النازحون في عينكاوا
غسان سالم شعبو / بخديدا عينكاوا تعد ثاني أكبر مدينة مسيحية في العراق بعد بخديدا / قره قوش ، حيث تبعد بـ1كيلومتر عن أربيل، وهي ممتدة على مساحة شاسعة، ويعيش بها أزيد من 10 ألآف نسمة، فضلاً عن الوافدين إليها بسبب العمليات العسكرية وغيرها. ويتوفر فيها كل شيء بفضل الشركات والمؤسسات التي تشغل كل مرفقاتها وهي في حركة دؤوبة ونشاط دائم، وإذا ما وصلها شخص ما فليس أمامه سوى البحث عن غرفة في فندق أو منزل يلوذ به، هذا إذا وجده بسبب كثرة النازحين من شتى محافظات العراق. زُرتُ عينكاوا، والتقيت العديد من الذين عبروا عن معاناتهم اليومية مع اٌيجارات وهو العبء الكبير الذي لاقوه بعد فقدانهم لبيوتهم وممتلكاتهم. ولم تصرف لهم أية مبالغ مالية كمعونات تسندهم لبدل الإيجارات المرتفعة فبالرغم من مرور ثلاثة أشهر من محنتهم فلا شيء تغيّر، فالمعاناة نفسها رغم صرف أموال كبيرة في برامج المساعدات والمعونات الغذائية وغيرها. وكل من تتحدث معه يقول "نفكر بشكل جدي في مغادرة البلد، فلا شيء يستحق البقاء، لولا أن عدداً كبيراً من المهاجرين تَورَّطَ في أيجار منازل، لكن ما قيمة منزل بدون أمل ولا وطن يحميه ولا جار يشعر به؟ الهجرة هي الحديث الغالب عند الناس، ولا تسمع سوى كلمة "سأهاجر" في كل نقاشات الناس ودردشاتهم اليومية وتسكعاتهم في الشوارع والبطالة تغزو المدينة.
ويقول متحدث أن الصراعات المستمرة منذ عقود تحول دون إستقرارنا في أماكننا ففي حرب إيران تنقلنا من البصرة إلى بغداد ثم إلى بخديدا، وكان من الممكن أن نجد فيها الأمان والإطمئنان لولا ما حدث مؤخراً حينما دخلها إرهابيو داعش. ويتابع "نحن الآن نفكر في التسجيل في مكاتب الهجرة أينما كان ونحن في إنتظار ذلك". تكَالَب الإرهاب والبطالة خلّف وضعاً مزرياً على المواطن المغلوب. "في العراق لا يحق للمواطن أن يحلم بمستقبل آمن". فنحن كمن يعيش في نفق مظلم. وما وجدته في الكنائس والمدارس وما شاهدته مما يعانيه السكان جراء غياب الخصوصية الفردية لكل عائلة، فضلا عما يتسبب ذلك من آثار نفسية على الأطفال، وكذلك الحال للساكنين في الخيم بعد الأمطار الأخيرة حيث أن الأمطار التي صاحبتها رياح شديدة إقتلعت بسببها العديد من تلك الخيم فخلفت حالة من البؤس والمعاناة تضاف إلى معاناتهم المتراكمة، وما يثلج الصدور أن دار المطرانية وبالتنسيق من المنظمات الإنسانية الفاعلة سارعت إلى إيواء كل القاطنين في الخيم ببيوت إستأجرتها أو كرفانات هيأتها لهم..! فالكرفانات لا توفر إلا حلاً مؤقتاً لأن العائلة لا يجمعها إلا بيتها. ولما طرحتُ هذا السؤال على أكثر العوائل المستفادة أكدوا لي بأن الجماعة كانت في أمَسّ الحاجة لهذا المشروع، مشروع الإسكان في كسنزان والشقق وغيرها، فالسكن اللائق يمثل واجهة حضارية لكرامة الإنسان فالكل فقد بيته وتهدّم مستقبله كما تهدّمت آمال المواطنين النازحين في كل مكان، الذين كانوا يحلمون بمستقبل مشرق مع بداية عهد الحكومة الجديدة. وبأنها ستقضي على كابوس الإرهاب الذي يلاحقهم، ليستيقظوا ذات ليلة، ويكتشفوا أن "وعود المسؤولين والبرلمانيين " لم تكن سوى وهماً وتهميشاً. ويقول كل من يسكن هذه الخيم والكرفانات: نطالب بالتدخل العاجل بتوفير سكن لائق وحلاً لمشكلة انقطاع التلاميذ عن المدارس..’ حيث لا مدارس ولا مستقبل ولا أمل .. والعزلة تفتك بنا والمعاناة تؤرقنا، وسيستمر العبث والنسيان والفقر.
ليعلم المسؤولين أن هؤلاء هم أيضاً عراقيون ومسيحيون مهجّرون لا يطمعون في شيء سوى في نيل أبسط حقوقهم ... وهم يشعرون أن الحكومة صارت شبه غائبة أو متلكئة ببرامجها ووعودها .. حكومة على مصالحها محافظة .. فأين بدل البطاقة التموينية؟ وأين حقوق النازحين؟ .. وحقوق الطفولة؟ .. وحق المواطنة؟. فقد عمل المسيحيون أجيالاً في بلدهم بكل تفانٍ وإخلاصٍ وعانوا من قسوة العيش فيها, والآن قد تُركوا حاملين معهم أزمات نفسية وسنوات عجاف, أما الدولة فلم تعتبرهم يوماً أكثر من رقم في إحصاء .. يفتقرون الآن على الكثير من متطلبات الحياة. والمصيبة الكبرى أن الحكومة تعلم هذا ولا تحرك ساكناً والبرلمانيون أو الوزراء لا يرون شعوبهم إلا في برنامج تلفزيوني ومن وراء الشاشات وفي تصريحات إعلامية، ويبقى الحال على ما هو عليه دون تدبير ما هو أفضل. ألا يستطيعون جعل حداً لهذه الكارثة؟ والقضاء نهائياً على محنتهم التي باتت تقتلهم يأساً؟ لقد سيطر التهميش على منهاج الكثيرين. لقد حضي هؤلاء النازحون بالقسط الأوفر من الإهمال والتهميش وما دام الكل يعاني فليس سوى تفكير واحد يشغلهم "الهجرة إلى مكان آخر"، فأرض الله واسعة بدل البكاء على سوء الحال الذي لا يجدي نفعاً..