صد هجوما واسعا لـ«داعش» على مصفى بيجي
بغداد ـ نجم الشيخ داغر
لم يكن نائب العريف سعد اللامي يتوقع يوما ان يكون في هذا الموقف ويترك وحيدا لقيادة نحو مئة جندي عراقي في معركة لا يعرف فيها العدو أخلاق الفرسان وتعود على الغدر والخديعة..بهذه العبارات ابتدأ المقاتل حمزة قاسم حديثه عن قائده نائب العريف سعد اللامي مؤكدا أنه كان شجاعا بحق وقائدا مقداما يستحق رتبة لواء لا نائب عريف..ويقول حمزة كان يوما عاديا في منطقة الشرقاط التابعة لمحافظة نينوى شمال العراق، تسلمت واجبي في احدى نقاط الحراسة، إلا أنني لاحظت شيئا غريبا في تلك الليلة، إذ لم يتفقد ضابط الدورية النقطة التي كنت مرابطا فيها كعادته..سلمت واجبي وقلت لعل اجتماعا منع الضابط من الحضور، ومع ذلك اجريت اتصالات مع أكثر النقاط في المنطقة التي كنا منتشرين فيها وهي محطة وقود وعدة بنايات إلا ان المقاتلين اجمعوا على انهم لم يروا ضابط الدورية تلك الليلة..
أيقظني زملائي المقاتلون في ساعة مبكرة من الصباح حينما لاحظوا ان المكان يخلو من اي ضابط أو رتبة عالية..انتشرت البلبلة بين المقاتلين وكثرت التكهنات وفوجئنا بحركة عبثية يقوم بها بعض الأهالي هدفها نهب بعض البنايات الحكومية، ثم وصلت الأخبار التي تفيد بسقوط مدينة الموصل على ايدي عصابات "داعش" الارهابية مع اننا لم نسمع صوت اي رصاصة أو مدفع!
في تلك الأثناء وضع القدر نائب العريف سعد اللامي في هذا الامتحان الصعب، ربما ليساعده على كشف معدن الشجاعة والبطولة الكامن فيه في وقت يحتاج فيه الى بطل حقيقي، فلم يكذب سعد الخبر وصمم على تحمل المسؤولية بكل إباء على اعتبار انه المقاتل الأكبر رتبة بين زملائه..
قرر سعد بسرعة وبكل بديهية وحس امني عال أن يتحرك سريعا، فاتصل باكثر الضباط الذين يعرفهم فلم يجد عندهم تبريرا حقيقيا لانسحابهم وتركهم المقاتلين وحدهم..بيد ان ذلك لم يضعف من عزيمته بل دفعه الى ان يري العالم ان القيادة لا تحتاج الى رتبة بل الى قلب شجاع وعقل واع لظروف المعركة..
نادى بكل عنفوان على جميع المقاتلين طالبا منهم التجمع، نظر اليهم بعينين ملؤها الثقة، وبصوت هادئ قال لهم: ان العدو على ابوابنا ولا نعرف اين هو الآن وما هي الأعداد التي دخل فيها مدينة الموصل..إلا انني اعرف شيئا واحدا فقط وهو انني لن استسلم لهؤلاء الأوغاد وساقاتلهم بكل ما اعطاني الله من قوة، فمن كان على رأيي وهو ما اراه الصواب يلوح بيديه، فلم يكن من المقاتلين إلا ان تبادروا نحوه هاتفين باننا معك الى النهاية..تحسر حمزة والدموع تترقرق في عينيه، وقال وهو ينفث دخان سيجارته رحمك الله يا سعد كنت ملهما لنا بحق في تلك الساعات العصيبة، عشت قائدا ومت شهيدا ابيا.. ويواصل حمزة حديثه: أمرنا نائب العريف سعد اللامي بادخال جميع آلياتنا وهمراتنا الى داخل المحطة وقام بتوجيه الجنود لصنع متاريس واتخاذ نقاط حراسة لتأمين المحطة التي خطط ان تكون القلعة التي نحتمي بها وندافع عنها حتى تنجلي الغبرة ونفهم طبيعة الوضع..
عندها أطرق حمزة للحظات ثم نظر نحو الأفق الواسع وكأنه يناجي الشهيد سعد، قائده الذي بكاه كثيرا، ثم قال لن انسى وصيته لنا في تلك اللحظة حينما كانت كل الأخبار التي تأتي تنذر بالقتال حتى الموت..أوصانا بأن يخرج كل منا رصاصة واحدة ويضعها في جيبه كي تكون ملاذه الأخير للانتقال الى عالم الآخرة بدلا من الوقوع في اسر عصابات "داعش" الارهابية اذا ما نفدت الذخيرة ولم تأت نجدة أو عون..عندها علمت حقا ان هذه المعركة ربما ستكون الأخيرة لنا في هذا العالم وأننا لن نرى عائلاتنا بعدها ابدا..ولكن لم يكن هناك وقت لتلك الأفكار ويجب التركيز على القتال حتى آخر قطرة دم، هذا ما الهمنا به القائد سعد وهذا ما لمسته في ضوء اصرار جميع المقاتلين على ذلك حينما لم يتردد اي فرد منهم باخراج الرصاصة ووضعها في جيبه كعلاج اخير للمعركة.ويستمر حمزة بسرد احداث الواقعة، فيقول: بقينا على مدى يومين ونحن نترقب ان يهجم علينا الارهابيون الا انهم لم يفعلوا، لا لأنهم لم يعرفوا مكاننا ولكن.. وهذه الصدمة التي لم نكن نعرف لها جوابا فقد كانوا غير موجودين اصلا في المنطقة، ولم يدخلوا الموصل بعد، في حين انسحب أكثر الضباط من المدينة.
عندها أقسم متحسرا لو بادرت اي فرقة او تشكيل قتالي بالدخول الى الموصل ساعتها لم يتجرأ "داعش" على دخولها ولكن يبقى الأمر غريبا ولا نعرف له معنى!
في تلك الأثناء لاحت لنا آليات قتالية تتقدم نحونا فلم يكن منا الا ان واجهناهم بوابل من الرصاص حسب اوامر نائب العريف سعد..فبادرتنا القطعات بالنداء نحن لسنا "داعش" وانما قوات البيشمركة وجئنا لاخلائكم..وبعد حوار وأخذ ورد من خلف أسوار المحطة تأكدنا أنهم من قوات البيشمركة، واصطحبونا معهم حتى صحراء تكريت، ومن ثم فاجؤونا بأن هذه آخر نقطة يستطيعون الوصول اليها ولا بد لهم من الرجوع نحو مراكزهم..وبعد يومين في الصحراء واتصالات مكثفة تم اخلاؤنا من قبل بعض القطعات الى مصفى بيجي حيث الخطر من كل جانب..بادر سعد بهمة عالية يقول حمزة الى توزيع جنوده بمعية الضباط المتواجدين في المصفى، وبعد يومين من الوصول الى المصفى بدأت أولى التعرضات وهاجمنا الارهابيون بتفجير صهريج مفخخ والمئات منهم.. إلا ان سعد أبى التخاذل او الانهزام امام هذا الكم الهائل من النيران فقاتل بضراوة وقتل الكثير من الارهابيين التكفيريين متقدما جنوده البواسل حتى اثخن بالجراح وقضى شهيدا، بعد ان تمكن ومن معه من صد الهجوم ودحر الارهابيين..فكان نائب العريف سعد اللامي بحق رمزا من رموز البطولة ونبراسا يحتذى به وقائدا حقيقيا رغم رتبته الصغيرة فقد اعطى درسا لجميع العالم بأن الجندي العراقي اذا ما تمت قيادته بصورة شجاعة فلن تستطيع أشرس الجيوش هزيمته ابدا.
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=3155050