اعلام وأسماء منسيه / بقلم سلوان ساكو
سوف أتناول في هذا المقال المتواضع ، اسماء قلمة يتداولها الناس ، وأصبحت مع مرور الأيام منسية لا احد يذكرها تقريبا ، وان ذكرها كاتب في مقال او تحدث عنها محاضر في ندوة اثارت السؤال والاستغراب ، مع العلمْ ان هذه الأسماء نشرت من الكتب والمواد العلمية الكثير وكان لها الإسهام الكثير في الأدب والسياسة والدين والفلسفة والفكر بصورة عامة ، وتركت هذه الشخصيات مناهل من دراسات وبحوث ومقالات ، نستقي منها الى حد الان بعد مرور عشرات السنين على رحيلها . وسوفة اطرح في هذه السلسلة اسمان فقط على أمل ان أتناول في مقالات قادمة اسماء اخرى تركت اثر في هذا العالم ورحلت بسكوت دون ضجة . الاول هو الفيلسوف د. اسماعيل ادهم ، والثاني الكاتبة والباحثة أبكار السقاف.
إسماعيل أحمد إسماعيل إبراهيم أدهم ( 1911 - 1940 م) كاتب مصري ولد بالإسكندرية وتعلم بها، ثم أحرز الدكتوراه في العلوم من جامعة موسكو عام 1931، وعُيِّنَ مدرسًا للرياضيات في جامعة سانت بطرسبرج، ثم انتقل إلى تركيا فكان مدرساً للرياضيات في معهد أتاتورك بأنقرة، وعاد إلى مصر سنة 1936. وهو من الكُتاب المسلمين الذين أعلنوا إلحادهم وكتبوا فيه ودافعوا عن أفكارهم بالعلم والمنطق والحجة. وله في ذلك كتيّب بعنوان "لماذا أنا ملحد؟". وقد أعلن في هذا الكتيب أنه سعيد مطمئن لهذا الإلحاد، تماما كما يشعر المؤمن بالله بالسعادة والسكينة.
ولد لأب مسلم وأم مسيحية ألمانيه تعاهد زوج عمته تعليمه وتربيته تربيه اسلاميه فحفظ القرآن قبل أن يبلغ العاشره من عمره فقال في كتابه عن هذه التجربه ...غير أني خرجت ساخطا على القرآن لأنه كلفني جهدا كبيرا كنت في حاجة إلى صرفه إلى ما هو أحب إلى نفسي، وكان ذلك من أسباب التمهيد لثورةٍ نفسيةٍ على الإسلام وتعاليمه. ولكني كنت أجد من المسيحية غير ذلك، فقد كانت شقيقتاي، وقد نالتا قسطا كبيرا من التعليم في كلية الأمريكان بالأستانة، لاتثقلان عليّ بالتعليم الديني المسيحي. وكانتا قد درجتا على اعتبار أن كل ما تحتويه التوراة والإنجيل ليس صحيحا. وكانتا تسخران من المعجزات ويوم القيامة والحساب، وكان لهذاكله أثر في نفسيتي ".
يقول إسماعيل أدهم:-وفي هذه الفترة قرأت لداروين أصل الأنواع وأصل الإنسان وخرجت من قرائتهما مؤمنابالتطور. وقرأت مباحث هكسلي وهيكل والسر ليل وبيجهوت وانكببت أقرأ في هذه الفترة لديكارت وهوبس وهيوم وكانت ، وأنا لم أتجاوز الثالثة عشرة من سنى حياتي .ولكني لم أكن أفهم كل ماأقرأه لهم . وخرجت من هذه الفترة نابذا نظرية الإرادة الحرة ، وكان لسبينوزا وأرنست هيكل الأثر الأكبر في ذلك. وقد عرَّف أدهم الإلحاد على النحو التالى: "الإلحاد هو الإيمان بأن سبب الكون يتضمنه الكون في ذاته وأن ثمة لا شيء وراء هذا العالم"، ومن رأيه أن "فكرة الله فكرة أولية، وقد أصبحت من مستلزمات الجماعات منذ ألفي سنة، ومن هنا يمكننا بكل اطمئنان أن نقول أن مقام فكرة الله الفلسفية أو مكانها في عالم الفكرالإنساني لا يرجع لما فيها عناصر القوة الإقناعية الفلسفية، وإنما يعود لحالة يسميها علماء النفس التبرير . ومن هنا فإنك لا تجد لكل الأدلة التي تقام لأجل إثبات وجودالسبب الأول قيمة علمية أو عقلية. ونحن نعلم مع رجال الأديان والعقائد أن أصل فكرة الله تطورت عن حالات بدائية، وأنها شقت طريقها لعالم الفكر من حالات وهم وخوف وجهل بأسباب الأشياء الطبيعية. ومعرفتنا بأصل فكرة الله تذهب بالقدسية التي كنا نخلعها عليها
وحين يتكلم عن الإلحاد الذى انتهى إليه بعد دراسته للرياضيات فى روسيا يقول: "وكانت نتيجة هذه الحياة أني خرجت عن الأديان وتخليت عن كل المعتقدات وآمنت بالعلم وحده وبالمنطق العلمي، ولشد ما كانت دهشتي وعجبي أني وجدت نفسي أسعد حالا وأكثر اطمئنانا من حالتي حينما كنت أغالب نفسي للاحتفاظ بمعتقد ديني. وقد مكَّن ذلك الاعتقادَ في نفسي الأوساطُ الجامعيةُ التي اتصلتُ بها إذ درستُ مؤقتا فكرتي في دروس الرياضيات بجامعة موسكو سنة 1934... فأنا ملحد، ونفسي ساكنة لهذا الإلحاد ومرتاحة إليه،فأنا لا أفترق من هذه الناحية عن المؤمن المتصوف في إيمانه.
إنه اي اسماعيل أدهم ناقد ولد كبيراً ومات عبقرياً. وتحول إلى مجموعة من الأعمال الكاملة صدرت بما يقارب الألفين صفحة بالعربية عن دار المعارف (1984-1986)غير ألف أخرى بالتركية والألمانية والانجليزية والروسية بعضها مطبوع وأكثرها مخطوط. كل هذا كان في أقل من عقد.
مات الساعة الثانية صباح الثلاثاء 23 يوليو 1940، على شاطئ البحر بالإسكندرية، كان إسماعيل أدهم ماشي بجانب الشاطئ وفي يده شوكولاته يأكلها ويفرق منها على الاطفال الذين يقابلهم في طريقه، وفجأة لقاه الناس بيرمي نفسه في البحر، حاول بعض الناس أن ينقذوه لكن كل المحاولات فشلت. بعد بضع ساعات نجح البوليس والمطافي باخراج جثته من الماء وعثر البوليس في جيبه رساله شخصية منه لرئيس النيابة يقول فيها أنه انتحر لزهده في الحياه وكرهه لها.
في عدد مجلة الرسالة المصرية رقم 366 بتاريخ 8 يوليو 1940، نُشر لإسماعيل أدهم مقال علمي في أربع صفحات مليء بمعادلات فيزياء معقدة سماه (البنية الكهربية للذرة) THE ELECTRICAL STRUCTURE OF THE ATOM ، بيقول فيه إن الذي توصل إليه العالم الألماني «هايزنبرگ» هو أثبته قبلها بسنين فى معامل البحث العلمي في موسكو. وإن الذي أعلنه البروفسور الروسي «سكوبلزن» سنة 1938 ينسجم مع مبادئ الفيزياء الحديثة التي أثبتها سنة 1933.
بعد ايام قليله من نشر هذا المقال، أعلنت وفاة د.إسماعيل أحمد أدهم غرقا على شاطئ «جليم» بالاسكندرية، وقيل لهم أنهم عثروا في جيبه على رسالة يقول فيها أنه انتحر ويطلب تشريح جثته ومخه وحرق جثمانه بدلاً من دفنه. ومعروف أن دعوى الانتحار هي أقدم وأشهر طرق الاغتيال عند المخابرات. والغريب إن الرسالة لم تبتل من ماء البحر مع أنها كانت فى جيبه حين غرق. كما أن من يطلب تشريح جثته ودماغه لن يرمى نفسه فى البحر كي يأكله السمك أو تختفى جثته.
من أبرز مؤلفات أسماعيل أدهم :
- الرياضيات والفيزيقا *1– مجلدين باللغة الروسية
- تاريخ الأسلام – ثلاث مجلدات باللغة التركية
- أضاءة الدرب – باللغتين العربية والأنكليزية – دراسة عن الشاعر أحمد زكي أبو شادي .
- توفيق الحكيم الفنان الحائر – دراسة عن توفيق الحكيم -
- خليل مطران شاعر العربية الأبداعي – دراسة عن خليل مطران
- دراسة عن الاديب ميخائيل نعيمة
- دراسة عن الأديب والمفكر طه حسين
- دراسة عن المفكر المصري أسماعيل مظهر
- دراسة عن الشاعر التركي عبد الحق حامد
- بحث في النظرية النسبية – مجلة الرسالة . والكثير من الإسهامات والدراسات والكتب . كل هذا في اقل من ١٠ سنوات .
اما الثانية فهي الكاتبة والباحثة والمفكرة ابكار محمد السقاف / ولدت سنه 1913م لأب يمني وأم تركية والدها محمد السقاف من عائلة ظلت تشارك في مسار السلطة بحضرموت ردحاً من الزمن شارك في ثورة العرب الكبرى على الإحتلال بقيادة الشريف حسين عام 1916م ولم يكن السقاف يطمح الى الوحدة بين اليمنيين الشمال والجنوب فحسب، بل كان يسعى إلى أن يربط بين العالم العربي من شرقه الى غربه وتمثل ذلك في محاولته تزويج ابنته أبكار لأمير برقة السنوسي ملك ليبيا فيما بعد .. في كنف هذا الأب العروبي عاشت ابكار ورضعت أفكار الحرية والنضال.
كانت تنتمي إلى أسرة مرفهه وتلقت تعليماً مميزاً حيث أجادت اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.
تمت خطبتها في سنة 1929 م على الأمير محمد إدريس السنوسي أمير برقة ، قبل أن يصبح ملكاً على ليبيا، إلا إن الخطبة تم فسخها سنة 1930 م لأسباب غير معلومة.
تزوجت من مصطفى الخربوطلي الذي توفي بعد زواجه منها بثلاثة أشهر فقط إثر إصابته بالزائدة الدودية.
ثم تزوجت سنة 1960 م من عمر بسين وهو تركي الأصل، وقد توفي بعد زواجه منها بثلاث سنوات.
*-----------------*
تناولت أبكار في مؤلفاتها موضوعات لم يكن من السهل نشرها في مصر في الخمسينات وقد رفض معظم الناشرين مساعدتها إلى أن وافقت مكتبة الأنجلو المصرية على نشر الجزئين الأول والثاني من كتابها "نحو آفاق أوسع" إلا إن الرقابة صادرت النسخ المطبوعة.
و أتهمت أبكار السقاف بالكفر من قبل متشددين وما زال هؤلاء يهاجمونها حتى بعد وفاتها بعشرين عاماً.
مؤلفاتها
كتاب (نحو آفاق أوسع المراحل التطورية للإنسان في ثلاثة اجزاء صدر منه الجزء الاول والثاني ثم صودرا والجزء الثالث لم يصدر بعد .. وقد تحمس لنشر هذا الكتاب الكاتب الكبير عباس العقاد، نشرت الجزء الأول والثاني مكتبة (الانجلوا المصرية).
> كتاب إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة صدر في طبعته الأولى سنة 1965م عن دار الكاتب ثم صدر في طبعة ثانية سنه 1997م عن مكتبة مدبولي وقد أهدت هذا الكتاب لأستاذها عباس العقاد.
> كتاب (الحلاج) صدر سنة 1995م بمقدمة للباحث المصري مهدي مصطفى .
> كتاب (محمد النبي) لم ينشر بعد.
> كتاب (المسيح) لم ينشر بعد.
> كتاب (النبي موسى) ماتت قبل إتمامه وما تم منه لم يصدر بعد.
> كتاب (السهر وردي) ماتت كذلك قبل إتمامه وما تم منه لم ينشر .
> كتاب (مقدمة اللغات) كذلك لم يكتمل ولم ينشر ما تم منه.
> كتاب (همسة في أذن إسرائيل ) كتبته باللغة الإنجليزية وصدر بها ولم يترجم الى العربية.
> كتاب (أصداء متفرقة - سيرة ذاتية - نشرته دار العصور الجديدة سنة 2001م بمقدمة للكاتب والباحث مهدي مصطفى بعد أن ظل غائباً منذ عام 1962م حين اتمت كتابته.
> كتاب الليل والقلم ديوان شعر لم ينشر بعد.
إضافة الى العديد من المقالات التي كتبتها لصحف مختلفة في مصر وربما كانت لها كتب أخرى قد فقدت أو مازالت حبيسة عند (البعض)..
ممن لم ترق لهم كتاباتها....
وظلت ابكار رفيقة للقلم وللكتاب حتى توفيت بـ الكويت سنة 1989م عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً..
وأخيراً يقول الكاتب (مهدي مصطفى): (والعجيب) ان أبكار السقاف التي نضجت تماماً في أربعينيات القرن الماضي مع نضج العقل المصري والعربي غابت بالرغم من حفظ التاريخ لكل الحركات السرية الثقافية وغير الثقافية حتى الهامشي منها مثل جماعتي (الخبز والحرية) و(الفن والحرية) والجماعات الأقل شأناً وهو موقف لا يزال غامضاً تجاه مفكرة في حجم أبكار)..
توفيت أبكار السقاف بالكويت أثناء زيارتها لشقيقتها سنة 1989 م.