليات القومية والدينية والتي كان العراق ولا يزال طرفاً فيها. وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1977 الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة والذي فرض فيه على الدول التي توجد فيها أقليات إلتزامات بضرورة حماية حقوقها القومية والدينية. وفي عام 1976 دخل هذا العهد حيز التنفيذ وأصبحت له قوة القانون حين صادقت عليه 87 دولة حتى عام 1987 ومنها العراق. وبالنظر لتزايد إنتهاكات حقوق الأقليات في الكثير من البلدان وحرصاً من المجتمع الدولي في توفير الغطاء القانوني لحماية الأقليات القومية والدينية أصدرت الأمم المتحدة في نهاية عام 1992 أعلانها المشهور بهذا الصدد والمعروف بـ "إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" الذي أقر حق الأقليات بتمتع بكافة حقوقها القومية والدينية، لا بل فأن هذا الإعلان ألزم الدول المعنية على تعديل قوانينها بما تضمن هذه الحقوق. صحيح أن لهذه الإعلانات وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس لها قوة قانونية ملزمة للدولة ولكن لها قوة إخلاقية ومعنوية يعكس الإلتزام بها تحضر الدول ورقي أخلاق رجالاتها، ولكن أين الحكومة العراقية من مثل هذه التشريعات الحضارية الإنسانية في الوقت الذي تمارس سياسات وسلوكيات كلها تصب في خانة الأرهاب وتحقق هدف الإرهابين في تفريغ العراق من المسيحيين؟؟ إذا كانت مثل هذه التشريعات ذات مغزى أخلاقي ولا يلتزم بها إلا الذين لهم إخلاقيات ديمقراطية، والحكومة العراقية بعيد كل البعد عن مثل هذه الأخلاقيات فأن الأمر يستوجب اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر واقعية في التأثير على الحكومة العراقية وتغيير سلوكها نحو المسيحيين. ويبدو أن تصريح وزير الخارجية الإيطالي في عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين هو نموذج في الوسائل الفعالة بهذا الشأن ولكن الأمر يبقى دائماً وأبداً في مدى مصلحة هذه الدول الكبرى في تنفيذ مثل هذه التصريحات والقرارت. أفهل يستطيع المسيحييون العراقيون من أن يكون لهم ثقلاً في هذه المصلحة حتى تلجاً حكومات الدول الكبرى إلى حمايتهم؟. في عام 1933 أنتهت مصلحة بريطانيا من إستخدام الآشوريين المسيحيين في تحقيق مشاريعها السياسية في العراق فتركتهم تحت رحمة سيف الحكومة العراقية حينذاك فأرتكبت بحقهم مذبحة سميل في شهر آب 1933. وبعد سبعة عقود، أي في عام 2003 لم يكن للأمريكان مصحلة مع المسيحيين العراقيين فتركوهم تحت رحمة سيف الأرهاب فكانوا أول الخاسرين من سقوط نظام البعث في العراق في الوقت الذي كان الكورد والشيعة أول الرابحين من سقوط هذا النظام... لماذا؟ لأن مصالحهم تطابقت مع مصالح الأمريكان في العراق، واليوم في هذا الزمن الغادر جعل من المسيحيون أن ينظر إليهم كـ "كفار وغرباء" لأنهم يدينون نفس ديانة المحتل في حين أصبح أرهابيو الفكر والممارسة أصحاب الوطن الشرفاء معادين لكل أجنبي وغريب... أليس هذا الزمن غير المعقول الذي قلب الشعب العراقي الأصيل إلى غريب يستوجب طرده؟؟
وأخيرا:
أفهل يدرك السياسيون المسيحييون وأحزابهم وممثليهم هذه الحقائق؟؟؟ نحن قلنا منذ البداية ونستمر القول بأن لنا الثقة بممثلي شعبنا لدى الهيئات الحكومية وبقدراتهم الفكرية والسياسية ولكن لعبة المشاركة السياسية مع أرهابي الفكر المتمثلين في الحكومة العراقية لعبة خاسرة لم يجني شعبنا منها إلا مزيدا من الإرهاب والتقتيل والتهجير وأصبحت كل الوسائل والتصريحات في حماية المسيحيين العراقيين نقمة عليهم. من هنا نعيد ونكرر بأن إستقالة ممثلي شعبنا في البرلمان ومجالس المحافظات والحكومة سيكون فعل يسحب البساط من تحت أقدام الحكومة العراقية التي تستغل مشاركة المسيحيين معها في العملية السياسية لتغيطة فكرها الإرهابي تجاه المسيحيين ولاشك فيه بأن إستقالة ممثلي شعبنا سيترك أثراً على المستوى الدولي لكي تلفت الدول الكبرى المعنية بحقوق الإنسان والأقليات النظر بشكل جدي وعملي في أوضاع المسيحيين العراقيين، حينذاك تكون البداية الأولى لإمكانية فتح باب للحماية الدولية للمسيحيين التي حتماً ستكون نعمة بعد أن أصبح عجز الحكومة العراقية في حمايتهم نقمة عليهم.