رحيلك كان مبكرا يا دكتور هرمز

المحرر موضوع: رحيلك كان مبكرا يا دكتور هرمز  (زيارة 2099 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل توما خوشابا

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 6
    • مشاهدة الملف الشخصي
رحيلك كان مبكرا يا دكتور هرمز



توما خوشابا

نعم.. لقد كان رحيل المناضل نور الدين زيا بوبو المكنى (الدكتور هرمز) مبكرا من نواحٍ عدة، ولكن هذا هو حال الدنيا.. فالموت ليس لديه زمان ومكان محددين فهو ظل للإنسان.
عُرف الرفيق الدكتور هرمز بداية من خلال سمعة وصيت والده الخورأسقف المرحوم زيا بوبو الذي اشتهر بالجرأة في مواقفه القومية إبان فترة النظام السابق بل وحتى قبل مرحلة هذا النظام، وكذلك في تضحياته وتضحيات عائلته. وبعد إعلان (زوعا) للكفاح المسلح في عام 1982 عُرف الدكتور هرمز كأحد القادة المؤسسين للحركة الديمقراطية الآشورية وكقائد ميداني في منطقة بهدينان.. وذلك بفعل قيادته لمفارز الحركة ودوره البارز بين جماهير شعبنا في المناطق التي لم تكن تحت سيطرة النظام.
وبعد انتفاضة آذار عام 1991 ذاع صيته بين الجماهير أكثر خصوصا في محافظة دهوك نظرا لمواقفه المتميزة بالجرأة في الدفاع عن مصالح وحقوق أبناء شعبنا خصوصا إثر الأحداث التي جرت بعد عودة أهالي محافظة دهوك من المناطق الحدودية والفوضى العارمة التي كانت قد حلت من جراء عمليات السلب والنهب والتي تعرض أبناء شعبنا لقسط كبير منها.
إلى جانب ذلك فقد كان قد تسنم الرفيق هرمز في بداية التسعينيات مسؤولية فرع دهوك الذي كان يعتبر الفرع الأكبر والأكثر أهمية ضمن الخارطة التنظيمية لزوعا، وقد ترك بصماته في تنظيم الحركة وجمهورها في دهوك إلى يومنا هذا.
لقد كان لقائي الأول بالرفيق الدكتور هرمز في نهاية آب من عام 1986، وذلك عندما كنت ذاهبا إلى مقر الحركة في منطقة (سيدرة) أنا وابن خالي سالم وردة (وهو حاليا في كندا) لأرتب مع الرفيق (سينشر) الذي هو شقيقي (بينخس) وكان مسؤولا عن مقر (سيدرة) حول كيفية التحاقي بالحركة وكذلك عائلتنا، أي على غرار ما حدث مع عائلة الدكتور هرمز عند التحاقهم بمقر (زيوا). وعندما التقينا بمفرزة الحركة والتي كانت تضم بالإضافة إلى الدكتور هرمز حيذاك الرفيق يونادم كنا والرفيق صنخو أيوب خان وآخرين، ومضينا سويا حتى قرية (بوتكي) في أعالي جبل (كارا) وأمضينا تلك الليلة عند العم (انويا ياقو) المعروف بـ (انويا كرّي)، وفي اليوم التالي ذهبت إلى مقر (سيدرة) حيث تم الترتيب لكل شيء وعدت بعدها إلى بغداد. وبعد عشرة أيام تقريبا تم اعتقالي وعائتلي أيضا في سيطرة دهوك عند محاولتي الوصول إلى المكان المتفق عليه وهو قرية (ماهودي).
أما اللقاء الثاني فقد كان بعد خروجي من سجن أبو غريب في نهاية عام 1990، فبعد أشهر قليلة اندلعت انتفاضة آذار عام 1991، وعلمت بأن هناك مفرزة للحركة في منطقة (مركا) على الحدود العراقية التركية فتوجهت إلى هناك والتقيته مرة ثانية وكان معه الرفيق أبرم باكوس (مقصود) والرفيق تيادور برخو (نينب)، وفي اليوم التالي أو الذي بعده.. لا أتذكر بالضبط، عدنا جميعا إلى زاخو وفي نيتنا الوصول إلى دهوك، وبعد الاستفسار عن طبيعة الطريق إلى دهوك من قبل السواق والأهالي حول ما إذا كان سالكا وخاليا من قوات النظام، أكدوا لنا بأنه مؤمّن تماما، فاستقلينا نحن الأربعة سيارة أجرة وتوجهنا إلى دهوك. وبدا لي أن السائق كان قد شعر بأننا ربما ننتمي إلى جهة سياسية معينة، لا أدري كيف!!، قد يكون ذلك من خلال هيئتنا أو طريقة حديثنا معه. عموما انطلقنا ونحن مطمئنون بأن كل شيء على ما يرام، إلى أن حصل الموقف الذي لم نتوقعه إطلاقا.. وهو: عند اقترابنا من قضاء سميل ذُهلنا من كثافة قوات النظام الموجودة على مشارف القضاء، والمشكلة هي أننا لم يعد بإمكاننا أن نعود أدراجنا بسبب زخم المركبات التي كانت خلفنا، وما هي إلا دقائق قليلة حتى رأينا أنفسنا نقف في نقطة تفتيش (سيطرة) تابعة للنظام، والمكان مكتض بأصحاب البدلات الزيتوني، حينها نظرت إلى الدكتور هرمز وأذكر ذلك جيدا.. لم أرى في ملاحمه أدنى علامة خوف أو ارتباك.. بل كان محافظا على اتزانه رغم أنه كان صيدا ثمينا ودسما بالنسبة للنظام. وطُلبت منا هوياتنا.. حينها بادر السائق جزاه الله خيرا بالإجابة وقال: إنهم جنود ووحداتهم العسكرية في الجنوب.. جاءوا بحثا عن أهاليهم الذين نزحوا إلى الحدود مثل مئات الآلاف من الناس، فسُمح لنا بالعبور ودخلنا إلى سميل وإذا هي الأخرى ملغومة بالكامل بمختلف صنوف قوات النظام، وفي الحال توجهنا إلى منزل ابن عم الدكتور هرمز ويدعى (دانيال) رحمه الله ومكثنا في بيته. وفي الرابعة فجرا أوصلَنا بسيارته عبر طريق خارجي إلى مكان آمن ومنه عدنا إلى زاخو ثانية، وكان هذا من أكثر المواقف حرجا الذي واجته مع الرفيق هرمز بوبو.
لقد وجدت في شخص الرفيق هرمز بوبو طيلة الفترة التي عرفته فيها التصاقا عميقا بقضية شعبنا واستعدادا دائما لخوض أكبر التحديات مهما كانت عواقبها إذا كان ذلك يصب في مصلحة شعبنا، حيث كان معروفا عنه بالثبات وعدم التردد أو الخوف في أوقات المحن، مما كان يمنح شعورا لدى الرفاق بالقوة والإقدام والثقة بالنفس، حيث تلمست ذلك عن قرب من خلال عملنا سويا طيلة الأعوام من 1991 لغاية 1995.

إنني هنا لا أريد أن أذكر صفاته الإيجابية كونه قد رحل عنا.. مستغلا بذلك الجانب الإنساني والعاطفي، حيث بالتأكيد كانت لديه أيضا صفات قد نختلف معها ونعتبرها سلبية.. وهذا أمر طبيعي، فكلنا لدينا في شخصنا ما هو إيجابي وما هو هو سلبي، وهذه هي طبيعة شخصية الإنسان. عموما.. فالحالة المميزة لدى الدكتور هرمز هي أنه كان يفرض احترامه على الآخرين بتاريخه ونضاله وتضحياته وتضحيات عائلته، فحتى عندما اختلفت معه أنا شخصيا كنت أحترمه لأنه كان يستحق ذلك.
تغمده الرب بواسع رحمته، وألهم زوجته وأبنائه ونحن جميعا الصبر على هذه الخسارة الجسيمة.