بدءا لا يحق لنا كعلمانيين التدخل في الشؤون الكنسية الداخلية التي تخضع لقوانين هي في الأصل موضوعة لخدمة الكنيسة والمؤمنين والأكليروس مجتمعين، ولكنه في نفس الوقت يحق لنا أبداء الرأي في المواضيع التي قد تؤثر في مستقبل العلاقة بين الكنيسة والشعب من جهة، أو بين الكنيسة كرئاسة وبين الأكليروس من جهة أخرى، كون الأكليروس هو لبنة أساس الخدمة في الكنيسة وهو الذي كرس ذاته لهذه الخدمة.
موضوع الكهنة والرهبان المنتقلين الى أبرشيات الخارج دون أذن مسبق كلنا يعرف الأسباب الموضوعية التي دفعت بمجموعة الكهنة الذين تركوا أبرشياتهم في داخل العراق وأنتقلوا الى أبرشيات الخارج متخذين طريق اللجوء الأنساني أو زيارات الأهل سبلا للوصول الى الخارج، والأسباب معظمها معروفة وقاسية وخاصة تلك التي تلت سقوط بغداد في نيسان 2003 والتي على أثرها سقطت الدولة كنظام وكحكومة وكمؤسسات أمنية، وحلت محلها سلطات أحتلال ثم حكومات طائفية صاحب حكمها الكثير من الظلم ضد الشعب العراقي عموما وضد شعبنا المسيحي بصورة خاصة.
ورافق هذا الظلم أستهداف الكنائس ورجال الدين وعامة الشعب المسيحي وطال أيضا حياتهم وممتلكاتهم ووصل ذروة الأستهداف في يوم الأحد المصادف الأول من اب عام 2004 عندما تم أستهداف وتفجير وحرق كنائس في بغداد وكركوك والموصل في يوم واحد عندما كانت جموع المؤمنين تحضر قداديس مساء ذلك الأحد و راح ضحيتها العشرات من المؤمنين بين قتلى وجرحى، ومن ثم تلى ذلك التاريخ سلسلة لم تتوقف من الأستهداف المبرمج لكنائسنا ووصل عدد الكنائس المستهدفة الى حوالي ثمانين كنيسة ودير طوال السنوات العشرة المنصرمة ورافق ذلك خطف وقتل المئات وربما الالاف من أبناء شعبنا المسيحي ومنهم كهنة ومطارنة في الموصل وبغداد بصورة خاصة.
الكهنة ليسوا بمعزل عن الشعب وأرواحهم وعوائلهم هي اكثر أستهدافاوأزاء هذا الوضع الشاذ وبسبب عجز وتقصير الحكومات المتعاقبة وسلطات الأحتلال عن توفير الحماية لعموم الشعب وللمسيحيين منهم على وجه الخصوص كونهم الحلقة الأضعف في المعادلة العراقية غير المتوازنة وغير العادلة، لذلك تعرض أبناء شعبنا في الداخل ولا زالوا يتعرضون حتى هذه اللحظة الى أعمال الخطف والقتل بسبب المعتقد لغرض دفعهم لترك دورهم وممتلكاتهم وبلدهم والهجرة نحو المجهول، والهرب من الجحيم المستعر الذي أجج معه حرب نفسية ودينية شعواء ضد أبناء شعبنا المسيحي وخلق العداء والكراهية ضدنا وأحدث هوة أجتماعية توسعت كثيرا بمرور الزمن وأصبح أبناء شعبنا غير مرغوب بهم بين بقية أبناء الشعب العراقي وتلاشت سياسة التعايش المشترك بزيادة ثقافة الكراهية ضد أبناء شعبنا ووصلت الى ذروتها في أحداث الموصل وسهل نينوى الأخيرة عندما غدر من كانوا يسمون أنفسهم بالأصدقاء والجيران والزملاء بابناء شعبنا وسهلوا دخول أرهابيي داعش وغيرهم وقبلهم أرهابيي القاعدة وزارعي الفتن وساعدوا على سرعة ودفع أبناء شعبنا لترك منازلهم والهرب بعد أن خانهم هؤلاء وخانوا عشرة عشرات لا بل مئات السنين، وهو الأمر الذي دفع أبناء شعبنا للبحث عن ملاذ امن وأستقرار لهم ولأبنائهم بعد حياة مليئة بالأضطهاد والتفرقة العنصرية والتهميش.
رسالة البطريركية حول الدعوة لعودة الكهنة والرهبان الذين غادروا البلد أن رسالة البطريركية ودعوة غبطة أبينا البطرك لعودة الكهنة والرهبان الذين تركوا خدمتهم بدون أذن رسمي للعودة الى كنائسهم هي قانونية من ناحية طريقة ترك الخدمة بالعودة الى القوانين التي تحكم علاقة الكاهن برعيته وكنيسته ورئاسته وظروف ومكان خدمته، ولكنها في الجانب الاخر والأنساني منه على وجه الخصوص فيها الكثير من التساؤلات المشروعة التي لو نوقشت بهدوء وروية وكل حالة على حدة لتوصلت رئاسة البطريركية وغبطة أبينا البطرك الى قناعة تامة باحقية خروج أو هروب بعض الكهنة وخاصة من بعد العام 2004 للأسباب القاهرة التي ذكرناها في أعلاه، وربما لأعطى غبطته الحق الى الظرف القاهر الذي أجبر الكاهن على الهرب هو وعائلته، كما حدث مع هروب مئات الالاف من أبناء شعبنا المسيحي من بغداد والبصرة والموصل وكركوك وعموم العراق.
حالة الكاهن الأب بطرس لورنس مثالا بعد أن قرأت رسالة الأب الكاهن بطرس لورنس معاون خورنة كنيسة مار ميخا في ألكاهون بساندييكو حاليا، والمنشورة على موقع كلدايا نت واليكم الرابط أدناه لرسالته الموجهة الى السادة الأساقفة والاباء الكهنة ولم تعنون الى غبطة البطرك مار لويس ساكو كونها شكوى ضد البطرك نفسه، ويطلب فيها من السادة الأساقفة والاباء الكهنة الأجلاء بعد أن يقرأوا رسالته أن ينصفوه، وفيها يذكر اسباب وظروف هروبه أولا من أبرشية البصرة بعد تعرض حياته لخطر التهديد بالموت وتوجه الى بغداد بعد نصيحة سيادة المطران مار جبرائيل كساب للتواري عن الأنظار، وبقائه في بغداد لفترة ومن ثم أنتقاله الى أمريكا ساندييكو عن طريق الهجرة الأنسانية عبر تركيا التي مكث فيها هو وعائلته، وهو يتسائل هل هو على حق أم لا، وهل يستحق أن يطلق عليه خارج عن القانون أم لا كونه قد أبلغ مرؤسيه.
http://www.kaldaya.net/2014/Articles/10/07_FrPeterLorance.htmlوبعد قراءتي لرسالة الأب بطرس لورنس بتمعن ولكوني قد رافقت جزءا من مسيرته التي بدأت من تركيا حيث خدم كنيستنا هناك خلال فترة بقائه هو وعائلته كلاجئين ينتظرون القبول من أمريكا، وكذلك لكوني قريب منه ومن الكنيسة – كنيسة مار ميخا - هنا في ساندييكو وأحضر أحيانا قداديس يقيمها سيادته، يمكنني القول وهي وجهة نظر شخصية محايدة بان الأب بطرس لورنس محق تماما في كل ما سرده في رحلة هروبه من البصرة الى بغداد ومن ثم الى تركيا ومن تركيا الى أمريكا، هذا من ناحية، وثانيا أنني شخصيا من المعجبين بثقافة وكرازة الأب بطرس الذي يعطي دوما أمثلة حية ومعاصرة يربطها مع فكرة الأنجيل وله حداثة في الطرح وأسلوب لا يخلو من الفلسفة التي تخدم أحيانا كثيرة أثناء الكرازة، والشيء الذي أختلفت فيه مع الأب بطرس دون أن أواجهه هو دوره في تفكيك أخوية كنيسة مار ميخا وفيها تم طرد حوالي 170 شابا وشابة من الأخوية، وفي هذه النقطة أيضا أنني أعتبره تطبيق لتعليمات رئاسة الأبرشية هنا في ساندييكو دون مناقشة أقنعت المؤمنين وأقنعتنا وقد تحدثنا وتحدث الكثيرون عن هذا الموضوع ولا داعي لأثارته مجددا هنا كون الموضوع المطروح يختلف عن موضوع الأخوية.
الأسباب الموضوعية التي أعتقد أنها كانت السبب في أصدار البطريركية دعوتها لبعض الكهنة والرهبان للعودة الى العراق أعتقد ويعتقد الكثيرون معي بان أحد أهم الأسباب التي دفعت ببطريكتنا وغبطة البطرك مار لويس ساكو لدعوة الكهنة والرهبان الذين تركوا كنائسهم وأديرتهم دون أذن قانوني مسبق من أبرشياتهم للعودة ثانية الى العراق، هو للأشكاليات التي حدثت بين البطريركية من جهة وبين رئاسة أبرشية مار بطرس في ساندييكو من جهة اخرى، هذه الأشكالية التي خلقت نوعا من التنافر بينهما لأسباب قد لا نعلم جميع أسبابها ولكن التي طفت منها على السطح هو بسبب الخط المتشدد الذي بدأ من ساندييكو بتوجيه نقد الى البطريركية في مناسبات عديدة والى وصف البطريركية وغبطة البطرك بالجهلة الذين لا يعرفون تاريخ كنيستهم، وفي النهاية الى توجيه نقد قاسي ومباشر الى غبطة البطرك ووصفه بالأعمى وكيف يضع يده في يد المسلمين أو يثق في الأسلام، بينما غبطته هو وحده وأبنائه النازحون يعيشون في وسط المسلمين، وهو أيضا لوحده وبعض مطارنته الأجلاء يعيشون عصر النكبة الكبيرة مع نازحي أبناء شعبنا وعليهم أستخدام العقل والحكمة في التعامل مع الوضع الأستثنائي وفي هكذا ظروف صعبة، وكما وصل الأمر الى أتهام غبطته باتباع سياسة خاطئة – عدم انتقاد الحكومة مباشرة أو دعوة المهاجرين للعودة الى ديارهم وسياسة مرنة مع الحكومة ومع الذين يمثلوننا في السلطات التشريعية والتنفيذية دون أن يقدموا هؤلاء شيئا يذكر لمسيحيي العراق، وأعتقد بان فلسفة هذه السياسة هي من صلب أيمانه المسيحي الذي يدعو الى السلام والمحبة ونبذ العنف، واليوم وصل الأمر الى أتهام غبطته بالمشاركة في قتل وتهجير المسيحيين كما جاء في رسالة السيد عامر فتوحي قبل ايام ونشرها (موقع كلدايا نت) مفتخرا بما جاء بها من كلام خطير وأتهام غير لائق وأسلوب غير مهذب أبدا بحق - غبطة البطرك الذي هو بامس الحاجة الى المؤازرة والدعم المعنوي وحتى المساعدة في الأرشاد وأبداء الاراء - وغيرها من الأمور التي قد تخفف من الام النكبة الكبيرة التي يمر بها شعبنا المسيحي في العراق، أنظر الى الرابط أدناه حول رسالة السيد عامر فتوحي.
http://www.kaldaya.net/2014/Articles/10/02_AmirFatouhi.htmlوالسبب الاخر الذي دفع الجانب المتشدد والمتمثل في رئاسة أبرشية ساندييكو في محاربة غبطة البطرك هو لأيمان غبطته بالوحدة المسيحية التي رفعها شعرا لرسالته وهي الوحدة مع مسيحيي العراق عموما ومع أخوتنا من أبناء كنيسة المشرق الاشورية بصورة خاصة، وهو الذي أغضب جماعة ساندييكو المتشددين الذين لا يرغبون ببقيام أية وحدة من هذا النوع معتقدين بان الجلنب الاخر – أخوتنا الاشوريين – يريدون أحتوائنا قوميا ولا يعترفون بقوميتنا الكلدانية التي يعتبروها مذهب كنسي وهو الأمر الذي زاد من الهوة بينهما (البطريركية وأبرشية مار بطرس في ساندييكو) وكثر معها الأنتقادات ضد غبطته وخاصة بعد زيارته الى غبطة مار دنخا الرابع جاثاليق كنيسة المشرق الاشورية في مقره بمدينة شيكاغو قبل أشهر قليلة, برأي هذه الأمور مجتمعة وما رافقها من أنتقادات غير مبررة وغير لائقة ضد غبطته والبطريركية هي التي سارعت من مطالبة غبطته بعودة الكهنة الى كنائسهم الأصلية في العراق خاصة ان معظم هؤلاء الكهنة والرهبان يخدمون في كنائس أبرشية مار بطرس في غرب أمريكا.
مناشدةأنني ومن هذا المنبر الحر ومن الجانب الأنساني أناشد غبطة البطرك مار لويس ساكو بان يعفي أبنائه الكهنة من الذين أجبرتهم ظروفهم الصعبة وظروف شعبنا المسيحي وخاصة بعد العام 2004 للهرب من العراق، وأن تقوم اللجنة القانونية في البطريركية بتسوية ملفاتهم قانونيا أستنادا للظروف القاهرة القائمة اليوم، وأني على يقين بان غبطته واللجنة المذكورة يعرفون تماما ما يحدث اليوم في العراق وهم وحدهم أكثر من يستطيعون تقدير الموقف الصعب للاباء الكهنة المذكورين في رسالة البطريركية.
كوركيس أوراها منصور
ساندييكو - كاليفورنيا