د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الخامسة)


المحرر موضوع: د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الخامسة)  (زيارة 503 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل زكي رضا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 362
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي
(الحلقة الخامسة)


   


قراءة في كتاب " التشيع العلوي والتشيع الصفوي "


وعلى الرغم من النقد المباشر لعلي شريعتي للحالة الطائفية والسياسية لتلك الفترة ، الا انه كشيعي اثني عشري لا يستطيع الخروج من قالب أحقية الشيعة ليس بالخلافة فقط ، بل وبأحقية فهمهم للاسلام ايضا ليستمر قائلا :(ان الخلاف بين الشيعة والسنة هو في الاساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الاسلام، وكل ما يدّعيه الشيعة في هذا المجال – وهو ادّعاء وجيه – انه ينبغي لمعرفة حقيقة الاسلام الاقتداء بأهل بيت النبي وعلي " ع " لاجل ان تكون المعرفة مباشرة ومن دون واسطة، وهذا بحدّ ذاته كلام معقول . وكما يدّعي الشيعة ان مواصلة طريق الرسالة وروحها بعد النبي مرهونة بأتباع علي (ع) والاعتراف به خليفة بعد النبي دون غيره ممّن عجزوا عن مواصلة الرسالة بروحها حتى آل امر المسلمين الى ما آل اليه مما يعرفه الجميع) (1). وهنا يعيدنا شريعتي الى المربع الاول متناسيا عذابات قرون من القتل والسبي طالت الملايين من البشر، ليقطع الشك باليقين مرة ثانية، وليستمر وهو المطالب بتقريب المذاهب، بضرب اولى الخطوات التي قد تذيب القليل من جبال الجليد بين المذهبين والطائفتين، بمطالبته الاعتراف بالامام علي كأول خليفة بعد وفاة محمد، بل يذهب شريعتي الى ابعد من ذلك عندما يصف الاخرين (ابي بكر وعمر وعثمان) بالعجز عن مواصلة الرسالة !.

ان التراشق والمهاترة هو الذي سيطر على مناخ الخلاف الفكري والعقائدي بين الشيعة والسنة ولا يزال، على حد قول شريعتي، وليتحول إلى سباب وشتائم وتهم مقززة، ومنها تهم اخلاقية طالت وتطال رموز اسلامية، استغلها ويستغلها معمّمو الطرفين لحقن مريديهم بأفيون رخيص الثمن طويل التأثير، دون ان يلتزم هؤلاء المعمّمون ( بالقرآن الناطق وفق شريعتي ) المتمثل بالامام علي وهو يُنهي عن السباب والشتائم. فقد خاطب علي اصحابه في حرب صفين قائلا :"أني اكره لكم ان تكونوا سبّابين" (*). ويذهب هؤلاء المعمّمون الى ابعد من ذلك وهم يعصون امر ربهم الذي قال في سورة الانعام وهو ينهي المسلمين حتى سبّ المشركين قائلا " ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله ". ان رجل الدين الشيعي الصفوي لا يكتفي باللغة السوقية والالفاظ المبتذلة والافتراءات والاقاويل المقززة بحق الخلفاء، بل يعمد كما يقول شريعتي الى اختلاق فضائل وكرامات فارغة للأئمة توجب استغفال " استحمار " عقول الناس ليبقوا اسارى أغلال الجهل والمذّلة ، بدلا عن تعريفهم بالامام علي ليس كأمام فقط بل وكأنسان، له مواقف ثابتة حيال الظلم والتملق والزور والتزوير والفقر والسرقة واغتصاب الحقوق واثارة الفتنة (2). ومن الفضائل والكرامات الفارغة التي يستشهد بها شريعتي على لسان رجال الدين الصفويين، هو تمكن الامام علي من تحويل الرجل المنافق الى كلب على الفور!!، أو أن (علي وبنفحة واحدة حوّل رجل الى امرأة تزوجت وأنجبت لزوجها وسكنت معه تحت سقف واحد لسنوات مديدة ومن ثمّ عادت الى حالتها الاولى، كل ذلك في طرفة عين)!!. وهنا بنظري يبدأ مفعول الترياق الصفوي وهو يخدر الشيعي البسيط ، كي لا يسأل عن السبب الذي لم يجعل الامام علي ان يحوّل معاوية الى كلب او انثى، بدلا من الدخول معه في حرب صفين وما نتج عنها من نتائج، ادت في النهاية الى استقلال معاوية بحكم الشام واسرعت في مقتل الامام علي واستشهاده في محراب الصلاة في مسجد الكوفة على يد احد الخوارج، وهو احد افرازات معركة صفين، وليصل الاسلام كدين من ساعتها الى مفرق طرق دفع وسيدفع الملايين من البشر حياتهم ثمنا لصراع الفريقين" الشيعة والسنّة".

ان شريعتي يستخدم جميع ادوات التجميل عند حديثه عن التشيّع العلوي الذي يقف ضد الظلم والجهل والتخلف والفقر والاذلال، وهو (جميل اصلا مقارنة بالتشيّع الصفوي حسب وصفه). كما يقف شريعتي بقوة ضد التشيّع الصفوي المؤمن بالخرافة والمنغلق على نفسه بعيدا عن المنطق والجدل الموسوعي الذي يستند عليه التشيّع العلوي، ليقول ان منطق الدفاع عن الامام علي "ع " ومهاجمة خصومه السياسيين من مغتصبي الخلافة بأسلوب السب والشتم هو القبح بعينه:"اذ أن المسافة بين وجهي التشيّع العلوي والصفوي هي عين المسافة بين الجمال المطلق والقبح المطلق" (3) . وفي معرض دفاعه عن البيانات والخطب والكتب الصادرة من مؤسسة الارشاد، وتناوله للتهم الموجهة لشخصه من قبل رجال الدين الصفويين بدعوى عدم ايمانه بولاية الامام علي وتنكره لاهل بيت الرسالة وانه سنّي ووهابّي، بعد اتهامه من قبل الحركة الوهابية كونه شيعي مغالي في العام . يقول شريعتي في وصفه لرجل الدين الصفوي قائلا :"ان رجل الدين الصفوي – ولا اقول العالم الشيعي – متعصب تعصبا اعمى، بمعنى انه غير قادر على تحمل رأي المخالف وليس لديه أدنى استعداد للاصغاء اليه وفهم ما يقول. وليس المراد من " المخالف " هنا بالضرورة أن يخالف الآخرين في الدين او المذهب، بل حتى من يخالفه في نمط التفكير وطبيعة المزاج، فهو لا يتورع عن تكفيره بدون تردد. وعند تمييزه العالم الشيعي ليس عن رجل الدين الصفوي فحسب، بل وعن علماء الاديان من المذاهب الاخرى، وفي محاباة واضحة يقول شريعتي:"إن (العالم) في التشيّع العلوي مستثنى من هذه القاعدة من بين جميع علماء الاديان وحتى المذاهب الاسلامية" (4).

واستمراراً لمقارنته التي اشرنا اليها، فان شريعتي يشير الى ان احد اهم الاسباب التي ادت الى انفتاح العالم الشيعي وتحرره في مجال البحث والمحاججة العلمية، هو وجود الاجهزة الاعلامية بيد المذهب المخالف ( السنّة ). وهذا التحرر منح العالم الشيعي مساحات اكبر في التفكير والنقاش الفكري والعقائدي لاثبات احقية المذهب، على عكس رجل الدين الصفوي والذي وان تزيّا بنفس زيّ العالم الديني ( من التشيّع العلوي)، فاننا نراه – والقول لشريعتي – يتهرب من مواجهة العلماء واهل التخصص ، مع انه يزعم بكونه عالم شيعي ويدّعي انه مرجع للعوام في معرفة امور دينهم، إلاّ أنه في الحقيقة مقّلد لعوام الناس وليس سوى أداة رسمية لاصدار الاحكام على ضوء ما استنبطه مريدوه تبعا لاهوائهم ومزاجهم) (5) . ويستشهد شريعتي بأحد هؤلاء الصفويين وهو السيد العسكري الذي يقول في وصفه لعمر بن الخطاب وتوهينه (6)، رداً على بيان مؤسسة الارشاد " متى كان عمر بن الخطاب شريف بني عدي، أما نسبه ففي كتاب الدرر باسناده عن الحسن بن محبوب عن ابن الزيات عن الامام الصادق (ع) انّه قال: "كانت صهاك جارية لعبد المطلب، وكانت ذات عجز، وكانت ترعى الابل وكانت من الحبشة، وكانت تميل الى النكاح فنظر اليها نفيل جد عمر في مرعى الابل فوقع عليها. فحملت منه بالخطاب، فلمّا أدرك البلوغ (الخطاب) نظر الى امه صهاك فاعجبه عجزها فوثب عليها فحملت منه بختمة، فلما ولدتها خافت من اهلها فجعلتها في صوف والقتها بين احشام مكة فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد فحملها الى منزله وسمّاها ختمة. وكانت شيمة العرب أن من يربي يتيما يتخذه ولدا ، فلما بلغت ختمة نظر اليها الخطاب فمال اليها وخطبها من هشام فأولد منها عمر وكان الخطاب أباه وجدّه وخاله وكانت ختمة أمّه وأخته وعمته ، وينسب العسكري الى الصادق في هذا المعنى شعراً:

من جده وخاله ووالده               وامه واخته وعمته
أجدر أن يبغض الوصي وان       ينكر في الغدير بيعته

ويقول شريعتي هنا ، من انه يكتفي بنقل هذا المقدار من الهوامش "العلمية لهذه الشخصية العلمانية الصفوية" (7). ولو تركنا كل ما جاء به السيد العسكري كرجل دين صفوي من ترّهات يقبلها الكثير من عوام الشيعة، فهل علينا ان نقبل بان ينزل الامام الصادق وهو الامام المعصوم عند الشيعة والمنزّه عن الخطايا وحفيد الامام علي الذي يعتبر الكلام الفاحش تعبيرا عن هبوط شخصية المتكلم قبل السامع، الى هذا المستوى من سب ولعن وشتم، بل واستخدام اكثر العبارات بذاءة!؟. الجواب بالتأكيد لا، ولكن التشيّع الصفوي يغرر بالبسطاء من الناس ليجعل الاسود ابيضا والابيض اسودا خدمة لمؤسسته الدينية وديمومتها وخدمة للسلطان الصفوي او من جاء بعده لتحقيق مآربه السياسية ومن ثم المالية .

لقد تداخل، بنظري، العشرات من علماء التشيّع العلوي ومنطقهم العقلاني ومحاولاتهم سوية مع العشرات من اقرانهم من علماء مذاهب اهل السنة والجماعة من أجل العمل على حصر الخلاف الفقهي بأضيق حدوده، او على الاقل الابتعاد عن اعتبار الخلاف سببا للعداء والبغضاء. فكما يقول الشيخ كاشف الغطاء في "التشيّع العلوي بالتشيّع الصفوي":"بعد وصول الشيعة الى السلطة في ايران جرى الاستفادة القصوى من رجال الدين الصفويين على حساب علماء الدين لتعزيز مواقع السلطة. هذا التداخل والتماهي في حدود معينة صعّب امر علماء الدين امام رجالات الصفوية البارعين في دغدغة مشاعر البسطاء من الناس والضحك على ذقونهم، مما عقّد ويعقّد مهمة التقارب بين المذاهب، عدا الوهّابية المرفوضة من قبل العديد من المذاهب الاسلامية". وهذا يحتاج كخطوة اولى الى تنقيح الكتب الدينية عند الطائفتين، ومنها المئات من الكتب الدينية " الصفوية " مما تحويه من أمور لا يقبلها العقل البشري ولا تمت بشيء الى تراث أئمة الشيعة الزاخر بالعطاء الفلسفي الديني. وسنأتي لاحقا على نماذج من هذه الامور التي تسيء للتشيع بدلا من تعزيز موقعه كمذهب حمل راية الثورة ضد الطغيان السلطوي لقرون قبل ان تخمد آواره. ومثلما أصبح الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التشيّع الصفوي باعتقاد شريعتي، فان نفس الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التسنن الاموي كما يعتقد الشيخ شلتوت. ولا اظن ان هناك شخصيتين اسلاميتين استطاعتا وصف الصراع الشيعي السني غير العقلاني بهذه الدقة ومن خلال جملتين لا غير، كما وصفهما شريعتي وشلتوت. أما الشيخ محمد تقي القمّي سكرتير عام دار التقريب فيقول:" ... لو امعنّا النظر في جذور تسمية المذهبين السنّي والشيعي ، لاكتشفنا أنّ جميع المسلمين هم شيعة لأنهم جميعا يحبّون أهل بيت النبي الاكرم (ص)، وهم أيضا سنّة لأنّ جميع المسلمين يعتقدون العمل بكل ما ثبت من طريق موثوق أنّه صادر عن النبي الاكرم (ص) .. وفي ضوء ذلك فنحن جميعا سنة وشيعة وقرآنيون ومحمديون ". ولو بحثنا في تاريخ الصراع الشيعي السني عن عقلاء ومفكرين كشريعتي وكاشف الغطاء والقمي وشلتوت لوجدنا العشرات، وخصوصا منذ بداية النصف الثاني من القرن السابق .


(1) " المصدر السابق ص 77 "
(*) "المصدر السابق 78 الهامش ” يتحدث شريعتي عن ترجمة نهح البلاغة الى اللغة الفارسية من قبل أحد المترجمين وتأويله للسب والشتيمة ليكونا مقبولين من الناطقين بالفارسية فيقول "شريعتي" (أن هذا الرجل "المترجم" عندما وصل  الى مقولة علي لأصحابه "إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين" ووجد أنها لا تنسجم مع التوجه العام لدى علماء التشيّع الصفوي لجأ كالعادة الى التأويل وهي الحرفة التي تتجلى فيها المهارة الفائقة للتشيّع الصفوي في قلب معاني التشيّع العلوي وتجريدها من مضمونها الحقيقي)، فقال: (ليس المراد من هذه العبارة هو عدم جواز شتم المخالف واللعن عليه بل على العكس هذا واجب وتكليف، غير أن المنع جاء هنا من أمير المؤمنين بخصوص سبّ بني أمية وذلك خشية أن يسبّوا بالمقابل أمير المؤمنين فيكون السّاب لبني أمية متسببا في سبّ أمير المؤمنين "ع" وهو أمر غير جائز طبعا)!!. نهج البلاغة، ترجمة فيض الاسلام. ويقول شريعتي هنا (لاحظوا هنا كيف حوّل المترجم كلام أمير المؤمنين الى قاعدة مقلوبة، ومفادها أنّه لا يجوز السبّ الّا أذا كان الطرف المقابل مؤدبا لا يرد بنفس الطريقة!!).  وهنا سأستعير جملة لشريعتي وأقول " يا له من أنتصار صفوي ساحق لا يقبل الا بالاستحمار كمنهج لأدامة هذا الشكل المشوّه من التشيّع.
(2) " للأستزادة راجع المصدر السابق ص 79 "
(3) " المصدر السابق ص 80 "
(4) " المصدر السابق ص 82 "
(5) " المصدر السابق ص 85 "
(6) " أحدى وسائل أهانة عمر بن الخطاب كانت ظاهرة ما يسمى بـ "عمر كشون" حيث يحرق العوام لعبة تمثل عمر بن الخطاب في التاسع من ربيع الاول من كل عام وهو يوم مقتله، لأدخال الفرحة الى قلب فاطمة الزهراء وذلك بحضور بعض المعممين من الروزه خونيه، وكان يصاحب الاحتفال بهدذه المناسبة الفرح الغامر والموسيقى وتوزيع الحلوى. وقد عارض العديد من علماء الدين الايرانيين كالمرعشي النجفي والخميني وغيرهم الكثير مثل هذه الطقوس. وقد أنحسرت هذه الظاهرة بشكل كبير جدا في أيران بعد الثورة. ونفس هذا الطقس بالعراق يسمى " فرحة الزهره" وكان في وقت ما قبل أن ينحسر هو الاخر يوم حبور وسرور عند عوام الشيعة.
(7) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 120 "


زكي رضا
الدنمارك

8 / 11 / 2014