الاستاذ القدير خوشابا سولاقا المحترم
تحية طيبة
احييكم على ما تفضلتم به في مقالكم القيم وما طرحتم من وجهة نظر واقتراحات. اني ومن خلال هذه المداخلة ارغب بان اساهم بقدر الامكان لتوضيح بعض الامور والتي اراها ضرورية من وجهة نظري. . يمر الوطن منذ سقوط النظام البعثي الشمولي بفترة حرجة من تاريخه السياسي جراء الصراعات الداخلية والتي تتمثل في عدم ادراك القوة والاحزاب السياسية بكل اتجاهاتها بخطورة الوضع والكوارث التي تتقاذف عليه منذ سنوات خلت. هناك الكثير من العوامل الداخلية والاقليمية وايضا بان لا ننسى ثقافة الالغاء الاخر من الاغلبية التي تتصدر المشهد السياسي، وعدم الاستعداد بالقبول بالاخر من الاغلبية والتعددية لتقديم التنازلات للاخر الذي يحس بالتهميش. ما يسمي بالديمقراطية التوافقية والتي نعتقد انها تمثل احد المخارج للازمة العراقية بديلا للدمقراطية الكلاسيكية والتي يكون معيار الاغلبية والاكثرية هو المفتاح للسلطة..وتعرف الديمقراطية التوافقية بانها نمط من انماط الديمقراطية يتميز بعدم الاكتفاء بالاغلبية كمعيار وحيد للحكم ، واضافة معيار اخر هو التوافق الذي يتضمن اشراك الاقليات المنتخبة في الحكم، وتعرف كذلك بانها نوع من انواع الديمقراطية التمثيلية الا انها تتميز عنها بتراجع اسلوب الصراع السياسي بين الاقلية والاغلبية وتعويضه بالتوافق والحكم الجماعي والاخذ باكبر عدد ممكن من الاراء واشراك الاقلية المنتخبة في الحكم او في السياسات الكبرى. وبذلك تمثل الديمقراطية التوافقية احد النماذج المقترحة لمعالجة مسالة المشاركة في المجتمعات التعددية او المتعددة خلافا للديمقراطية التمثيلية ، التي تستند الى عناصر التنافس في البرامج والاستراتيجات والاحتكام الي منطق الاغلبية الحاكمة والاقلية المعارضة والاعتماد المتواتر على اسلوب الاقتراع او الانتخاب بل تعتمد اساسا علي مواصفات بناء التحالفات الكبيرة التي تضمن للمكونات الاساسية فرص التمثيل والمشاركة في صنع القرارات من اعلى هرمه الي اسفله دون الخضوع لسلطة الاغلبية , اذ تحتفظ الاقلية بحق النقض او الاعتراض مما يجعل قدرتها علي مواجهة الاغلبية. وتجنب هيمنتها متاحة وممكنة علي صعيد الممارسة وهو ما لا تتيحه الديمقراطية التمثيلية على الرغم من اعترافها بشرعية الاخرين وضمان حقوقها الدستورية في النشاط والعمل من اجل التحول الى اغلبية بدورها. ففي ممارسة قاعدة الاكثرية والاقلية في الديمقراطية الكلاسيكية تبين ان هذه القاعدة خطر على الوفاق الوطني وعلى التماسك الداخلي ، لان الاقليات غير قادرة على الوصول الى السلطة ، فتشعر بانها مهمشة وضحية للتمييز، فلا يعود عندها ولاء للنظام ولا حتى للوطن. وبذلك يمثل الاستبداد الديمقراطي خطرا قائما باستمرار ،ذلك لان من المحتمل جدا ان تتعرض اقلية ما لهضم حقوقها من طرف اغلبية.حتى لا ننسى بان مفكري اللبيرالية من حل مثل هذه الاشكاليات، الا بتوصلهم الى قناعة واقرار ضرورة تقرير حقوق الاقلية عن المستوى الدستوري ضمانا لعدم اهدارها بواسطة الاغلبية فيما اسموه الديمقراطية التوافقية. لذلك تطور الفكر السياسي الديمقراطي التوافقي تجاه الاعتراف بالحقوق الجماعية والادارات الذاتية لاصحاب الهويات المتعددة العرقية والمذهبية والطائفية ،وذلك منعا لاستبداد الاغلبية للاقلية من جهة ، وقطع طريق التاثير الخارجي على الشان الداخلي من جهة اخرى ، ولكن الاخذ بها ياتي عقب الانتهاء من ارساء مطلوبات المواطنة كاساس للحقوق والواجبات. فالديمقراطية التوافقية هي منح القوى السياسية التي تعبر عن مصالح القوميات والطوائف والاحزاب المكونة للمجتمع، امكانية ايقاف قرارات القوى السياسية الاخرى عند اتخاذها لقرارات تضر بمصالحها، بغض النظر عن حجم الكتلة وذلك مع افتراض وجود انقسام وصراع طائفي خطير لا يمكن من احتواؤه الا عبر هذه الصيغة. اذن اعتقد ان الديمقراطية التوافقية تقوم علي بناء الدولة من خلال عقود منفتحة على التطور والتقدم.. ولذلك تتطلب الديمقراطية التوافقية ان يكون هناك توافق بين جميع مكونات الشعب العراقي واحزابه وتنظيماته السياسية. وهو ما يتطلب اعترافا متبادلا بين كافة المكونات تجاه بعضها البعض وان يكون هناك اتفاقا عاما على اساس البرامج السياسية والاهداف المشتركة. كما ان تمتين الوحدة الوطنية يقتضي نظاما سياسيا وطيدا يشرك جميع اطياف الشعب العراقي من دون استثناء، في اتخاذ القرارات الوطنية بحيث لا يفرض من قبل الاكثرية على الاخر ما لا يتناسب ولا يتلائم وتقاليد القوميات والمذاهب والطوائف والاحزاب الاخرى. لذلك من المتوقع في ظل نظام توافقي يجعل جميع اطياف الشعب العراقي يشعرون بانهم مشاركين في بناء الوطن. والسؤال الذي يطرح نفسه هل يستطيع رئيس الوزراءالعبادي ان يقودوا الشعب العراقي للتخلص من امراض الطائفية والمذهبية والمحاصصة واقصاء الاخر، والقضاء على الفساد بجميع انواعه؟... والسلام
وتقبل مني قائق تقديري
اخوكم
هنري سركيس