المدارس المسيحية في الموصل.. حواضر عريقة في مواجهة المحنة

المحرر موضوع: المدارس المسيحية في الموصل.. حواضر عريقة في مواجهة المحنة  (زيارة 414 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سامر ألياس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 323
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المدارس المسيحية في الموصل.. حواضر عريقة في مواجهة المحنة
سامر الياس سعيد
المدارس المسيحية في مدينة الموصل تواجه واقعا محزنا ومؤلما خصوصا لما تمتلكه تلك المدارس، التي يطلق عليها أيضا تسمية المدارس الطائفية كون عائديتها تعود للطوائف المسيحية في المدينة من تاريخ طويل ومشرف وتستمد عراقتها من خلال توالي مئات الأعوام حتى ان بعضا من تلك المدارس تجاوزت أعمارها القرن ومازالت عتباتها محطات لتخريج الكفاءات التي ترفد المجتمع بعطائها..
 والازمة التي تعيشها تلك المدارس تتلخص بتعرضها لتشويه هويتها التي حرصت على المحافظة عليها طيلة أعوامها السابقة  فالمدينة القديمة تحتضن عددا من تلك المدارس مازالت رياح الذكريات تهب على المتخرجين من تلك الحواضر التربوية خصوصا اذا ما ورد ذكرها او صادف ان مر احدهم بالقرب من بوابتها التي تمثل صندوق الذكريات التي لاتنتهي..
في الوقت الذي تستعد فيه مدارس العالم لاستقبال تلاميذها والشروع ببداية عام دراسي جديد فقدت تلك المدارس روادها سواء من التلاميذ ام من الهيئات التعليمية.  ولكن الذاكرة تستحضر العديد من المراحل والحقب التي مرت بها تلك المدارس لتحكي قصصا وروايات عن انحسار الوجود المسيحي في المدينة، وخير من يحكي تلك القصص هو المدارس المسيحية الموجودة في المدينة..
لدى الحديث عن المدارس المسيحية فالمتابع يستحضر عددا منها ابرزها مدرسة الغسانية التي استبدل النظام السابق اسمها بعد ان كانت عبر عقود تعرف بمدرسة (مار توما) لمجاورتها لأقدم كنائس المدينة، وعادت تلك التسمية بعد العام 2003 لتتخذ من موقع قريب من مديرية تربية نينوى موقعا لها، بينما بقيت مدرسة الغسانية في موقعها المجاور لكنيسة الطاهرة بمحلة الشفاء رغم ان هذا ليس بموقعها الأصلي فالموقع القديم كان في محلة الساعة بجوار كنيسة مار توما كما ذكرنا سلفا وكانت تلك المدرسة مثارا للعديد من الذكريات والقصص التي سطرها تلاميذها بالإضافة الى انها مثلت اقدم المدارس التي استقبلت التلميذات لتشهد المدينة معها بوارد نهضة التعليم النسوي بعد ان كان مجتمع الموصل يفرض العديد من المحاذير إزاء تلك التجربة التعليمية.
 اما مدرسة (شمعون الصفا) فهي الأخرى تتميز بالعراقة حيث يتجاوز عمرها المئة عام وعرف عنها أنها حاضرة تربوية لم تكتف بتخرج الكوادر المتميزة لتخدم مجتمع المدينة والبلد بوجه العموم  بل تميزت بالكفاءات التربوية التي خدمت في هذه المدرسة وباشرت مسيرتها الى جانب مهنة التعليم  في توثيق مجريات المدينة وأحداثها ومن تلك الاسماء يبرز اسم مديرها السابق المؤرخ الموصلي المعروف بهنام سليم حبابة ..
اما الدواسة  المنطقة الموصلية المعروفة فقد عرفت الكثير من الحواضر الثقافية والعلمية  بالاضافة الى انها مثلت موقعا لمجالس الادباء والمثقفين لكن ما تميزت به تلك المنطقة الى جانب تلك الخصائص انها احتضنت مدرسة ام المعونة التي استمدت تسميتها من وجودها داخل الكنيسة التي انشئت بهذا الاسم في اربعينيات القرن الماضي ومن ابرز ما ترسخ في ذاكرة تلك المدرسة ان العديد من الاخوات الراهبات اضطلعن بادارتها بالاضافة لممارستهن التعليم فيها.
وفي منطقة الميدان القريبة من جامع النبي جرجيس(ع) تقع مدرستان، الاولى قبالة الجامع المذكور وتحمل اسم مدرسة الطاهرة ولها من التواريخ النصيب الاكبر  بالاضافة الى الاسماء اللامعة التي  كانت تلك العتبة الاولى لبروزهم الى المجتمع لينهضوا به ويرتقوا درجات العلم والمعرفة فيما تحتضن تلك الازقة القديمة من هذه المنطقة الموصلية  العريقة مدرسة اخرى باسم التهذيب وهي ملاصقة لكنيسة الطاهرة الداخلية في منطقة عرفت بوجود اكبر عدد من الكنائس القديمة فيها لهذا اطلق عليها (حوش البيعة) ..
هذه المدارس اليوم وفي ظل سيطرة التنظيم المتشدد على المدينة تبدو مهجورة وغائبة عن خصوصيتها لا سيما ميزة تعليم الدين المسيحي واللغة السريانية فيما تواجه محنة اكبر تتمثل بتغييب هويتها والعمل على تغيير عناوينها لتناسب المرحلة الراهنة الامر الذي يجعل هويتها الرئيسة في مهب الريح ويطيح بتاريخ حافل لم يواجه مثل تلك المحنة طيلة قرون خلت.
تعد  تلك المدارس ضمن الحواضر الثقافية التي طالما حرصت على المحافظة عليها الدول والشعوب كون المدارس مثلت عتبات رائدة في تقديم الكفاءات والنخب  وكل  تلك المدارس تحتفظ سجلاتها القديمة باسماء واصلت مسيرتها الحياتية لتتبوأ مناصب مهمة في الدولة كوزراء وقادة وبقوا على تواصل مع تلك المحطات الاولى لمشوارهم المعرفي يدينون لها بالفضل.  الى جانب ما تمثله تلك المدارس من محطات مهمة عبرت عن مد وجزر ازاء  اعداد مسيحيي المدينة فما بين اكتظاظ الصفوف وحكايات كثيرة التعايش والتآخي الذي شهدته سنوات  مضت وبقيت ايامها طرية بالذاكرة لم تبرحها، وما بين تناقص الحضور المسيحي في تلك المدارس حدّ عده على الاصابع في بحر السنوات القليلة الماضية  فكانت بحق تلك المدارس صفحات تؤرخ وتوثق الحضور المسيحي الذي يشهد اليوم نقطة فارقة في مدينة الموصل باختفاء هذا المكون وتناقص اعداده لدرجة كبيرة  تترجم مديات من التهميش والغاء الاخر وتشطب على مفردة التعايش والتي تنطلق بصورة ملموسة وبارزة في محافظات اقليم كوردستان من خلال ما تترجمه تلك المفردة من روابط المحبة والعيش المشترك والمحافظة على الخصوصيات الدينية واتاحة ممارسة الشعائر الدينية بكل حرية من دون تقييد..