مع انتشار جماعات الغلو الوحشي الى مصطلح السلفية فقد تعزز هذا الخلط وامتد ليعزف على وتره كل الجهالة بعالم يحمل هدفاً سياسياً أو ايدولوجياً أو أمنياً، ليتبين له تحديد معالم مسارات الفقه والفكر في تاريخ التشريع الإسلامي. المدارس السلفية السنية تنتزع الى ثلاثة مسارات: الأول هو تمييز الصدر الأول من قرون المسلمين كونهم أقرب زمانياً في التطبيق وصيانة النص من العبث والخرافة. وهي مجمع القاعدة عند كل مدارس اهل السنة وقد حددها الامام السفاريني الحنبلي. المسار الثاني فيمثل نزعة المحافظة على دلالات ظاهرة النص في السلوك واللباس والديانة التعبدية وعدم الانفتاح وهذه الصفات تنتشر في مذاهب أهل السنة سواء في نعت السلفية أو المذهبية أو الصوفية. المسار الثالث فهو التيار او الفقه السلفي، فهل هناك في تاريخ التشريع الإسلامي تيار سلفي مستقل يؤدي الى اعلان انفصاله واعتبار مدارس اهل السنة مدارس كافرة او ضالة لأنه يعتني بإقامة العقيدة الصحيحة-في منظوره-التي ارتد عنها المسلمون وهذا المسار هو الأكثر حساسية اليوم للفهم المعاصر. ان اقتران النزعة السلفية او العودة لسلفية النص ذكر في مدرسة الامام احمد بن حنبل لذلك كان الحنابلة يرون انهم الممثلون لمدرسة أهل الأثرمن الامام الحنبلي ومن قبله أي الاعتناء بالنص وفي ذلك يجنحون للرد والتدليل على مدرسة الرأي للأحنف او مدرسة الرأي والنص للمالكية او منهجية أصول الفقه الجديد للإمام الشافعي. ومع تجديد مدرسة الامام الحنبلي انتهت مدرستي كبيرتين: الامام ابن الجوزي (مدرسة الاعتدال)، والامام احمد بن تيمية (مدرسة المحافظة) وهو رائد للغلو والتشدد. (معلوم المذاهب السنية ألأربعه حسب التسلسل؛ الحنفي المالكي الشافعي الحنبلي)، اثنان من هؤلاء الأئمة وهما أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس تلقوا وتتلمذوا من العلوم والفقه على يد الإمام جعفر الصادق (الذي سمي المذهب الجعفري باسمه وهو الإمام السادس لدى الشيعة والخامس لدى الإسماعيلية). لقد نقل مالك 12 حديثاً عن الصادق في مؤلفه الشهير(الموطأ). الوهابية جاءت على منهج ابن تيمية عارضت التبريك بقبور الاولياء وقامت بهدم القباب في البقيع وهدم قبر جعفر الصادق على أيديهم، الوهابيون-بنظرهم-هم الموحدون وان سائر المسلمين مشركون مستندين لفتوى ابن تيمية في (الجواب الباهر) التي تحرم زيارة القبور، استند الى الحديث المروي عن محمد انه قال: (لا يشد الرحال إلا ثلاثة مساجد، مسجدي هذا ومسجد الحرام والمسجد الأقصى). داعش نبتة سلفية نجدية من رسائل وفتاوى أئمة الدعوة النجدية، وكل نظريات التكفير وهابية بامتياز لأنها تجلب لدى الشباب فراغاً وفوضى وتمرد باسم الدين. ان مسؤولية التجديد خرجت من يد الفقهاء، عليهم تمزيق جدار الصمت بأسلوب علمي ومنطقي استدلالي يحافظ على القيم والأخلاق. والحد من الاحكام الولائية كحكم المرتد والمشرك والكافر ووجوب قتلهم. ان الشريعة كانت لظرف غير ظرفنا ولزمان غير زماننا، في تأسيس العلاقات الاجتماعية وتعميق الاواصر الإنسانية على أساس العدل والسلام والاحترام المتبادل. اما غير ذلك لا يمكن معالجة التطرف الإسلامي والتخلف والتعصب بمعزل عن مراجعة احكام الشريعة. المسؤولية على عاتق الفقهاء ليقولوا كلمتهم، ولا يكفي الشجب والخجول ويعلنوا قناعاتهم بلا مواربة ويجلس المفتي ويفرض دفع الحقوق الشرعية من خُمس وزكاة ويفعل بها ما يشاء. على المراجع العليا (الأزهر والسيستاني) الافتاء لقراءة فقهية شرعية صريحة عن جرائم داعش بإبادة وتهجير المسيحيين والأزيديين (كان قدر مكتوب) ومنع شراء النساء من المسلمين على ضوء تحديد سعر أعمارهم للبيع. لابد من كلمة، سوى ما صرح به مفتي مصر د. شوقي غلام ونقلته صحيفة ديلي ميل البريطانية (ان إطلاق وصف الدولة الإسلامية على كيان إرهابي-داعش-خطأ فادح وانه خالف القيم الإنسانية وانه خطر على الإسلام ويشوه صورته). حالة المفتي شوقي هي حالة غالبية المسلمين (المعتدلين). وان ما يحدث في العراق وسوريا ونيجيريا وأفغانستان وغيرها يُعد مخطط في التنظيمات التي تنتشر تحت مسميات (داعش وطالبان وبوكو حرام) تتغير من بلد لآخر. دعت الرابطة العالمية لمتخرجي الأزهر الى مواجهة الأفكار المتطرفة مع دعم الفكر الازهري الوسطي باعتباره حائط الصد ضد التنظيمات، غير انها لم تقدم رؤية واضحة (لهذا الفكر الوسطي). بينما واقع الحال لا يظهر تراجع التشدد والتطرف بأي شكل من الاشكال، الرابطة لم تتحدث عن نخاسة داعش في مزادات النساء في الجوامع والابادة البشرية. ان شيوخ السلفية الذين يقّرون ممارسة الرق ونكاح الميتة (المعيب اجتماعيا). اعتبر عضو الشورى السعودي عيسى الغيث ان: (الرق محرّم في الإسلام، رد عليه الشيخ صالح الفوزان: من يقول بتحريم السبي جاهل وملحد)، وأضاف على سبى الأيزيديات: (ذلك حكم الله لا محاباة ولا مجاملة لأحد، ولوكان الرق باطلاً لكان الإسلام قد صرح بذلك كما فعل في الربا والزنا فالإسلام شجاع ولا يجامل الناس). مستشهداً بالآية: (إلا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين. المؤمنون 6). لذلك الذين لا يقبلون فكرة تطوير التشريع كما في الفكرة الجمهورية (الفكرة الجمهورية في تطوير للشريعة الإسلامية؛ محمود محمد طه، كتابه الرسالة الثانية في الإسلام) الاّ يعترضوا على داعش لأن ما يفعله تقرّه الشريعة المرحلية وفيها لا يقبل من المشرك إلا الإسلام. فإن أبىّ يقتل وتسبي نساؤه ويسترق الصبيان. دعاة تطبيق الشريعة يرفعون شعار ان للإسلام دين ودولة وفي مفهومهم بحلقة الربط بين مفهوم الإسلام الدين ومفهوم الإسلام الدولة ليس ربطاً بين مفهومين مختلفين بل تأكيد عليه. لهذا يتفادى علماء الأزهر(الوسطيون) الدخول في السجال ويكتفون بالإدانة. ويبقى الإسلام المعتدل سجين الماضي مشلولاً عاجزاً عن مواجهه التطرف والتشدد. صرّح الشيخ محمد عبد الله نصر (مؤسس حركة ازهريون مع الدولة المدنية) انتقاده اللاذع لمناهج الازهر وضرب مثالاً: (خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة ووضع رأسه في حلّة واكلها هو والصحابة ثم زنى بامرأة الرجل) التراث الديني يحتاج تنقيح المناهج العلمية، وأضاف (كتاب متن الامتاع في حل الفاظ ابي شجاع) الذي يدرسه طلاب الازهر يقول في صفحته 72 في باب الطهارة: (يجوز الاستنجاء بالتوراة والانجيل لأنها كتب محرّفة وغير مقدسة). أصدرت وزارة الأوقاف انكرت فيه كل صلة بين محمد عبد الله نصر والازهر كونه شكك بأحاديث صحيح البخاري، وبعض النشطاء السلفيين رفضوا أقواله واتهموه (انت أخطر على الإسلام من اليهود). الاختلاف في الفكر والمفاهيم سببه، هناك كتب تُعد أكثر من 5 ألاف كتاب مسندة الى التفاسير والعقيدة والمتون والتخريج والشروح والأخلاق والرقاق والفقه. داعش تتوسع وتسيطر على الأراضي في غلوّها ويقف الازهر حائراً متفرجاً منشغلاً بالدفاع عن البخاري بصحيحه بعيداًعن أخطاءه.
الباحث/ ســـمير يوســـف عســـكر