أقليم بحماية دولية او لا نريد العراق
آشور قرياقوس ديشو
تورنتو – كنداashourdisho@yahoo.comفي خطبة القاها مارتن لوثر كنك في اب عام 1963 في واشنطن قال : احلم في يوم يستطيع ابنائي الاربعة الصغارأن يعيشوا بين شعب لا يحكم عليهم بلون بشرتهم ولكن من خلال مظمون شخصيتهم .واليوم وبعد مرور خمسون عاماً تقريباً على ذلك الوقت فقد حصل المواطن الاسود في أمريكا على حقوقه كاملة ومتساوية مع الانسان الابيض . بل وأصبح عليهم رئيساً.
حلم المواطن الاسود في أمريكا والعالم أجمعه تحقق في فترة زمنية قياسية بينما ظل حلم الانسان المسيحي في العراق يعيش في أذهانه لاكثر من 1400 سنة ولازال اسيراً لمصيره المجهول يعيش لقروناً طويلة مترنحاً تحت شريعة و قانون لا يجعله متساوياً مع المواطن المسلم فواجه الاضطهاد والظلم والتحيزات في ظل هذه الشريعة منذ دخول الاسلام الى العراق والشام والى حد الان .فأصبح منذ ذلك الوقت محروماً من جميع حقوقه الانسانية والاجتماعية والدينية والثقافية والقومية . ليتم تصنيفه كمواطن من الدرجة الثانية وتجلت هذه الحقيقة في قانون وقعه الخليفة عمر بن الخطاب وسُميَّ ( العهدة العمرية ) والتي وضع فيها 26 نقطة على شكل أوامر تبدأ بكلمة ( لا ) تنهي المسيحيين من حقوق الانسان البسيطة التي يستحقها أغلب البشر والتي فرض فيها عليهم ( أن يقوموا من مجالسهم اذا ارادوا الجلوس ) أي ان يترك المسيحي مقعده للمسلم اذا اراد الاخير الجلوس و ( ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ) (أي لا تجاور قبور المسيحيين مع قبور المسلمين ) وغيرها من الاوامر التي وضعته في منزلة العبد وختمها مهدداً ب ( واذا خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمة لهم ) .ولازالت هذه النظرة المتخلفة تعشعش في عقول الكثيرين من المسلمين و اصبحت لاحقاً مترسخة على شكل قوانين في الدول العربية والاسلامية التي يعيش المسيحيون فيها فتشكلت في دساتير في هذه البلدان لاذلال المسيحيين وسلب حرياتهم وحقوقهم .
لم ينتهي غبن وظلم الاسلام لحقوق المسيحيين بأنتهاء الخلافة الاسلامية في العراق بل تبعه زمن الدولة العثمانية والتي كان لشعبنا أثناءها وجوداً وجذوراً تاريخية عميقة في تركيا وبلاد النهرين فخضع المسيحيين لمعاملة الاقلية فبجانب القتل والحرمان والتجاوز على بيوتهم وكنائسهم والجزية كما حصل في الخلافة الاسلامية فأن الدولة العثمانية فرضت على المسيحيين قوانين ألأذلال والاهانة والتنكيل والاغتصاب والترحيل القسري وكان فرضهم اللباس الخاص على المسيحيين ليميزهم عن المسلمين كما حصل في حكم السلطان مراد الرابع خير دليل على هذه العبودية التي فرضها المسلمون على الشعب المسيحي المسالم.وتمادت الدولة العثمانية في ظلمها على المسيحيين ففرضت عليهم ( ضريبة الدم ) أو ما كان يسمى بنظام الدوشرمة .وفي هذا النظام فرضت الدولة العثمانية على المسيحيين بأخذ طفل واحد من كل خمسة أبناء من الاسرة المسيحية وتحويله الى الديانة الاسلامية وزجه في الجيش الانكشاري أو وضعه في وظائف الدولة ليكون ولائهم للسلطان فقط .
وقد ساء وضع المسيحيين تحت حكم هذه الدولة أكثر بعد أنقلاب 1913 حيث جاء بنظام عسكري أكثر دكتاتورية ودموية كان يسعى الى اقامة دولة قومية تركية خالصة وبدأوا في مشروع عسكري لطرد وازالة القوميات الاخرى من تركيا من الاشوريين والارمن واليونانيين فبدأت في حملات الابادة البشرية السيئة الصيت وكان شعبنا الاشوري المسيحي ضحية الابادة البشرية لعدة مرات في القرن الماضي من 1914 الى 1923 من قبل الدولة العثمانية وقد وصل عدد سكان الذين طالتهم الابادة من الاشوريين والارمن واليونانين الى أكثر من ثلاثة ملايين .
وأستمر مسلسل أضطهاد المسيحيين بعد أنتهاء الدولة العثمانية حيث حدثت بعد تشكيل الدولة العراقية أيضاً مذابح عديدة ومنها ما حدث لقرى شعبنا في سميل من 11 الى 18 آب 1933 والتي راح ضحيتها أكثر من 3000 آشوري من الرجال والنساء والاطفال على يد جنود الدولة العراقية والعشائر الكردية وكذلك مذابح في طور عبدين وماردين وصوريا وغيرها الكثير وهكذا ظل شعبنا يتحمل الظلم و محروماً من حقوقه في مجتمع غير متجانس يميل دائماً لصالح الانسان المسلم . ويعيش كمواطناً من الدرجة الثانية لم يكن له دوراً يذكر في المناصب والمراكز في الدولة العراقية بالرغم من كوننا شعباً اصيلاً يمتلك كل مقومات المواطنة .
اليوم بعدما حصل لشعبنا في الموصل وقرى ومدن سهل نينوى والمناطق الاخرى من قتل وتشريد وأغتصاب وأبادات جماعية وقفت الحكومة المركزية وحكومة الاقليم عاجزتين عن حماية شعبنا المسالم . لتصبح المسألة خطيرة ومعقدة وتبدو بأنها لا تختلف عن سياق الاحداث سابقة التي حدثت عبر قرون عديدة بل أتعس. فشعبنا اليوم يعيش في محنة كبيرة لا يمكنه بقدراته المحدودة ان يتغلب على الشر الذي يحيطه . ولا ان يعيش في سلام ابدي ودائم مع من يقاسمه الوطن والذي أظهر بأنه غير جدير بالثقة والامان .فأصبحنا على ثقة كبيرة بأن مصيرنا ووضعنا في الوطن لا يمكن أن يتغير في الاوان القريب.لأن الذين نعيش معهم يريدون أن يرسموا لنا الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه في هذه الحياة . ويتجاوزوا على حقوقنا ومعتقداتنا وايماننا.وبات واضحاً بأن هذه الاختلافات التي بيننا لا يمكن ان تتحول الى التوافق والتوازن والتسامح في الزمن القريب بل نراها تتزايد عمقاً وتعقيداً يوماً بعد يوم . لأن التعصب عندهم وليس عندنا .ولا يبدو بأن هناك مؤشرات لسلام دائم وحقيقي يمكن ان يتحقق في الوطن في الاوان القريب ؟ وحتى لو فرضنا بأن السلام قد عاد ورجع شعبنا الى قراه ومدنه فليس هناك ما يظمن بأن ما حدث اليوم لشعبنا في الوطن لن يحدث بعد عشرة أو عشرين سنة من الان ؟ نعم لقد فقدنا الثقة بحسن نيته جيراننا في الوطن . ولم نعد نتوقع بأن نحصل على شئ عادل وجميل منهم بعد الان
أن الالام والجروح التي تركتها هذه المأسأة في قلوبنا ونفوسنا وما يمكن ان تسببه في مصير ومستقبل شعبنا على المدى البعيد لا يمكن ان تنسى ولن تعيد ثقة شعبنا بالمكونات الاخرى التي خذلتنا ولم تحفظ كرامتنا أمام هذا العدو الغريب واي واقع جديد آخر لا يجمعنا في ( أقليم خاص لشعبنا ومحمي من قبل المجتمع الدولي ) لا يوازي حجم الكارثة والخسائر التي لحقت بشعبنا .
لقد رأينا كيف وقفت أحزابنا ومؤسساتنا القومية والدينية مذهولة ومصدومة أمام الاحداث المؤلمة التي عصفت بشعبنا الطيب المسالم وأثبتت هذه المؤسسات بأنها لا تحمل أية أستراتيجية أو خطة لمواجهة الكوارث أو فعاليات نشيطة لحماية شعبنا والحصول على الدعم الدولي له. وما فعلته أمام الكارثة لم يتجاوز غير المسيرات واللقاءات ورسائل الاستعطاف والاستهجان والتي لا تصل الى مستوى الكارثة والحدث اللذان يتطلبان رد فعل سريع وفعال . كما ظهرت أيضاً أن الرهانات على الوطنية والاخوة التي كانت تتصدر تصريحاتهم ليست الا وهم لا يحقق الامان والامن لشعبنا الطريد اليوم .
أن الفدرالية التي نص عليها الدستور العراقي الجديد تعطي الحق لشعبنا للمطالبة بأقليم خاص به في سهل نينوى مشاركاً بقية المكونات فيها . وأن أي عودة لابناء شعبنا الى قراهم ومدنهم والعودة الى حياتهم العادية السابقة ومن دون مطالب ترتقي الى هذا السقف وتوفر لهم الامن والامان الدائم والعيش الكريم لا يعتبر نصراً أوانجازاَ ولا يعكس الا فشل قيادات شعبنا الذين ظلوا طوال سنوات عديدة في ابراز عضلاتهم الهشة ويهذوّن في خطاباتهم وندواتهم .
أن نظام الاقاليم هو الانسب للدول التي تعيش فيها شعوب عرقية ودينية ومذهبية مختلفة لانه سيحد من أمكانية انتشار الاستبداد والطغيان ويمنع المكونات الكبيرة من السيطرة وأستغلال المكونات الصغيرة . وان وجود أقليم خاص لشعبنا سيعزز مشاعر وقيم الوحدة بين أبناءه ويعزز الانتماء الى الارض ليبتعد عن التسميات التي باتت سبباً لفرقتنا وتشتتنا ويشجع الفعاليات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ستجمعه. أن عودة أبناء شعبنا الى قراهم ومدنهم لا يحل المشكلة الرئيسية التي يواجهها اليوم وأنما تعتبر أغاثة مؤقتة الا اذا كان هناك مشروعاً مناسباً يحد من التمييز الديني ويصحح اثار الظلم السابقة ويرفع من معانات شعبنا في الماضي وخاصة مراجعة الدستور العراقي الجديد وحل مسألة وجودنا كمواطنين من الدرجة الثانية وكتابة دستور جديد علماني وديمقراطي صحيح يرمي الى تحسين تمثيل الاثنيات والاعراق والمذاهب والاقرار بحقوقهم التاريخية ويتجنب المحاصصة وليحكم على كل الفئات والمكونات مهما كانت كبيرة أو صغيرة بالاذعان والتقيد بالقانون الوطني فقط .
ان من يطالب اليوم بحكم ذاتي أو محافظة تابعة للمركز أو للاقليم ظمن أطار الدستور العراقي الزائف أو على أساس الحوار السياسي والتفاهم مع الحكومة والمكونات الدينية والمذهبية في حكومة المحاصصة السيئة الصيت يجب عليه ان يعلم بان هذا المطلب هو غير واقعي وليس منطقي في ضوء هذه الفوضى التي تقود البلاد .وأنه بهذا المطلب لا يظمن سلامة شعبنا لانه سيتركه معرضاً للتهديدات ولنفس الظروف والاحوال التي مرت عليه خلال القرون الماضية . فالحكم الذاتي ليس الا نظام حكم تفرضه الحكومات الدكتاتورية على الشعوب الصغيرة التي تطالب بحرياتها وحقوقها القومية وهو ليس الا دواءاً مهدئاً يمنح للشعوب الصغيرة التي تطالب بحرياتها لانتزاع القوة منها وينتهي مفعوله مع الوقت لتستفيق هذه الشعوب وترفضه مرة ثانية.
لقد أثبت الواقع والاحداث أن المكونات الثلاث التي تتنافس على خيرات الوطن لن تهدأ وصراعها سوف يدوم . ان الامور يجب ان تاتي مفروضة عليهم حتى يحصل شعبنا على حقوقه .وهذا الفرض أما أن يكون بقوتنا أو بقوة الأخرين . وأننا أذا لا نمتلك القوة اليوم فيجب علينا ان نعمل معاً لامتلاكها بالتخطيط والمثابرة والعمل الدؤوب الصادق ومهما تطلب الامر والوقت . ولا حرج من أن نتسوّل على ابواب الحكومات والدول الكبيرة أو حتى أذا تطلب الامر أن نتحالف مع الشيطان كما فعلوا هم أنفسهم عندما أسقطوا الدكتاتور . ويكفينا التبجح بالكلمات القومية والوطنية والدينية والاراء والاستراتيجيات الباطلة التي أصبحت اسطوانات مشخوطة لا تخدم و لا تظمن اية حقوق أو تحمي شعبناً الاعزل المسالم و قد ثبت هذا بالتجربة وليس بالخيال . علينا جميعاً مهما أختلفنا بالتسمية والمذهب والفكر والمنطقة ان ننظّم انفسنا في استراتيجية واحدة تخدم المصلحة العليا لشعبنا في الوطن حتى لو تطلب الامربان نضغط على سياسيينا ومؤسساتنا الدينية والقومية لتعمل تحت راية واحدة والتي هي المصلحة العليا لشعبنا في الوطن الام .
يكفي ما حصل لنا لحد الان ويجب علينا ان لا نكون بالشعب الهيّن الذي يمكن ان يقظمه الجيران والاعداء المفترسين متى شاءوا بسهولة ويجب أن نلعب السياسة كما يلعبونها وبذكاء وخداع ومكر أما مسألة التحالفات مع هذه المكونات والتي تقوم بها بعض احزابنا التي أنتهت صلاحياتها فقد أصبحت لعبة قديمة غير نافعة لأن هذه المكونات الكبيرة يستغلوننا حتى يمضي الوقت علينا وليتم خداع المجتمع الدولي بوجود التعددية والديمقراطية في نظام الحكم في العراق لحين افراغ الوطن من شعبنا .
فنحن المسيحيون اليوم أمام أحد الخيارين أما أن نترك جبننا وخوفنا جانباً أو نترك الوطن لنمنح الفرصة لشعبنا حتى يعيش في سلام دائم في مكان آخرغيرالعراق الى أن يحين آوان العودة وكلاهما خيرٌ من أن يتم أضطهاده وقتل أطفاله وشيوخه وأغتصاب نسائه وتشريده بعد كل بضعة سنوات أو عقود ليهرب بجلده بائساً سالكاً الطرقات والجبال مرة آخرى طالباً الامان وليفرش الحدائق والساحات والخيم حيث يفتك به الموت والبرد والحر والجوع والامراض.
03 – تشرين الاول - 2014