الحقد المقدس !
اوراها دنخا سياوش
الحقد المقدس، هو الحقد المقرون والمسنود بآيات دينية، او بقوانين او إفتائات يطلقها رجال الدين او منظمات مشكلة تحت شعارات دينية. حيث يُستغل هذا الحقد، في تصفية الحسابات السياسية او الدينية او في التطهير العرقي او في احكام السلطة والسيطرة على مقدرات الشعوب. (فالفتوحات!) الاسلامية استندت على هذا المبدأ، وانطلق العرب المسلمون يوسعون إمبراطوريتهم زارعين في نفوس مقاتليهم حقداً مقدساً على كل من لا يؤمن بالعقيدة الجديدة من خلال آيات تفسر حسب الاهواء لتحقيق الاهداف، وصاروا المدافعين عنه في الحياة الدنيا. هذا النوع من الحقد صار يعتمد عليه بين المسلمين المتمردين على السلطة، او الثوار، وصاروا يتخذونه لإشعال الثورات والفتن، وما اكثرها في الامم التي قامت باسم الاسلام. وما القاعدة وداعش الا امتداد لفلسفة الحقد المقدس، النابعة من فلسفة تفسير الآيات حسب الاهواء. وفي اوروبا العصور الوسطى، استخدمت الكنيسة ايضاً الحقد المقدس، لتوسيع نفوذها وتصفية حسابات سياسية، ودينية. وكان اوضح حقد مقدس في اوروبا ما قام به الاسبان تجاه الاندلسيين، او مسلمي الاندلس، فقد قام الاسبان وبدعم الكنيسة بإبادة المسلمين وبشتى الطرق، متخذين من الدين رأس حربة لتنفيذ هذا التطهير العرقي والديني، الذي جاء نتيجة رد الفعل الطبيعي على الغزو الاسلامي لإسبانيا، والتي اسموها الاندلس. اي بمعنى آخر استخدموا الحقد المقدس ضد الحقد المقدس ايضاً. وهكذا كانت الحروب الصليبية ايضاً، حيث زرع الحقد المقدس في قلوب الأوروبيين، ليتمكنوا من مقاتلة المسلمين وغزو اراضيهم باسم الرب، وليدافع العرب والمسلمين ايضاً باسم الله، ليزداد سعير الحقد الى اعلى مراتبه، ولتختلط مع بعض دمائهم المقدسة. فكل طعنة رمح او سيف او خنجر في جسد بعضهما، مهما كانت حاقدة، كانت مقدسة.
ولا تخرج الامبراطورية العثمانية خارج هذا لاطار، فقد استخدمت الاسلام كمحرك اساسي، لزيادة الحقد المقدس في نفوس مقاتليه، تجاه الشعوب التي لا تدين بالإسلام، وما الانكشارية الا احد طرق بناء مثل هكذا احقاد.
ان ابشع ممارسات الحقد تتم عادة بقوة المقدس. هذا الاسلوب، او الحقد، في التعامل ما الانسان ليس بالضرورة في بعض الاحيان ان يكون دموياً، لكن وقعه قد يكون محطماً لامة بكاملها، وقد ينتج اندثارها. ففي هذا الاطار يأخذ الحقد شكلا اخر من اشكال المقدس، كأن يكون حقداً ناعماً من خلال اعطائه مسحة روحية غير منظورة، بمساعدة رجال دين. وهذا بالضبط ما حصل ويحصل مع شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، فبعد ان ناله من الحقد المقدس الدموي الكثير الكثير، سقط او تم اسقاطه في دائرة الحقد المقدس (الناعم!) فتزامنا مع هجمة داعش (المقدسة!) على العراق اولا وعلى ابناء شعبنا الكلدوآشوري السرياني في سهل نينوى ومناطق تواجدهم في شمال العراق، انطلقت هجمة هوجاء جديدة، برياح صفراء، من خارج الوطن على كنيستنا الكلدانية، جعلتنا نرتاب على مستقبلها، هنا في العراق، الوطن الام، بعد محاولات كسر احد اعمدتها، وجعله عمود مستقل بكل التفاصيل الادارية، في بادرة (تمردية!) كُناقد كتبنا عنها سابقاً.
فمنذ استلام البطريرك روفائيل ساكو، الجزيل الاحترام، قيادة الكنيسة، نشطت الاقلام الماسونية بمساعدة الاقلام المنقلبة على الماركسية، في استقطاب اقلام جوفاء مسيرة، للوقوف ضد سياسة الكنيسة الروحية، ومحاولة زجها في الصراع السياسي من خلال ضغوط هذه العناصر بأفكار ومفاهيم كانت بعيدة ومنذ نشأتها عن سياسة الكنيسة ومؤسستها. متناسين ان المنتمي الى هذه الكنيسة كان سيشمئز من اللاهوت ويتبدد من جلال الطقس الديني في حالة قيام المؤسسة باتباع وصايا هذه النخبة، التي آثرتُ ان اطلق عليها دوما (النخبة السفيهة!). هكذا حاولت وتحاول هذه النخبة (النخبة السفيهة!) اختراق كنيستنا، وبأسلوب (ناعم!).
ان النظام في الاتحاد السوفيتي السابق قد حاول تبديد جلال الطقس، وقد نجح في فرضه ولسنوات طوال، حتى ترائى للكثيرين ان الكنيسة في الاتحاد السوفيتي قد ترنحت تحت تأثير ضغوطات السلطة المتأثرة بالسلوك والافكار الماركسية.
الملاحظ هو الاسلوب التكنولوجي (المقدس!) في محاولة هذا الاختراق. فاستغلال التكنولوجيا الحديثة واستحداث موقع (مقدس!) للهجوم، كان من اهم اختراعات هذه النخبة التي تعلقت بتلابيب المقدس، لا بل صعدت على اكتاف المقدس هذا،وصارت تطلق احقادها (المقدسة!) من على هذه الاكتاف.
لقد كان ظهور داعش، وهجمته الشرسة على مناطق تواجدنا، فرصة ذهبية للإعداد لهجوم (مقدس!) ايضاً، وللاستفادة من مصائب قومنا الكلدوآشوري السرياني، لتفعيل (احقاد مقدسة!)، من خلال اعمال وتصريحات ولقاءات انفرادية غير منسقة، وغير مقررة من قبل المؤسسة الكنسية برئاسة البطريرك، الجزيل الاحترام، متجاوزين نظمها وتنظيمها، في بادرة تُغالي في اظهار التمرد، ولتعكس للملأ قيح القلب، الذي صار يحل محل الحب، الذي اوصانا به الرب. هذا الحب الواجب على جميع رجال الدين ان يحملوه، في قلوبهم اولاً ومن ثم وجوههم، ومن ثم يكون اساسا لتصرفاتهم واعمالهم.
ان ما نراه اليوم من البعض، يضع كنيستنا الكلدانية في مهب الريح، بعد ان كانت جامعة الروح والقلب، ومنبع المحبة، يشهد لها الاخوة المسلمون قبل الاخرين. ففي جميع لقاءاتنا مع الاصدقاء والجيران المسلمين، نلاحظ تكرارهم لطيبة شعبنا ومحبتهم وحسن اخلاقهم وتفانيهم في حب الوطن. كل هذا نتيجة الحب الذي زرعته وتزرعه الكنيسة في قلوب ابنائها منذ الصغر، وتربت عليه اجيالها.
فهل سيستمر هذا (الحقد المقدس!)، وابناء شعبنا يفترشون الارصفة، من غير مراعاة ما يجري لهم ؟ ثم الم يحن الوقت كي ينهض (المقدس!) من سباته، ويبتعد عن هذه النخبة التي صار القاصي والداني مؤمناً انهم قد اطبقوا على هذا الجزء البعيد من المؤسسة الكنسية ؟
في الختام لا يسعنا الا ان نقول: ابعدنا الله عن كل حاقد وحقد، مقدس كان ام كافر !