الموت .....من وحي وفاة المرحوم نورالدين القس زيا
هذه ليست سيرة ذاتية للمرحوم نورالدين القس زيا بوبو، فهناك بالتاكيد من هم افضل مني لكتابة مثل ذلك لانهم كانوا اقرب اليه مني، ولكنها حوار مع الذات ومع الموت ومع الخلاف والاختلاف.
تعرفت على المرحوم حوالي عام 1974 او 1975، حينما كنا نعمل في لجنة الشباب الاشوري في كنيسة مار عوديشو في منطقة كراج الامانة او الصناعة، حيث علمنا من خلال الاخ شموئيل بيتو ان بعض الشباب في الموصل قد اسسوا لجنة للشباب ايضا، لذا فعند سفرنا الى الموصل يرحلة مكلفين بها من قبل لجنة الطلبلة الجامعيين الاشوريين في بغداد، للالتقاء بالطلبة الجامعيين في جامعة الموصل ودعوتهم لاحدى نشاطاتنا، استغلينا المناسبة للتعرف على اعضاء لجنة الشباب وباسم لجنة شباب مار عوديشو. التقيت هناك بالمرحوم والسادة ميخائيل ججو واشمائيل وبعض الوجوه الاخرى. هذه كانت فاتحة تعارفنا ولقاءاتنا الذي استمر متقطعا رغم اشتراكنا في مرحلة الكفاح المسلح، لان الخلافات السياسية والتنظيمية كانت حاجزا للالتقاء بين الاصدقاء الذين ربطهم الكفاح لاجل تحقيق اهداف الامة.
اليوم رحل نورا كما كنا نناديه او الدكتور هرمز كما بات يعرف في الكفاح المسلح، رحل وحمل معه كل الالام وكل الذكريات بمرها وحلوها، كما رحل الكثيرون وكما بات منتظرا لنا، اننا الى هذا الدرب سائرون، ولكن السؤال الذي سيبقى يتردد في ذهني، ماذا عن خلافاتنا، هل كانت تستحق ان نتقاطع، ان ننتقد بحدة. في نفس الفترة 1973_1975 تعرفت وعرفت وعرفني اغلب العاملين في المجال القومي اليوم، في تلك الفترة كانوا وكنا في نظر بعضنا البعض عضد وساعد ورفيق الدرب وان لم نكن في تنظيم موحد، كان يكفي ان نرفع شعارات العمل من اجل الامة، وان نتغنى بمجدها وتاريخها التليد لكي نكون جزء من الجوقة الصداحة في هذا الحقل الملئ بالالغام والمخاوف.
لم نختلف نحن من كنا في تنظيمات مختلفة، والتي لم تتاسس وتتنوع على الاساس الايديولوجي، فكلها كانت قومية وكفى، لم تكن هنالك طرق مختلفة، لانها كانت تبشير اكثر مما هي طرق وممارسة وطقوس وشعارت. الامة، حقوق الامة، بعث الامة، كنا شباب ماخوذين بالخوف من المدينة على الاكثر خوف البسانه لمن ولد فيها، لانه جعلنا في محيط اخر محيط يختلف عنا كليا (دينيا وقوميا) بعد ان كان عالمنا القرية واهتماماتها او العابها، كبرنا على الخوف والرعب والفقر، بعد ان تركنا قرانا التي احرقت وخسرنا كل ما كنا نملك لانه لا يمكن ان تنقل الحقل والبيدر وحتى الماشية تركت لمن كان الاقوى. اذا سرعان ما دب الخلاف وبتنا نسمع نغمات اخرى هذا عميل وذاك حائن، وهذا مساوم وذاك بائع. وصرنا نتفادي احدنا الاخر، لان اللقاء معناه المزيد من الغضب والمزيد من الاتهامات والمزيد من التباعد، المنتمون لمسيرة الامة الواحدة ياكلهم الانقسام والتشرذم، ولم يقف عند هذا الحد، لقد تجاوز التشرذم وشق رفاق الامس من مختلف الاتجاهات، وخلط الاوراق، وبقينا نخسر.... نخسر جهدا ونخسر قوة ونخسر الامال امل تلو الامل... ووصلت الخسارة الى كياننا ذاته، فهاهم الاصدقاء والاخوة والرفاق يتركون اوراقهم وخلافاتهم وجدالاتهم ويرحلون تاركين للفراغ لكي يملاء المساحة.
ذات يوم قلت لصديقي... اعتقد باننا سنرضى يوما بصفة المسيحي... لست ناكرا لمسيحيتي ولكن كان فخري واعتزازي اشوريتي كلدانيتي سريانيتي... شخصيا كنت اعشق قراءة تاريخ كنيسة المشرق، لانني كنت اراه نتاج شعبنا، وكنت اراه دورا ثانيا تلعبه امتنا في المسار البشري، ولكن هذا العشق كان اشوريا بامتياز ولم يكن مسيحيا كليا،رغم ان مسحيتنا تلونت بمعتقدات لاهوتية نابعة من ارض النهرين، من حضارة بابل ونينوى، ولذا فالمسيحية كانت عندي تنازل عن البعد الحضاري لقضيتنا القومية وحصرها في البعد الديني، اي ممارسة طقوس. ولن تهتم بالعلم واللغة والمشاركة السياسية والقانون. لقد كان قولي هذا انكسارا وهزيمة لما مارسته وامنت به، وها نحن ننهزم من الحياة. واحد تلو الاخر، نحمل كل ما نعتقده ونؤمن به ونرحل ونترك خلفنا الصمت....
معاركنا خلافاتنا ... هل كانت قدرا محتوما؟ لكي يتمكن الزمن من ان يرسم بريشته خطوطه البيضاء في شعرنا ويظلل تجاعيد وجهنا، لكي نكسب حكمة لم نتعلمها من الكتب التي كنا نتبادلها، بلهفة واحيانا بسرية؟ ام انه طيش شباب لم نخرج منه الا نازفي الجرح وخاسري العمر. هاهي موصل مرتع نورا تستباح ولا يسمح له بان يواري فيها، وهاهي بغداد التي كنت ازرعها شعارات بعرق الجبين لكي تنبت،وانا عنها ببعيد، كلانا سافر وارتحل ولم يحقق شيئا بل خسر الكثيرواولهم العمر....
ماهي التجربة التي سننقلها للاخرين، في مجادلة على صفحات الويب قلت لاحدهم ان للقضية الاشورية ملفات دولية يجب ان لا نفرط بها، لاننا كسبناها بدماء ودموع وجهد ابناء شعبنا، فقال بما معناه اللعنة على قضيتك وملفاتك الاشورية، هل هذا ما سوف ناخذه معنا اللعنة؟ نم صديقي في راحة ابدية فانت خرجت من دائرة اللوم والعتب الذي لايزال يهطل علينا، نم قرير العين في انتظار رحمة السماء.
تيري