" جونسون سياويش "
بين قراءة الوضع السياسي ومستقبل شعبنا
رؤية وتحليل
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
نشر الاستاذ " جونسون سياويش " الوزير المستقيل في حكومة أقليم كوردستان الحالية مقالة معبرة وموضوعية في معظم جوانبها لقراءة وتحليل الوضع السياسي والصراعات المحتدمة بين الاقطاب الرئيسية في المنطقة من السنة والشيعة ، ودور الدول الاقليمية في المنطقة كالسعودية وايران في تفعيل حدة هذه الصراعات ،وثم بَين محللا النفوذ الامريكي في المنطقة ،ومشخصا الاثار التي تركتها وستتركها الاحداث السياسية والعلاقات الدولية على جغرافية وديمغرافية وسياسة المنطقة الشرق الاوسطية ،وثم ربط تلك التغيرات بأحوال شعبنا الكلداني ، الاشوري ، السرياني وتداعياتها على مستقبله .وأخيرا وضع مقترحات يناشد فيها الاحزاب السياسية للتكاتف والتعاون للعمل لانقاذ ما تبقى من شعبنا في العراق وبالتعاون مع الكنيسة.
وفيما يأتي رؤيتي فيما طرحه الوزير المستقيل من رؤى للصراع الدائر بين القوى المحلية والدولية وحالة شعبنا ومستقبله:
أولا : أبدع في تحليله للاحداث الجارية في المنطقة وتشخيصه للقوى الطائفية والدول الاقليمية التي تلعب ادوارها في الصراع، وشخص العوامل الاساسية المساهمة في أشعال المنطقة ،وثم شخص تداعيات هذه الاحداث على المنطقة وبعدها على شعبنا . وقد ارجع الاوضاع المضطربة بالدرجة الاساس بين السنة والشيعة فقط واعتبرهما قطبي الصراع متناسيا القطب الثالث وهو الكورد ،القطب الذي لعب دورا لا يقل أهمية في تأجيج الصراعات لتحقيق المصالح القومية والامنية المعروفة لهم ،فالاقطاب الثلاثة أضطلعت بدور كبير في الصراع ،وكانت النتيجة التأثير السلبي على شعبنا . وفي الوقت الذي يتحدث المحللين الكورد بصراحة عن دور الاقطاب المذكورة بما فيهم الكورد فيما يحصل ، ولكن المحللين من أبناء شعبنا يتجنبون دائما في تحليلهم مشاركة الكورد وتأثيرهم على الوضع في المنطقة،وقد عالج جزء من هذا الموضوع الكاتب " ابرم شبيرا " ببراعة في مقالته الموسومة " أفراغ المسيحيين من مناطقهم وفق نظرية المؤامرة ".
ثانيا : أنفراد الولايات المتحدة الامريكية في التحكم في العلاقات الدولية وأنها القوة الوحيدة في العالم وتركزه على انها اعادة لسياسة القطب الواحد ،أعتقد وبحسب المؤشرات ،المسالة هي معكوسة ، حيث ان روسيا تحاول أن تستعيد مكانتها المؤثرة في السياسة الدولية بدليل معارضتها للخطوات التي تتخذها أمريكا بهذا الخصوص ومواجهتها ووضع الشروط أمام القطب الامريكي ،أضافة على النمو الكبير لبروز القطب الصيني بدليل أن الاقتصاد الصيني سيكون أقوى اقتصاد في العالم قريبا جدا ، فعلية ستؤثر على العلاقات الدولية بقوة أقتصادها وستغير من المعادلة السياسية.
ثالثا : أما وصفه لدور الكنيسة بأنه ضعيف تجاه معاناة شعبنا بعد تعرضه للتهجير والاضطهاد ،فلم يكن موفقا الوزير سياويش في رايه ، أذ أن كل المؤشرات الميدانية تثبت بأن الكنيسة لعبت دورا كبيرا على المستويات الثلاث المحلي والاقليمي والعالمي ،وبالطبع الفروع المختلفة لكنائس شعبنا ولكن دور الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية كان بارزا جدا في تعاطيها مع الاحداث ومعاناة شعبنا على الارض . وباتت معروفة للجميع وجلية ، والوقائع تبرهن ذلك .فلا يمكن أن يوصف دورها بالضعيف ، فلو لا تحرك رؤوساء كنائس شعبنا الكلداني ، الاشوري ، السرياني وبالتعاون مع الكنائس الاخرى في المنطقة ، لما تحرك الرأي العام الشعبي العالمي والرأي الرسمي للحكومات خطوة واحدة تجاه رعاية أبناء شعبنا المهجرين، وباستقطابها الراي العام أستطاعت تلبية أحتياجات شعبنا المنكوب كحد أدنى .ولولاها لشاهدنا الاسوء لما يتعرض له شعبنا المضطهد في ظل المساعدات والخطوات المخيبة للآمال التي تسعى لتقديمها الحكومة المركزية ، او حكومة الاقليم معذورة لانها هي الاخرى تتعرض الى الحصار المالي من حكومة بغداد فلم يكن بمقدورها سد أحتياجات النازحين بأعدادهم الضخمة.
أتفق مع الوزير جونسون في مسالة عدم تأثير الكنيسة على الحكومات العالمية والقوى المهيمنة في التدخل السريع لانقاذ شعبنا والاقليات الاخرى ،ولكن لايرجع السبب في أخفاق الكنيسة وعدم المتابعة وأنما السبب الحقيقي في رايي هو: كما تفضلت لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تنفرد كقوة مهيمنة على العلاقات الدولية والسياسة العالمية ، فهي تتبنى نظرية " تبادل المنفعة " وتسمى في علم الاجتماع والاقتصاد نظرية " الاختيار العقلاني " أو تسمى " سعر كل شيء ".أذ يتوهم العديد عندما يظنون بأن السياسة الامريكية يحركها الكونكرس الامريكي أو الرئيس الامريكي ، أنما المحركون هم المستشارون في مختلف العلوم الانسانية والاجتماعية والادارية والمالية والقادة هم المنفذون . ففي ضوء هذه النظرية توجه السياسة الامريكية بوصلة الاحداث والصراعات والسياسات في العالم بحسب مصالحها فهي تعطي سعر لكل شيء وتختار الوضع والموقف عقلانيا دون التأثر بالعواطف الانسانية ،فهي تتبنى هذه السياسة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لغرض السيطرة على الاقتصاد العالمي وباية صيغة ، حتى لو تطلب الامر فناء شعوب بأكملها من على الارض .
فالسياسة الامريكية لا تتعاطى مع المجتمعات البشرية في ضوء مبدأ أنساني كأن جماعة ما تعرضت للاضطهاد فعليها مساندتها والوقوف الى جانبها ،ولكن تقرر التدخل بعد دراسة مستفيضة والتوصل الى نتيجة مفادها :هل سيجلب تدخلها ومساندة الجماعة أو الشعب المظلوم المنافع الاقتصادية ومدى المساهمة في استمرارية سيطرتها على الاقتصاد العالمي؟في حينها أذا رأت هناك اكتساب للمنافع فتتدخل وعلى الفور وتحدد الفترة الزمنية لانهاء التدخل والقضاء على الظالم بحسب المعطيات ، فغالبا نسمع ونقرأ هذه الايام تصريحات المسؤولين الامريكان بأن القضاء على " داعش " يتطلب فترة زمنية معينة ،لماذا لان وجود داعش لا يزال يخدم المصالح الامريكية في المنطقة لاستخدام هذا التنظيم الارهابي ورقة ضاغطة على الدول الاخرى . دون الاكتراث للوجود الانساني ومساندة المضطهدين .
فالكنيسة وصلت الى الموائد المستديرة والى صناع القرار في امريكا والدول الاوربية ووضعت مطاليبها ،كما تمكن الاتحاد الاشوري العالمي ،وممثلي المجلس الكلداني السرياني الاشوري ومنظمات المجتمع المدني الكلداني في استراليا ومبادرات شخصية من السيدان جوزيف كساب وسامي يونو وغيرهم في ديترويت الامريكية وبالتعاون مع الكنيسة ،تمكنوا هؤلاء وضع وطرح مآساة شعبنا على طاولة برلمانات الدول وحتى على طاولة الكونغرس الامريكي ولكن بدون جدوى .لماذا ؟ ببساطة لانها ترى في وفوفها الى جانب شعبنا سوف لا تكتسب أية منافع سياسية أو أقتصادية، وبمعنى آخر لان كفتي الميزان في مسالتي مناصرة شعبنا من قبل أمريكا وتحقيق مصالحها غير متوازنة ، فلو أرادت مساندة شعبنا لعملت منذ دخولها العراق في 2003 وعلى مرأى منها تفجر الكنائس ويشرد المسيحيين ودون ان تفعل شيئا ،بينما تسارعت لتلبية المطاليب الكوردية لان الكورد يستقطنون منطقة أستراتيجية ولهم ثقلهم السكاني وبامكانها استخدام أراضيهم للانطلاق لتحقيق مصالحها في المنطقة ،وهذا الذي يتحقق في الاحداث الاخيرة ، والامثلة على هذا التصرف السياسي متعددة للقوى المهيمنة .
رابعا : أتفق مع الكاتب " جونسون " في قوله أن شعبنا فقد الثقة بقدرة وأمكانية أحزاب شعبنا ووممثليه في مواجهة التحديات الجديدة التي تواجه شعبنا المضطهد لضعف أدائها دون تشخيص عوامل ضعفها وتلكؤها .أنما أرى ومن المؤشرات والمتابعة أن أحزاب شعبنا ليست ضعيفة أو أخفقت في مواجهة التحديات بعد ظهور داعش الاجرامي،بل يظهر جليا منذ طهورها على الساحة السياسية العراقية ،فهي فشلت بدليل ما تعرض له شعبنا بكل مكوناته الاثنية منذ تبدل نظام الحكم في العراق ،فتعرض الى التهجير من مناطق سكناه في المدن العراقية في الجنوب والوسط ، تعرض الى الاغتيالات والاعتداءات على الممتلكات ،وفُجرت الكنائس في كل مكان باستثناء محافظات أقليم كوردستان ولم تتمكن من وضع حد لتلك المآسي سواء الاحزاب أو الممثلين في البرلمان. وفي رأيي يمكن حصر عوامل أخفاقها باربعة عوامل أساسية وهي :
1 – تفضيل المصالح الشخصية لكوادر الاحزاب وممثليهم في البرلمانات وفي الحكومة لمصالحهم الشخصية على المصلحة العامة لشعبنا ، وواضحا ذلك في صراعهم غير الطبيعي على الكرسي في البرلمان أو الوزارة دون الاكتراث لما يعانيه شعبنا منذ سنة 2003 ،بأستثناء شخصكم لاجرائكم التاريخي لتقديم استقالتكم من منصبكم الوزاري ، ذلك كان علامة مُشرفة ومثلا عاليا لمن يتحسس ويشعر ويتالم مع شعبه ،فكان المفروض منهم أن يحذو هذه الخطوة قبل الاحداث الاخيرة طالما لا منفعة أو تأثير لقرارات الدولة من خلال وجودهم في البرلمان والوزرارة .
2 – يحاول كل حزب السعي الى أستحواذ القيادة والانفراد بها والانفراد في العمل ليبين لشعبنا بأنه صاحب المبادرة .وذلك لنقص خبرتهم في المنافسة الشريفة والنافعة فبدلا من توجيه التنافس لاجل الابداع فوجه الى الصراع ثم الفشل .
3 – أرتباط أحزاب شعبنا بالكتل السياسية الكبيرة ،مما أصبحت أسيرة تحركات وتوجهات تلك الكتل وحتى أذا تعارضت تلك التوجهات مع مصالح شعبنا .
4 – تشبث الاحزاب الاشورية والكلدانية والسريانية بالتسمية التي يجب أن تطلق على شعبنا مستندة على ما يمكن أن يتماشى مع آرائها وفلسفتها من الكتابات التاريخية ، ويدل بوضوح مدى مساهمة هذه الظاهرة في عدم التوافق بين الاحزاب والعمل معا باخلاص، لتعصب كل جهة لتسمية معينة.
وقد فصل التحليل لاخفاق احزاب شعبنا الكاتب" أنطوان الصنا " في مقالته الموسومة "أسباب فشل تجمع تنظيماتنا في العراق"
خامسا : تعترف بوضوح بفشل أحزاب شعبنا وممثليه بمواجهة التحديات ،ولكن السؤال الذي يفرض نفسه أستاذ " جونسون" هو : لماذا تريد تكرار الاعتماد عليهم في تفعيل مقترحك الحالي طالما فشلوا في تجربتهم ؟فهنا تتمنى أن تفكر الاحزاب بأن تضع مصالح واهداف الكبرى لشعبنا فوق انانيتها ومصالحها وفوق كل الاعتبارات .فهل ستتحقق الاماني ؟ أنا شخصيا متشائم لان المعطيات والمؤشرات الحالية لا توحي بذلك . وعليه حاولت تطعيم التجمع بالكنيسة ، وأعتقد هذا أعتراف ضمني منك في اعتراف بدور الكنيسة في الاحداث الاخيرة والتي عوضت عن دور الاحزاب ،وهنا تناقض نفسك عندما تفضلت بالقول أن دور الكنيسة كان ضعيفا .
وأرى طلبك بمشاركة الكنيسة ولو مرحليا في التجمع عبر ممثليها مسالة في غاية الاهمية فلها مكانتها وصوتها المسموع عند الشعب والراي العام العالمي وان كان صوتها مسموعا بشكل محدود عند القوى العظمى التي تبحث عن مصالحها كما وضحت آنفا . وباعتقادي أن مطلبك لتفعيل دور الاحزاب ثانية وبمشاركة الكنيسة يجب أن يقترن بمسالة تخلص الاحزاب من الاسباب التي ذكرتها وذكرها الاخرين في أخفاقها لمواجهة الاحداث وتحقيق مصالح شعبنا .
وأيضا طالما أنهم فشلوا فلماذا لاتطلب وتطعم هذا التجمع المقترح باحزاب لم تتمكن الوصول الى قبة البرلمان والمشاركة في الحكومة ،وقد يمكن الاستفادة من كوادرها سواء من أحزاب كلدانية او سريانية او آشورية ؟
سادسا : يبدو لي مطلبك بخصوص المستقلين في الفقرة الثامنة من مقترحاتك غير واضح . فما المقصود يتولون الاشراف ؟ هل يوجهون تحركات الاحزاب ؟ وما المقصود بمتابعة مقرراتهم ؟ كما ماهو المقصود بحفظ بياناتهم ومذكراتهم ؟ فهل تعني أن المستقلين يقلدون دور السكرتارية ؟ فلماذا لم يكن هناك مشاركة فعالة للمستقلين في اجتماعات ممثلي شعبنا واحزابنا ويكون لهم صوت .فهناك من له القدرات الفكرية والعطاءات الميدانية قد تفوق بكثير قدرات الممثلين الحاليين .
سابعا : أن دعوتك لفصائل شعبنا في سورية لكي تتوحد مع فصائل شعبنا في العراق أنها مبكرة جدا ،وذلك لان تلك الفصائل تعيش في خضم ظروف سياسية تختلف عن ماهو في العراق ، فكلا الدولتين لهما ظروف خاصة وقوانين مختلفة لا تتلائم مع بعضها، وقد تزداد التعقيدات بهذه المشاركة لعدم وجود رؤية واضحة للاحزاب واهدافها ،كما أنه هل أتفقت الفصائل في العراق لكي تدعو تلك التي في سوريا ؟ فلو تُترك الفصائل السورية لشعبنا أن تعمل لوحدها أفضل ،وأذا تحقق شيئا ملموسا يمكن التعاطي بينهما مستقبلا ،لا بل ليمتد هذا التعاطي لفصائل شعبنا في ايران وتركيا ولبنان .
تشكر على المبادرة واتمنى ان تحقق طموحاتك الساعية من أجل شعبنا المنكوب.