مَعنى وَصفي لِشَهوة الإنسان لفَرض سَيطَرَتِه وهَيمَنَتِه على مَجموعة مِن الأفراد بِتَقيد حُريَتِهم وإلزامِهم بتَبَني مُعتقدات وافكار مُختلفة عن التي يَحملونها، لهذا قَد يَصف البعض هذا المُصطلح أقرب للتَنافُس مِنهُ إلى التَعاون.
ووَصفَ الفيلسوف اللاعنفي (جان ماري مولِّر)
السُلطان: الذي يتمتع به الحَكيم، مَهما كانت قوة مَرجعيته، لا يَمنحه أيةَ سلطة، ولا يجوز إكراهُ أحد أو إجبارُه على اتِّباع نصائحه بالمثل، فإن سلطان الزعيم اللاعنفي، إذا ما تحمل المسؤوليةَ الرئيسيةَ في قيادة عمل ما، يأتيه من الاحترام الذي يوحي به هو، ولا يمتلك أيةَ سلطةِ إكراه. أما القائد العسكري فيمكن له أن يتمتع بسلطان حقيقي، إلا أن لديه دائماً، إذا عَدِمَ هذا السلطان، سلطةً تجعله يُطاع من خلال وسائل إكراه عديدة.
لقد وَضَّحَ لنا الفيلسوف رؤية جَديدة لمَعنى
السُلطة أستوجب وجودها في استراتيجيات اللاعنفية مِثلما توجد في العنف معتبراً وجودها مَصدر قوة للوصول الى الهَدف، يتبارى عليه الطرفان رغم اختلاف طَريقة الوصول اليه، لأن الخيار اللاعنفي يُلزِم صاحبه بضرورة التِقاء الغاية والوسيلة للوصول الى الهدف، بقوله: إن كلَّ كِفاح في سَبيل العَدالة والحُرية هو كِفاح في سبيل السُلطة. فالعِلاقات بين الأفراد والمَجموعات الاجتِماعية، داخل جماعة واحدة بعينِها، تُحدِّدها في الغالب توازنات القوى فيما بينهم. إذ لا يمكن لضَحايا ظُلم اجتماعي ما الحصولَ على الاعتراف بحقوقهم ما لم ينجحوا في حيازة ما يكفي من السلطة لإرغام السلطات القائمة على إنصافهم.
إن
السُلطة لا تؤثر على أي فَرد مالم تتغذى على
(الطاعة) باعتبارها إحدى أهم العوامل المساعدة لنُشوء السُلطة، ووَصَفَ هينري ديفيد ثورو في مفاهيمه اللاعنفية بقوله: إن جُمهور البَشر يَخدم الدَولة على هذا النَحو، ليسَ كَبَشر أساساً، بل كآلات بأجسامهم؛ و أوضح اتيان دو لا بويسي Etienne de la Boiisie في أهم كتاب له في الفلسفة السياسية والطاعة والنضال السياسي اللاعنفي نص عن الطاعة الإرادية،
(كيفَ تَخدم الطاغي بإرادتك؟!) حينما لفت انتباهه في عام 1630 كيف يُعامل الحاكم رُغم إذلاله للشَعب ومُمارسته لسُلطةِ العَظَمة والطُغيان ولكن الفُقراء والمَذلولين لازالوا يَركَعون لَهُ ويُقَّبِلونَ يَدِه.
يَتعايش الفَرد مع هذا المُصطلح منذ طُفولَتِه عندما يَنصدم بأول سُلطة تُفرض عليه، المُتَمثلة بالوالدين، تجعله مُلزماً على الطاعة والتي يُحاربها بالتَمَرُد و البُكاء لأنه يَمتَك مُستودَعاً مِن الغَرائز الفطرية
(الهو الطُفولية) تُظهِر صِفة حُب الذات لَديه، والتي يُحاول عَن طَريقِها الحِفاظ على شَخصيَتِه المُستقلة بالبَقاء، لكن قَد يَلجأ الطفل بالسَيطَرة على حُرية طفل أخر بالضَرب أو العَض دون إدراكٍ مِنهُ، وعندما يَكبر الطفل تَبدأ هذِه الغَريزة بالتَطّور، فَنَراه يَسعى للسيطرة على طفل أخر ويُحاول الحُصول على مُقتنياتِه كالألعاب وغيرها، لكن القِيَّم الاجتماعية والعادات والتَقاليد التي يَستَمِدها الفَرد من المُجتمع والبيئة التي يَعيشُها
(أنا الأعلى) التي يَعتَبِرُها هَويته
(ضَميره الحي) التي تَرَبى عليها لتُشكل في المُستقبل القَواعد و القَوانين التي تُنَظم وجودِه وعند المَساس بِها يشعُر بالإهانة، لكن في بَعض الأحيان التَربية السُلطوية تَقتل هذه الغَرائز الطُفولية وتَجعل الطفل لا يَستطيع بَرمجة وإدارة حَياتِه و يَكون أسلوب حَياته أقرَب إلى الامتِثال والطاعة أي الرُضوخ لتَوجيهات الأعلى، وهذه الحالة أخطَر من الجُبن والخَوف كما يَقول المُفَكِرون والفَلاسفة اللاعنفيون، لأن الامتِثال الذي تُسَبِبه الطاعة يُصبِح تَغيير الفرد صَعباً وبَطيئاً، وتجعل من الانسان مُجرد أداة تَنفيذ ورُضوخ لمَشيئة الآخر، يعمل ما يُقال له من قِبل السُلطة لِينال الرِضا خوفًا من العقاب.
نَستطيع تَقسيم السُلطة حَسب قَناة فَرضها على الفَرد وتأثيرها في المُستقبل على المُجتمع إلى نَوعين:1.السُلطة الاجتماعية: وهي سُلطة المنزل والمجتمع والبيئة التي يَعيشُ فيها الفَرد مُنذُ صِغره وتؤثر في بِناءِ شَخصية المُستقبلية، لِتَرسم لَهُ عاداتِه وتقاليده ومعتقداتِه
(دين، قومية، عرق، الحالة المادية)، وتَعتَمِد هذه على مُحصلة الساعات التي يَقضيها الطفل
(مَع الوالدين، في المدرسة، مَع الاصدقاء، مُتابعة الإعلام، تَطوير نفسه)، وبِهذا نَستطيع أن نُدرك سَبب الاختِلاف الذي يَحصل لَدى الإخوة حَتى في العائلة الواحدة وإن تَشابهت بعض المُقَوِمات من الوالِدَين والمَدرسة، لكنها تَختلف في طَبيعَة الاصدِقاء و مُتابَعَتِه لوسائل الإعلام ورَغبَتِه في تَطوير الذات.
يَستَخدِم الغَرب هذه السُلطة في وقتِنا الحاضر كَوسيلة حَديثة يستَطيع بِها خَلق مُجتمع مُؤمِن بالمُواطنة والتَعايش السِلمي في بُلدانهم؛ وكأداةُ حربٍ من غيرَ سِلاح، يُهيمن بها على دول الشرق بِخلق سيناريوهات ورُموز بَشَرية تُرسم عن دِراسة قِيّم وتَقاليد جَديدة عَن المناطق التي كانت تَتَسِم بالتَنوع وتَقَبُل الأخر لِيُشكل جيل جديد يُغربِلُ البشر والمُجتَمعات على أساس (ديني، عرقي، قومي، مذهبي، عشائري), عِبرَ تَشكيل مَجموعات مُتنافرة مُتناحرة، تَتَصارع بِهدف الاستحواذ على الأرض وإفناء ما بها من الوجود.
2. السلطة السياسية: يَعتَقِد مُعظَم عُلماء النَفسِ المُعاصرين بأن الدَولة لَديها سُلطة بالمعنى الوَصفي عن طَريق واجبها في الحِافظ على سِيادة القانون، وتُعتبر بِمثابة الجِهة التي تُصدِر مِنها الأوامر وتُنظم القَوانين التي تُطاع من قبل الشعب، ينبغي أن نُلاحظ هنا إن بعض القَوانين أو المَواقف من السُلطة، التي هي بِمثابة الأمر الواقع غير مَقبولة من قِبل الجَميع، لكن السُلطة السياسية بالمَعنى الفِعلي تَعني ببساطة قُدرة الفَرد أو مَجموعة من الأفراد الحِفاظ على النِظام العام وتأمين طاعة مُعظم الناس عن طَريق إصدار أوامر المَدعومة بالعُقوبات الرادعة لمن يُخالفها.
نَستطيع وَصف عِلاقة السُلطة مع الفَرد طبقاً لأليه تَطبيقها:احترام السُلطة: هنا يَشعرُ الفَرد إنه جزء من السُلطة وهي جُزءٌ مِنه، هو مَن أختارها وهي تؤمن بان الجَميع متساوون في الحُقوقِ والواجباتِ.
فَرضُ السُلطة: يَشعر الفَرد إنهُ مُلزماً في تَنفيذها وقد يُفَسِرُها على إنها تُمَثِل إلزام الطاعة والخُضوع للأكبر.
ويُمكِن تَقسيم ألية الوصول إلى السُلطة 1.عن طريق الانتخاب: يَجب أن يَشعر الفَرد إنهُ جزء من السُلطة وإنه مَعني في عَملية صنع القرار باختياره من يُمَثلونَه فيها، والسُلطة بِدَورها تَشعر بأن على عاتِقها تَنفيذ مَشروعها السياسي ووعودها للمُجتمع تَحت سَقف زَمني مُحَدد، وتراعي هذه السُلطة المُجتمع الديمقراطي الذي أعطاها ثِقَتَهُ وتَعمَل على ترسيخ مَبدأ احترام الفَرد والشعور بالمُساواة.
2.عن طريق العصيان المدني: يَظهَر هذا الطريق عندما تَكون خيارات الوصول الى السلطة وتمثيل المجتمع بالطريقة الشرعية مَسدود، ويَتَرَكَب المُصطلح من كَلِمَتين
(العصيان) وتَعني عكس طاعة الشيء أي التَمَرد عَليه، أما كلمة
(المَدني) هذه الكلمة التي مَيَّزت الجُملة وأعطت لها مَعنى جديد وتعني المواطن المُتَمَدِن والمُتَحَضر الذي يُظهِر احتراماً شَخصياً للخصم، وبهذا نَفهم إنها حركة لاعنفية اساسها الضَمير الحَي كما يَقول هنري ديفيد ثورو: أننا نَستطيع أن نَعصي إذا كان هذا العصيان مَصدَره ضَميرُنا الحَي، لا نَقبل الظُلم، لَيس لأننا مَكبوتين ومَقهورين بِسبب العُنف أو إننا نُريد الانتِقام مِن السُلطة؛ اللاعنف لا يُقصد بِه أن أكون لَطيفاً ومُهذباً بل أن أشعُر بضَميري الحَي ولا أقبل الظُلم، وأتعَلم كَيفَ أتَصَرّفْ؛ أعرفُ أنني أُطيع السُلطة مِن خِلال الضَريبة مثلاً، ولكني أملُك خيار العصيان بِعَدم دَفعها. وفَعلها ثورو و رَفَضَ دَفع الضَريبة ودَخَلَ السجن بتُهمة التَمَرُد ضِدَ سُلطة الحُكومة.
الخلاصة: أصبحت السُلطة السياسية في بُلداننا الشَرق أوسَطية هذه الأيام تُسَّخِر الإنسان لمُحارَبة أخوه الإنسان، دِفاعاً عن عُروشِ ومعتقدات ملوكهم[1]، والتي بُنِيَت أصلاً على مَبدأ الاختلاف مَعَ الخَصم؛ أما المُمتَنعين عَن فقدان إنسانيَتِهم يَعتبرونَهم خَونة مُتآمرين مع العدو، عَليهم الاختيار بَينَ الرضوخ لأوامر المَلك أو الموت؛ والفَصيل المُقَّرب مِن السُلطة الحاكِمة نَراه سَعيداً بالتَطبيلِ وتَمجيدِ جلالة المَلك التي تُمَكِنَه من الحُصول على امتيازات شَخصية وصَلاحيات تُهيمِنَه على أخوه الإنسان.
لذا عَلينا خَلق جيلٌ مِن الأطفال مؤمن بالمُواطنة، تُرَسَّخ فيهم صحة تَطبيق القانون، لَيس بالخُضوعِ بل بالقَناعة التامة لقَواعد اصولية لممارسة الحَق بالرضا والإمعان وهُنا يأتي دَور التَربية في إشراك الأطفال في وَضعِ القَواعد الاجتماعية التي يَجب عَليهم في المستقبل ان يَتَمَثلوا بها . والذي يَضمن تَعيين حُقوقِ الأفراد والواجبات المُتَرتبة عَليه تِجاه الاخرين بِهَدف انتزاع شَرعية العنف؛ وعِندما لا يَتَمَكَن المُرَبي مِن إقناع الطفل لاحتِرام فُروض القانون فلا يَجدر بِه اللجوء إلى اجراءات الإكراه، بل باتِخاذ عُقوبات تَنسَجِم مَع المَشروع التَربوي والتي تَعي المُنتَهِك من خِلالها مَسؤوليَتِه عن أفعالِه أو حِيال الأخرين بِهَدف مُصالحَتِه مَع ذاته أو مَع الأخرين، على أن وحدة احتِرام الفَرد للقانون تُتيح لَهُ العَيش مَع الأخر، فالعِقاب هُنا لَيسَ بالإدانة او بالتَوبيخ والإذلال بَل بِتَحَمل المَسؤولية في استِنكار الانتهاك دونَ الادانة للشَخص المُنتهك. وعلى المُربي ان يُنَبِههم بِنَواهي القانون ورَفض الانتهاكات التي تكون من خِلال القَسوة والمُعاقبة الشَديدة في استخدام العُنف بِحق الأطفال المُتمردين.
الباحث اللاعنفي
د. رامي البازي
[1] ملوكهم: جمع كلمة ملك وهنا اقصد بها مجازاً كل من يدعي إنه السلطة من (رئيس دولة، رئيس حزب، رئيس قبيلة، رئيس تنظيم، رجل دين).