كاظم حبيبسيبقى العراق هدفاً ضعيفاً أمام قوى الإرهاب ما دام الحكم طائفياً؟
إن المقاومة الشجاعة لرفض تجديد ولاية ثالثة لنوري المالكي لم يكن هدفها إزاحة المالكي فحسب، بل كان الهدف المركزي، مع الخلاص من المستبد بأمره والسياسي الفاشل، هو التخلص من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية والأثنية بالبلاد. وإذ أمكن إزاحة المالكي، فأن الحكم بالبلاد ما يزال يستند إلى قاعدة المحاصصة الطائفية، وفي الغالب الأعم بقاء ذات الوجوه السياسية السابقة المرتبطة بالأحزاب السياسية. ولم يكن الحكم كله فاشلاً فحسب بل كان جميع الوزراء فاشلين أيضاً في أداء مهماتهم الوزارية وحولوها إلى وزارات طائفية وأثنية ترتبط بأحزابهم الطائفية والقومية. وهو الأمر الذي ألحق وما زال يلحق أفدح الأضرار بالعراق دولة وشعباً واقتصاداً وثقافة.
والعراق المبتلى حالياً بالطائفية السياسية وغياب الوحدة الوطنية وروح المواطنة، التي لم تبق محصورة داخل الأحزاب السياسية الطائفية الحاكمة فحسب بل تغلغلت إلى الأوساط الشعبية، أصبح اليوم أكثر ضعفاً وأقل قدرة على مواجهة قوى الإرهاب الداخلية والخارجية. وزاد في الطين بلة وخطورة ذلك الدور غير الحكيم والخاطئ الذي لعبته المرجعيات والمؤسسات الدينية الإسلامية والعنعنات العشائرية، التي أججها بقصد واضح وخبيث نوري المالكي وكل الأحزاب الدينية. ولم يكن هذا التغلغل الطائفي محصوراً بالمجتمع العراقي وبالقوات المسلحة، باعتبارها جزءاً من المجتمع فحسب، بل لعبت الأحزاب الإسلامية السياسية دورها الرئيسي والأساسي في نقل الطائفية وتكريسها بشكل صارخ إلى القوات المسلحة. وأصبحت الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع، مثل المشاركة في اللطم والتطبير وضرب الظهر بالسلاسل الحديدية (الزناجيل) وتلطيخ الجسد بالطين وغيرها من البدع والمغالاة بالتمذهب، تمارس في العديد من وحدات الشرطة والجيش وقوى الأمن الداخلي. وكانت وما تزال موجة عاتية أطاحت بمبدأ المواطنة والوطن ومفهوميهما السليمين. لقد أصبحت الطائفة هي الوطن كل طائفة، ولم يعد العراق وطن الجميع عند الطائفيين. وأصبح مبدأ المواطنة مقتصراً على أفراد الطائفة بذاتها وليس كل أفراد المجتمع. وانتقل هذا الطاعون المعدي إلى جمهرة كبيرة من مثقفي البلاد ومن مجموعة غير قليلة من العناصر الديمقراطية، بحيث أصبح حديثها عن الدفاع عن طائفتها جهاراً نهاراً ودون أي حياء سواء إن كانت في الحكم أم خارجه، وسواء أكانت شيعية حاكمة أم سنية مطالبة بالحكم!!!
حين يناضل الإنسان ضد الطائفية السياسية لا يريد استبدال طائفية سياسية حاكمة بطائفة سياسية أخرى، بل يسعى للخلاص من وجود الحكم الطائفي أصلاً وأياً كانت القوى الطائفية التي تمسك بزمام الحكم، إذ لا يجوز أن تبنى الأحزاب السياسية على أسس دينية أو طائفية، ولا يجوز أن يبنى الحكم على اساس ديني أو مذهبي، إذ إن ذلك يدمر الوحدة الوطنية وينسف المشتركات بين المواطنين والمواطنات من مختلف الديانات والمذاهب. وهذا ما يعيشه العراق منذ أحد عشر عاماً وحول العراق إلى مزبلة فعلية وإلى أوضاع أكثر رثاثة من أي وقت مضى.
ما كان في مقدور قوى الإرهاب الدموية التي اجتاحت الموصل ومناطق كثيرة من محافظتي الأنبار وديالى أن تحقق نجاحات هناك لو كان الجيش العراقي غير طائفي وغير مثقف بالطائفية وغير مسيطر عليه من قيادات عسكرية طائفية وتحت قيادة حكم ورئيس طائفي مثل نوري المالكي، وما كان في مقدور هذه القوى أن تجتاح الموصل ويبقى الناس بالموصل سكوتاً، لو لم يكن الناس بالموصل قد عانوا الأمرين من الحكم الطائفي ومن وجود جيش طائفي هناك لم يتعامل مع السكان على أساس المواطنة والاحترام. وما كان في مقدور قوى الإرهاب منذ عشر سنوات أن يقتلوا مئات ألوف البشر لو كان الشعب موحداً وواثقاً من حكومته ومتعاوناً معها.
لقد كان العكس هو القائم بالعراق. حكومة ووزارات طائفية قائمة على أساس هذه الوزارة لك وتلك لي، وبالتالي كل وزارة لأعضاء حزب معين وليس حتى لجماهير هذا المذهب أو ذاك، بل لقيادات تلك الأحزاب وحواشيهم. وما كان يحصل الذي حصل لولا الفساد القائم وشيوع القول التالي: "بما إن الدولة محروقة في كل الأحوال، فلم لا أخذ حصتي وأهرب قبل أن احترق مع المحترقين"!!! إنها الجريمة البشعة التي ارتكبتها الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة بالعراق، وخاصة تلك التي قادت العملية السياسية المشوهة والتي اعتمدت على الوعي المزيف للجماهير الواسعة والممارسة الشرسة للمالكي.
إن إجراء التغييرات قي قيادات الجيش والشرطة لأسباب كثيرة بما فيها الهروب أو نشر معلومات عسكرية كاذبة عن المعارك والقتلى من الإرهابيين وكل العيوب الأخرى الخطيرة التي ظهرت بالجيش وبقية القوات المسلحة، أو محاسبة وزراء أو شخصيات حزبية وسياسية معروفة ومتهمة بالفساد أو المشاركة في الإرهاب، أو ...، أمر إيجابي وضروري وملح، ولكنه غير كافٍ، لأنه لا يعالج المشكلة المركزية التي تشكل العامل الأساس والرئيس في استمرار أوضاع العراق على الحالة الراهنة واستمرار سقوط العشرات بل المئات من القتلى والجرحى والمعوقين يومياً في أنحاء متفرقة من بغداد ومحافظات أخرى بسبب التفجيرات الانتحارية وغيرها.
إن المعارك الدائرة في أنحاء متفرقة من محافظات الموصل والأنبار وديالى لا يمكن حسمها لصالح الشعب العراقي ما لم يتحول البشر العراقي إلى جانب الحكومة ويدعمها ويحس أنه يعيش في بلد يحترم المواطنة والمواطن بغض النظر عن دينه ومذهبه ورأيه. فهل هذا متاح بالعراق؟ نائبا رئيس الوزراء ووزير الخارجية، على سبيل المثال لا الحصر، هم من أكثر العناصر طائفية وعدوانية وكرهاً لأبناء الديانات والمذاهب الأخرى من منطلق التمييز الديني والمذهبي، وهو أمر في غاية الخطورة. وحين يكون هؤلاء على رأس الدولة العراقية فأقرأ على البلد السلام! لهذا كان من أكبر الأخطاء تسليم هؤلاء مراكز قيادية في الدولة والحكومة وكذا شخصيات أخرى معروفة للجميع تحتل مواقعها في الحكومة الراهنة.
تحدث رئيس الوزراء الحالي إلى صديق لي التقيت به أخيراً ببرلين وقال بأن الدكتور العبادي قال له أثناء مناقشة الأوضاع بالعراق "أنك تعرف بأني غير طائفي"! هل يكفي هذا القول لأن نقول بأن قائداً في حزب سياسي مارس الطائفية لسنوات عشر في الحكم عبر اثنين من قيادييه (الجعفري والمالكي) هو غير طائفي، أم إن النهج الذي يمارسه والسياسة التي يطرحا والموقف من المحاصصة الطائفية...الخ هو الذي يقرر طبيعة الحكم؟
لم أكتب كثيراً عن العبادي حتى الآن، لأني أريد أن أرى أفعاله، رغم قناعتي بأن الطائفية هي السائدة في الحكم والممارسة العملية حتى الآن. ولكن الوقت يمر وقتل الناس يتفاقم يوماً بعد آخر وتحرير مناطق من العراق ما يزال متعثراً رغم الضربات الجوية لمواقع الإرهابيين التي لم تؤثر حتى الآن كثيراً.
وحتى الآن لم تعالج المشكلات القائمة مع الإقليم، رغم إن العبادي قال بأنها ستعالج بعد أسبوع من تشكيل الحكومة. إن معالجة هذه المشكلات ضرورية لصالح وحدة البلاد وضد الإرهاب والفساد ووضع حدٍ لتصاعد نبرة الشوفينية في المجتمع وضيق الأفق القومي. وهي مسألة بحاجة إلى مقال خاص.
لا يمكن أن ينتظر الباحث كثيراً لكي يرى ما يحصل بالعراق. فالحقيقة أمامنا وعلينا تتبعها بشكل دقيق وتأشير مواطن الخطر المتفاقم وطرح الحلول لها ومعالجتها فعلاً.
14/10/2014 كاظم حبيب