عاهة الطائفية والطريق المظلم
لويس إقليمسالشعوب التي تقتاتُ على فتات التقسيم والتجزئة والانكفاء، هي شعوبٌ هزيلة البنية وبعيدة عن صياغة مشروع مفيدٍ للوطن والمواطن. والطائفية التي أثبتت أنها عاهة شعوب منطقتنا العربية والإقليمية خيرُ برهانٍ على هزالة تركيبتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى شخصيتنا البشرية.
قُدِّرَ لنا أن نولد من رحم تشكيلاتٍ فئوية وطائفية منذ أجيالٍ، ومازلنا نسير في ذات الطريق الوعر التي لم ولنْ تشهد التعبيد إلى ما شاء هذا القدَر! ومَن يرى غيرَ ذلك، فهو مخدوعٌ بشعاراتٍ طوباويّة وأسيرٌ لأفكارٍ تفاؤليّة تُحمّلُنا أكثرَ من قدرتنا.
عاهة الطائفة طريقٌ مظلمٌ وسرطانٌ خبيثٌ، يخشى العقلاء والمتديّنون المعتدلون السيرَ فيه نهارًا. فكم بالأحرى لو جرّبوا السير فيه ليلاً؟ أجيالُنا قبل الثمانينات لم يكن يدُرْ في خلدِها أبدًا، قدوم اليوم الذي تنتهي فيه الهدنة بين الذئب والحمل، والسهل والجبل لتأتي الطائفية وتأخذ الجمل بما حمل وتفرغَ الوطن ممّا سعى وأمل.
حين تخلّى الأمريكان عن حليفهم الدوليّ شاه إيران، الذي كانوا نصّبوه آنذاكَ شرطيًّا مجاهدًا في المنطقة وإتيانهم بنظام دينيٍّ متزمّت، فإنّهم يكونون قد قلبوا موازين القوى وأثاروا حفيظة حلفائهم في الخليج حين بدأ هؤلاء يشمّون رائحة الانقسام والتجزئة الآتية، لا محالَ، بسبب ما حملَه ذاك الانقلاب من تغييرات جيوبوليتيكية وديمغرافية وسياسية ومجتمعية واقتصادية بنهج طائفيّ واضح. ولم تنفع معها جميع أنواع التطمين والتهدئة ومختلَف الوعود المقطوعة هنا وهناك مع قدامى الحلفاء المحليّين الذين بدأت ثقتُهم تهتزّ بالراعي الدوليّ الرئيسيّ الذي تمكّن بدهاء متميّز من تحصين سياسته دوليًّامن خلال وضع استراتيجية للخلاص من أقوى قطبٍ منافسٍ دوليّ ناصبه العداء منذ الثورة البلشفية لغاية سقوط الأخير الدراماتيكيّ وانتهاء جبروت الاشتراكية، مخدّرة الشعوب والأمم لأجيالٍ وعقودٍ.
من حينها، وبذور الطائفية المزروعة تنمو وتُسقى فتكبرُ جنبًا إلى جنب مع تنامي المدّ الأصوليّ، كواجهة متوازية وندّية مع هذه العاهة. وهذا ما أدّى إلى وأد كلّ توجّه وطنيّ وإلى تحييد الفكر القوميّ الذي بدأ بالتراجع لصالح نموّ جيناتٍ جديدة قرّرتها القوى العظمى ضمن مشروع عالميّ للعولمة الذي اجتاحَ الدول والمؤسسات والشعوب، حتى باتت كلُّ الطرق التي لا تؤدّي إلى هذا النظام الجديد مغلقةً ولا يمكن فتحُها إلاّ به. ومن المؤسف أن ينساق المثقف العربيّ خوفًا أم خجلاً أم مسايرةً للموضة مع هذا السلوك الضيّق، مخدوعًا أم مدفوعًا بإشارات أولياء الدّين والمذهب في مواقع ومؤسسات مهمة.
ما احوجَنا اليوم للتذكير بحالِنا في سبعينيات القرن العشرين وما قبلها، حين كان الحمل يتهادى في سيرِه وسط الذئاب متشحًا ما شاءَ وراكبًا عبابَ البحر ومستغلاّ البلاجات والسواحل والنوادي والحانات ما طابَ له دون أن تجرؤ الأجهزة الرسميةوالأمنية التعرّضَ له ولحرّيتِه المكفولة من الخالق لخليقتِه. فكلُّ ما خلقه الله حسنٌ ولصالح خليقتِه ومن أجل نموّها وتكاثرها وتقدّمها وسعادتها. هذا كان ومازال يقينُ البشر محبّي الحياة وكارهي ثقافة الموت وسفك الدماء وحزّ الرؤوس والتلذّذ بالقتل والتعذيب والتهديد. ومن المؤسف، أنّ يدَ الاستكبار والغلوّ والغيرة وحبّ الانتقام والسيادة على حساب الآخرتكاتفت جميعها لترجيح كفّة التعصب والقهر، أيّ كان نوعُه ولونُه ومواصفاتُه، ما أنزلَ العالمَ إلى الهاوية غارقًا في مستنقع هذا التعصّب الأعمى، المتمثل حصرًا بالتوجهات الطائفية والمذهبية التي اجتاحت الفكر والقلم والقرطاس، كما المادّة والسياسة والمجتمع. ولعلَّ أردأَ اشكالِ هذا الأخير وأقسى صورِه،بكونِه نابعًا من أديانٍ تدّعي هويتَها نازلةً من لدن الخالق، سماويةً وتوحيدية. لقد أخذت هذه الأخيرة مسمّيات ومظاهردينية عدة عبر تنظيمات تدّعي القربَ من الله وباسم الدّين. وإنّ العاقل يتساءل، كيف للّه أن يأمرَ بقتل خليقتِه التي صنعَها وجبلَها على صورتِه ومثالِه، جميلةً كجمالِه وحسنةً كحُسنِه؟ هذه المسمّيات جميعُها، تشترك في صفة العداء لخليقة اللّه الذي تعبده الجماعات الإرهابية أيضًا ومعها مختلف التنظيمات المسلّحة المتشدّدة من أديان ومذاهب مختلفة، كلٌّ على طريقتها الخاصة، وإن كانت تنكر مثل هذه الخاصيّة الترهيبية والمخادعة.
هناك مَن يرى بعدم عقد مشابهة بين مجمل هذه التنظيمات المنطلقة من موقف طائفيّ وفكرة مذهبيّة بحتة، بحجة اختلاف برامجها ونواياها وأهدافها. لكنّنا نعتقد بتقاربها جميعًا من حيث المبدأ والهدف. فأعمالُ القتل وفعالُ الشرّ وأنشطة الترهيب والخطف الشائعة هذه الأيام ومناظر الدماء المسفوكة والرؤوس المحزوزة، كلُّها أدلّة دامغة وشواهد فاضحة على رفض الإنسانية لهذه جميعًا. كما لا يُعقلُ أن ينزل اللهُ، وهو الخالقُ الرحمن الرحيم، إلى منزلة القتل والحقدوالرذيلة بهذه الصورة المكروهة. حاشا له ذلك، من هذه الأدوات الشائنة عدوّة الإنسانية وناقصة الحبّ البشريّ ورافضة العيش السليم والهناء في أرض الله الواسعة. إنّه عصرالأزمةالإنسانية والأخلاقيّة والاجتماعيّة، ليس إلاّ!
كيف السبيل للخروج من الأزمة عراقيًّا؟أبدأ المقترح بكلمة "لماذا". وهذه ينبغي أن تُوجَّهُ إلى أساطين العالم المتحضّر وأصحاب الزعامات الثريّة المتحكّمين بمصير شعوبهم وفق مقاييسهم ومصالحهم المتناقضة مع رغبات وتمنيات هذه الشعوب المغلوبة. فالمالُ والجاه والسلطة، هي التي غدت سيدة المواقف، حتى لو حصل ذلك بالضدّ من إرادة الشعوب والنخب والمعتدلين في البلدان التي يحكمها هؤلاء. فمن حقنا القول: لماذا لا تضعون الّله وضمائرَكم ودينَكم الحنيف فوق كلّ شيء وكلّ قرارٍ وكلّ نشاطٍ يصدرُ عنكم وعن مواليكم في الحكم؟ ولماذا لا تعبؤون أنّ عشبَ اليوم آيلٌ لليبس اليوم،وغدّا يُقطع وينتهي مفعولُه ويُلقى في النار ليحترق، تمامًا كما الحكم الذي بين أيدكم اليوم وغدًا يُغتصبُ منكم آيلاً لغيركم؟ ولماذا لا تكسبون رضا الّله والناس في حياتكم، كي تعيشوا آمنين وفي سعادة بعد مماتكم بعيدًا عن الوعود بحور العين والليالي الملاح في جنّات وهميّة تجري من تحتها أنهارٌ لا وجودَ لها سوى في مخيّلة الضعفاء والمخدوعين والشّاذّين؟ أسئلة كثيرة وجديرة بأنْ تُثار، والقصدُ منها بالخلاصةً، المحافظة على النظام الإنسانيّ الذي هيّأهٌ خالق السماء والأرض، الطيّب لخلائقه التي خلقها بصيغة ذكرٍ وأنثى متساويين ومتحابّين لمجد اسمه القدّوس ولخدمة البشر والبشرية.
عراقيًّا، كنّا نأملُ أن تختلف التشكيلة الحكومية الجديدة عن سابقاتها بخروجها عن سياق نظام المحاصصة الذي انتقدَهُ ورفضَه الجميع بمن فيهم زعماء الكتل والأحزاب والتيارات السياسية المختلفة والمراجع الدينية والنخب على تنوّع مشاربها. ولكنّ الرياح هبّت بما لا تشتهي السفنُ والسفّان المنقذ! وهذا إيذانٌ باحتمال تعرّض النظام السياسيّ من جديد إلى نكسة أولى، بدت آثارُها واضحة على ما تبقى من حقائب وزارية مختلَف عليها، ولاسيّما الأمنية منها. وهذا
يعني أن تمنيات الشعب العراقيّ لم تتحقّق، بعد انتظار طويل وسقيم، طالما أنّ عاهة المحاصصة الطائفية لم تُعالَج، إنْ لم نقل أنّها تعزّزت أكثر من السابق. وهذا ما تشير إليه محاولات التشبّث العنيدة والمعاندة من جانب نّواب الشعب بالحصول على مناصب وجاهيّة فيها يسيل اللعابُ بدلاً من بقائهم تحت قبّة البرلمان، المكان الذي انتُخبوا له ليؤدّوا دورَهم فيه ممثلين لناخبيهم. إنّه وبالرّغم من الوعود والتصريحات الكثيرة بابتعاد خطّ رئيس الحكومة الجديد عن النهج الطائفي، إلاّ أنّه لن يستطيع الهروب من تأثيراتها والضغوط التي ستتراكم عليه لمعالجة ملفّات شائكة، تدخل الطائفية والمصالح الفئوية طرَفًا مهمًّا فيها. والأيام القليلة المقبلة ستشهد ما نراه قائمًا وممكنًا.
إننا نعتقدأنّ القرارات الأخيرة التي طالت قيادات عسكرية متقدّمة أثبتت فشلَها طيلة ثمانٍ سنواتٍ من القهر والظلم وفشل الأداء وضبابية الرؤية العسكرية الخائبة والخالية من أية استراتيجية وتخطيط، والتي نالت قسطًا من انتقادات العراقيين، أحزابًا وشعبًا ومرجعيات، قد أثلجت صدور الجميع. وهناك مَن يعتقد أنها ناقصة، وهو على حقّ، إذ ليس من المعقول السماح بهروب بعضها والتغطية على أخرى وإبراء غيرها للخلاص من معاقبة المقصِّر فيها بحق أبناء الوطن وبحق الضحايا من أفراد الجيش الذين تُركوا لأيامٍ وأسابيع يُعانون من شظف العيش والرهبة والرعب من زمر "داعش" ومواليهم، والتي ضيّقت عليهم الخناق طيلة جهادهم في سبيل الوطن والأرض، فيما هؤلاء القادة ولّوا الإدبار هاربين من الجحيم بحجج واهية أو من دونها. فانهيارُ الجيش وقطعاتٍ منه إزاء الرعب الذي أحاطَ بهم من تنظيمات "داعش" في مناطق عديدة منذ سقوط الموصل وتوالي سقوط مدن وبلدات وقرى عديدة، دليلٌ واضحٌ على الفراغ والفشل الذي كان يحيط المؤسسة العسكرية التي تدّعي تلقّي أوامرَها من مكتب القائد العامّ، وهو المطلوب الأوّل للتحقيق والمساءلة ومَن حواليه في مكتب القيادة العامة، دون تمييز أو غطاء على أيّ مقصٍّر بحق الشعب والوطن والأرض.
لعلَّ من أولويّات الأداء الحكوميّ أيضًا، نفضُ كلّ ما يتعلّق بكونِه خارجًا عن الهوية العراقية والانتماء للوطن ولأرضه ولحضارتِه بعد اجترار هذه الأخيرة من قبل حيتان الكانتونات والكتل الطائفية التي وضعت مصالحَها قبل كلّ شيء ولم تهبْ للشعب ولأرضِه أيَّ شيء غيرَ التراجع إلى الخلف والهرولة نحو التجزئة المجتمعية وتمزيق النسيج المتكاتف تقليديًا
. فالهوية التي تفقد كينونَتها الوطنية وتلهث وراء مصالح دينية ومذهبية وفئوية ضيّقة حصرًا، تتهاوى ويطويها النسيانُ حينَ انكفائها واحتمائها تحت مسميّات هذه الأخيرة. وعلى الجميع أن يدرك أن صلة الإنسان بالإنسان تكمن من خلال الهوية الوطنية والأرض التي تأويه، فيما الدّينُ والمذهبُ والطائفةُ التي يؤمن وينتمي إليها أمورٌ شخصية بين الإنسان وخالقِه. وهذا الأخير هو الذي يحاسبُه على وزناتِه وأعمالِه وسيرتِه. وبذلك، يدخل كلُّ مَن يتخذ الطائفية والمذهبية والعرقية في سلوكِه، ضمن خانة أعداء الشعب والأرض، حتى لو تمَّ ذلك تحت مسمّى الشراكة الوطنية وتوافق السلّة الوطنية المجتمعة الواحدة، لأنّ الأخيرة كلُّها مسميّات تمزيقية وتجزيئيّة وتفكيكيّة للوطن، بل تخلقُ من تكويناتها نَفَسًا عنصريًّاقاتلاً. وهذا الشيءُ عينُه، قد خلَقَ، بلْ وسَّعَ ثغراتٍ كبيرة بين أبناء الوطن الواحد والدّين الواحد، ونشرَ نزاعاتٍ عديدة وفتحَ الأبواب لثاراتٍ وصراعاتٍ دينية وطائفية ومذهبية وعرقيّة بين الدول والأديان والمذاهب المختلفة في الوطن الواحد، كما في عموم دول المنطقة. وهذا كلُّه بسبب الجهل بالدّين والمذهب أولاً، والتنكّر للتاريخ ومسيرة الشعوب ثانيًا، وعبادة الجهل بهذا الدّين والركض خلف الفتاوى والتفاسير الانتقامية الترهيبية المغرضة ثالثًا، وليس أخيرًا.
قد يكون التحرّر من الجهل في العبادة وأصول الدّين من أولى الأولويات بإعادة قراءة تاريخ الأمم والشعوب والأديان إلى نصابها والالتزام بما تمليه ضوابط الهوية الوطنية من احترام للآخر المختلف دينًا ومذهبًا وعرقًا ولونًا ولغةً. وهذا هو عينُ العقل وقمّة الحكمة في معالجة الرتق الكبير والواسع الذي نخر أسسَ الهوية العراقية وتشعّب فيها سرطان التوجّه الطائفيّ الذي مزّق البلاد وأرهبَ العباد، وأعادَ البلاد إلى زمن الهزائم والانحرافات والانتكاسات بتكفير الآخر المختلف دينًا ومذهبًا وعرقًا.
هنالك مأزقٌ آخر يحيق بالهوية الوطنية، وهو يتمثّل بشيوع الأراضي العراقية وفتح الحدود والأجواء أمام دولٍ عديدة لتحقيق مصالح إقليمية ودولية بفعل الظروف الأمنية السيّئة التي يمرُّ بها البلد وبسبب غياب أو ضعف الغطاء الجوّي الوطنيّ العراقيّ وهشاشة أجهزته الأمنية. فقد شاءت هذه الدول أن يكون لها نصيبٌ استخباريّ واضحٌ فيما يجري، سواء بتسيير طائرات استطلاع مجهولة الهوية أو طائرات لرصد ما يجري على الساحة المفتوحة الواسعة أو عبر أدواتٍ مخابراتية تصول وتجول تحت مسمّيات متعددة، منها ميليشياوية وأخرى ضمن هيئات دبلوماسيّة أو تحت أشكال ووسائل إعلامية مغرضة. وأمام هذه الاختراقات، ليس أمام الجانب العراقيّ سوى غضّ الطرف وترك المسألة للجهات ذات المنفعة المعنيّة بهذا للأمر، تلافيًا لإشكاليات غير متوقعة.
فقد بات البلد ساحة مكشوفة بلا أسرار يحتفظ بها لمصلحته ولشأنِه. وقد يبقى هذا الأمر سرًّا ما طالَ الزمن، إلاّ إنْ تجرّأ أحدُ الشركاء في العملية السياسية بالكشف عن بعض تفاصيله التي بحوزتِه، في حالة الخلاف مع الحكومة أو الجهة المعنيّة بسبب تقاطع المصالح. فالفاعلون في العراق، أمسوا معروفين في مصالحهم. كما أنّ الدول التي تسعى أن يكون لها موطئ قدم في أحداث العراق معروفة أيضًا. فإلى جانب المحتلّ الأمريكي، هناك إيران وتركيا ودول الخليج التي تحارب في العراق، كلٌّ لأجل مصالحها. ويأتي الكشف عن أسلحة مصنّعة في هذه الدول خير دليلٍ لما يراه العديد من المراقبين. كما لا نستبعد غطاءً إسرائيليًا سرّيًا لمراقبة المشهد عن بعد أو عبر طائرات مسيَّرة. فهذه الأمور، أصبحت معتادة في ظلّ غياب القيادة والسيطرة الوطنية العقائدية المحترفة وضعف الأركان والاتصالات بين قطعات الجيش المختلفة التي كادت تعمل من دون خطط استراتيجية عسكرية معروفة أيام الحرب والسلم، وكذلك بسبب غياب منظومة دفاعية تعتمدفي إمكانياتها على وسائل مقاومة متطورة للدفاع عن المجال الجوّي في حالة اختراقه من جهاتٍ خارجية.
أخيرًا، نرى أنّ همّة الحكومة ينبغي أن تتعزَّزَ في هذه الفترة الأولى من تشكيلها بعد اكتمال نصابها في أقرب وقت متاح، كي لا تطول فيقع البلد في أزمة جديدة أبطالُها مَن يدّعون الوطنية والدفاع عن مصالح الوطن والمواطن، فيما الواقع يشير إلى غير ذلك. كما ننتظر من رئيس الوزراء الجديد، اتخاذ قرارات شجاعة ومصيرية وقاطعة بوضع النقاط على الحروف وعدم ترك الغير يتمادون في اللعب بمصير الشعب والوطن. فلا بدّ من محاسبة المفسدين والفاسدين ومَن سرقَ قوتَ الشعب وفرَّطَ بأموال الدولة طيلة السنوات العشر العجاف ونيّف منذ تشكيل أول حكومة مؤقتة. فما صُرف على مشاريع وهمية وتجهيزات عسكرية وورش تدريبية كاذبة ومكارم وإنعامات شخصية، كثيرٌ وكثيرٌ ويوقف عقل العقلاء وضميرَ الحكماء وغيرةَ أبسط الفهماء. إذ لا بدّ من محاسبة كلّ هؤلاء أمام القضاء بعد تنقية الأخير من عناصره المسيّسة كي يبقى جهةً مستقلّة في الرأي والحكم العادل ولا ينجرَّ إلى مصالح السياسة والسياسيّين. فهو المعوَّلُ عليه في بناء دولة العدل والمساواة والحريّة.
كلمة أخيرة أخرى للحكومة الجديدة وسفّانها، قد تُزعج البعض من الأصدقاء وأصحاب الشأن، وهي تتعلّق بعادة الحكومة طيلة السنوات المنصرمة منذ السقوط في 2003، بقيامها بتسخير طاقات الدولة في مناسبات الزيارات الشيعيّة حصرًاوالتي ينبغي التخفيف من مظاهر الاحتفال بها وإيجاد وسائل أكثر حضاريةً ولا تثير مشاعر الغير. إننا نعتقد أن أداء شعائر الزيارات حقٌّ مكفولٌ لأيّ دينٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ، وما أكثرها بسبب تعدّد الأديان والمذاهب والطوائف في البلاد. فإلى جانب كونه من الحقوق الوطنية لأيّ مواطن، يبقى شأنًا شخصيًّا بين الخالق وخليقتِه. ومن هنا، ليس من المنطق أن تتعطّل دوائر دولةٍ ومؤسساتُها بأكملِها من أجل تأمين تحقيق مثل هذه الزيارات والشعائر على حساب مصلحة الوطن والمواطن. والمنطق والعقل يشيران بضرورة إيجاد صيغٍ تكفل تأمين مثل هذه الشعائر مع استمرارية الأداء الحكومي ومؤسساتها وعمل أسواقها ومعاملها وفتح شوارعها وساحاتها للعامّة. فعسكرة الشارع والساحات والحدائق العامة وكذا إغلاق الشوارع ومناطق بأكملها أمام نشاط المواطن في هذه المناسبات الكثيرة، كلُّها إشارات استفزازٍ للغير وسلبٌ لحق المواطن وحرّيتِه بحياة طبيعية. فالعبادة للخالق والتكريم للأئمّة تبقى شيئًا شخصيًّا، ولا ينبغي بأيّ حالٍ من الأحوال أن تؤثرّ في الحياة اليومية للمواطن. كما أنّ إغلاق مؤسسات الدولة وتعطيلَها لأيام عديدة، وما أكثر مثل هذه المناسبات في عراق اليوم، تُعدُّ خسارة وطنية للإنتاج وتوقّف مشاريع التنمية والتطوير. فما أحوجَنا اليوم في مرحلة البناء، إلى وقت إضافيّ للعمل وليسَ للبطالة والانقطاع.كما أنّنا لاحظنا أن الإيغال والمبالغة في مثل هذه الشعائر من شأنِه أن يؤثّر على مشاعر الغير ويخلق شيئًا من الاستفزاز والغيرة والحقد والشعور بالتمييز لجهة حاكمة على حساب مشاعر مكوّنات أخرى ترى في المبالغة بهذه الشعائر، تجاوزًا لحرّية الغير وحقّهم بتواصل حياتهم في الشارع والسوق ودوائر الدولة. إنّها مجرَّدُ شذراتٍ من رؤية وطنية ومواطنيّة، عسى أن تصل إلى سفّان الحكومة العراقية الجديد والمعنيّين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومجلس الوزراء الموقر ومَن يعنيه الأمر.
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2014