الثقافة العراقية تشرق من الغرب

المحرر موضوع: الثقافة العراقية تشرق من الغرب  (زيارة 406 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برهان الخطيب

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 9
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي

الثقافة العراقية تشرق من الغرب
برهان الخطيب


منذ تأسيسه في ستوكهولم عاصمة السويد قبل حوالي عامين يصدر المركز الثقافي العراقي هنا، بموازاة ما يقوم به المركز الثقافي الآخر في لندن، عددا من الأعمال الأدبية لكتاب ناشئين ولبعض آخر معروف على الساحة الأدبية العراقية ضمن نشاطات ثقافية متنوعة تشمل عرض أفلام وإقامة أمسيات أدبية وموسيقية ومعارض فنية للرسم والنحت، أمسيات باتت تجتذب عددا متزايدا من مثقفي الجالية العراقية هنا وسويديين مهتمين بالثقافة العراقية إلى جنينة روحية وارفة ظلال لثقافة متنوعة تميز بها العراق منذ القدم تعيد المرء إلى أيام وحدة الذات العراقية الكبيرة على دروب التفاعل الصحي الخلاق مع المحيط نحو تعافٍ من متاعب الغربة وأوجاعها.
من تلك النشاطات أقيم مؤخرا معرضا رسم لعماد وفؤاد الطائي، شقيقا الرائد الرسام المعروف سعد الطائي، كذلك تأبين راحلين، مكي البدري، سعدي المالح، غيرهما، إنما تبقى الإصدارات الأدبية جوار تلك النشاطات للمركز الثقافي من أبرز المعالم الثقافية العراقية هنا، لوصولها عبر مؤسسات التوزيع بعيدا  إلى شتى أنحاء العالم، وإيصالها رسالة الإبداع، إصدارات تستدعي أكثر من وقفة، لسبر ما في متنها، قيمتها الفنية، محتواها العام. في قراءة متأنية قد تساعد على تقييمها ومعرفة من أين وإلى أين نمضي، ثقافيا، سياسيا، اقتصاديا، و سعيا لاستجلاء تجليات الروح العراقية وما لها من أنوار تبدد ظلمات طريقنا الوعرة إلى رقي حقيقي كان لنا هذا الحصاد..
معلوم لكتابة رواية أو مسرحية ثمة أصول وقواعد، معرفتها ضروري، يخرج كاتب عنها يضع جديدة، أو يجد نفسه وكتابه في فوضى. حتى الطبيعة الحرة لها منطق، نظام، كذلك الإبداع ينبغي أن يكون، لإدامة تفاعل داخلي خلاق، تفاهم خارجي وتشويق، بغض النظر عن مستوياته، فكري عال أو غرائزي هابط، لبناء شكل متين للعمل، يحفظ الأفكار والمشاعر في صيغ عالية. التدرج مثلا في تقديم الأشخاص والوقائع ضروري، لتتم الإحاطة شيئا فشيئا بالحدث وغيره من أركان العمل الفني، الفعل يعقبه رد فعل، إدراك يعقبه إدراك أعلى. الترتيب المبرر للسرد لازم لتدفقه طبيعيا منطقيا، تنوع الشخصيات يديم الفعل، الحدث، الاختلاف في رواية يثريها، كما في وطن يتميز بديناميكية، ضمن إطار تفاهم، لكنا صرنا نجد عند كتّاب جدد شخصيات وأحداث متراكمة منذ أول صفحة، كما في غزو، في إنزال كلي للجميع دفعة واحدة، لبدء اللعب من غير إبداع، كشف كل الأوراق في سهو، كما بلعبة قمار عصبية، عليه يخسر المؤلف اللاعب رصيده أمام القارئ، خسارة مدبر آثم ومجتمع غافل عن حاله أمام مستقبله، ذلك ما نجده في كتاب "قلب جدتي نحاسة" للولائي جاسم. منذ البداية يقدم كاتبه في صفحاته الثلاث الأولى كل شخصياته دفعة واحدة، بعدها يتساءل قارئ هذا النص لماذا أواصل القراءة، ما الدافع، تساؤل مشروع في هذا الحال، زد تغدو قراءة سرده الخاص ثقيلة. هناك فرق بين سرد فني وسرد غير فني، بهلواني، البهلواني أيضا يمكن جعله فنيا، السرد نجعله فنيا إذا التزمنا بمنطق صارم، يحكمنا يحاكمنا على كل كلمة نضعها، لماذا نضعها هنا؟ ذلك سؤال تلقائي يردده مؤلف حصيف أثناء السرد يبتكر الرد عليه منطقيا مواصلا الكتابة، من غير ذلك يسقط في ثرثرة.
الثرثرة تتكلم عن أمور خاصة بلا إيحاء. تُرفع تُوسع لعرض العام، تُطرح مترابطة، فعل مركيز مثلا، يغدو السرد فنيا. ولائي لا يقترب إليه من قريب أو بعيد في جنجلوتيته عن الجدة فلانة، يعطي هوامش تشرح حواره العامي والأفضل لو كتبه بفصحى وسط تتجنب غث وتكرار العامية مستفيدا من حلاوتها في آن، مرتكزا عليها عند الضرورة القصوى، على ثرائها وعمقها. كذلك خذ هذه اللجاجة.. يضع صورته في طفولته على الغلاف مبررا ذلك بشرح آخر: هكذا كان المؤلف وقت تحدثت الجدة نحاسة (يا للاسم!) عن محتويات الكتاب.. فانظر إلى أي مدى ترتفع النرجسية عوض رفع الشأن العام بموازاة الخاص، كما تقتضي رواية غير وثائقية، يظهر كلاهما بحجمه بمبدأ التضاد والتلاؤم، كما بلوحة رسم فنية، لكن بالكلمات.. ولننظر إلى ما هو آت..
بالفصل الأول ينتحل "المؤلف" حكاية فولكلورية معروفة ينقلها على لسان الجدة، باعتبارها حكايتها الخاصة، يتبعه نقل طبيعي آخر دون انتقاء، فصل آخر، ثرثرة مع ضابط جوازات بين الأم وبناتها، الهوامش تترا لترجمة العراقية إلى العربية في تمزيق للسرد ما بعده تمزيق. أسلوب منذ أول جملة مفتعل، اقرأ معي رجاءا فاتحته: الحكاية القادمة، أعني بها حكاية الفصل الأول، روتها لي الجدة.. إلخ.. بينما الأجدى كتابتها: حكاية الفصل الأول روتها الجدة لي.. وانتهينا.
هذه السمة، تشتت التعبير ومعه انتباه الكاتب والقارئ، لازمة لمعظم الكتاب الجدد بل ولكثرة من "المتمرسين". العنوان ذاته: "قلب جدتي نحاسة" خال من جاذبية، من تبرير لكتابة رواية دع عنك قراءتها. ما هم قارئ من يوميات فلان أو علان يسردها في طبيعية مملة، ولماذا تعريف الجدة مرتين "جدتي" ثم اسمها البائخ "نحاسة"، لعله أرادها جدة الأمة العراقية لكنه لم يفلح في تقديمها جدة لأحد، دع عنك بداية الرواية نفسها، مضخمة مفخمة لحال نعرفه جميعا نحن العراقيين بسيطا. يقول: رجال العائلة كالوزراء والأطفال أولاد وبنات وزراء.. إلخ.. كأنه لا يدري درزن وزراء لصوص، دمى، على قحف أزرق. بعد حين يتضح استلهام جاسم كل كتابه من مقدمة رواية "الجنائن المغلقة" حيث كلام الجدة بلقيس هناك لدخول تاريخ العراق عبر عائلتها وغيرها، وما تلك الصلة بين جدة الجنائن والتأريخ إلاّ لكونها قابلة مرخّصة خرج من بين يديها نصف أهالي البلدة، أما جدة الولائي فهي جدة وزراء (حتة واحدة) من أول صفحة وما رأينا بعد ذلك غير واقع فاقع!
مرة أخرى: ما فرق الأدب عن اللغو؟ مَثَلنا يقول: الكذب المصفط أحسن من الصدق المخربط، يعني الخيال مهم لكن الترتيب أهم، في شكل، الشكل الصادح بمضمون جديد فوق فوضى المخيلة والواقع، بمعنى جديد، إظهار الأساسي فوق الثانوي، الخيال المكمل للواقع - لا الذي يغتاله - مبرزا الخفي بصور غير مباشرة.. حيثما نجد ذلك هناك يكون الأدب والفن.
نتكلم عن صدق دون ترتيب أمام طبيب نفسي ذلك قد يساعد في شفاء فوضى حواس، أفكار، فرد ما، لا فوضى اجتماعية سياسية، بعض علاجها نعم في الأدب المدرك. الأدب الصائب خيال يغني الواقع، والثرثرة خيال أيضا لكن تستهلك الواقع عبثا. نص، رواية، من غير مشكلة تعرضها، تعالجها، تتفاعل معها، تستشرف جمالياتها، لا تسمى رواية. هذر نحاسة خرط حقيقي، وُضع على صفحات تكرّم المركز الثقافي بطبعها صارت كتابا محسوبا على الثقافة العراقية، وقت هناك نصوص أخرى رائعة لا تجد ناشرا يتبناها، هيمنة مافيا الأدب كبيرة على النشر وغيره أدري من تجربتي المستمرة أكثر من نصف قرن، خلّونا من مافيا السياسة والاقتصاد الآن، نعم كل منها امتداد للأخرى، امتداد لهذا العقم الثقافي حولنا حوله العقم السياسي والخراب الذي ينتج داعش وحواضنها من مثقفي صمت علمانيين قيل وشيوخ كفر مدججين بدين زائف وقادة أحزاب يسارية يمينية يدعون لوطن في العلن، في الخفاء عن جهل أو بغاء أو غباء يساهمون في نحره نرى مواصلين دعوى تقدم ووطنية. منشورات المركز الثقافي نَفَسُها الوطني واضح، لعل ذلك وراء دعم نشرها، في محاولة لكسر طوق الهيمنة، ذلك يُحسب عاليا للمركز.
نعود إلى "رواية" "قلب جدتي نحاسة".. يا للعنوان المبهر لكاتبها الولائي، لا نجد لقلبها مكانا في الرواية.
 وإذا كان الكتاب يُقرأ من عنوانه فليس هناك أدل من عنوان كتاب باسم الأنصار "ليس لدي ما أقوله" يبقى للقول عنه. إنه يكتب عنه على الغلاف "شعر" ولو نقول عنه غير ذلك من عين الوزن لا نتجنى، لا روح لنصوصه، لا علاقة لها بشعر من قريب أو بعيد، شكلا، مقالا، مآلا، إلاّ قليلا سوف نرى، من صفحته الأولى إلى الأخيرة هذر. طبعا يمكنك أيضا تفسير كلماته حسب الهوى عاليا ولا تخطأ، هكذا سحر الكلمات، من هنا قد تراود "شعريتها" بعض قرائها، حيث الكلمات تغدو شماعات تعلق عليها معانيك، خذ قوله في أول قصيدة دون اختيار: وعندما وضعت كفي على الجسد هجم المجهول على قلبي بشراسة.. انتهى الاقتباس، وددت لو صحت: حي، يا الله! فالجسد يمكن أن يكون جسد القائل أو غيره، جسد المرحومة مارلين بأحلام، أو سايروس بأفلام، أو غيرهما، والمجهول يمكن أن يكون ما لا ندريه من تداعيات، أو ما نبتدعه من خطايانا وأخطائنا من ويلات، تداعيات يمكن تصورها حتما، المشترك موجود، في قعر الكلمات، عليك الغوص بينها تجده فإطلاق الآهات، هكذا اللعبة مع المجهول إلى آخر سطر من معلقات أبي الهول. خذ هذا أيضا دون اختيار عرض أو طول: تربط الأم طفلها (في) عمود النور باكية وتتوجه صوب قوس قزح ينتظرها، ثم تنطلق به نحو البعيد من دون كلام.. يا سلام! هكذا الشعر أو.. القارئ لا يفهم.. دون المستوى.. هكذا الشاعر يقرر، حسب النيات، كذلك يفعلون في السياسة، غرب يقرر لنا نيابة عنا وعلى المواطن أن يصدق: كل ما يفعلونه من الفنون والممكن، عليه قبوله! أما الويلات.. لا تلتفت إليها فيما هو آت.
 باسم الأنصار يغرّب بكلماته بحثا عن معاني بعيدة، تلك إحدى وسائل الشعر لإيصال رسائل مديدة، لكن تلك الكلمات بدل الاصطفاف في انسجام وتناغم تمهيدا لخلق الإيحاءات تتدفق شذر مذر معها المعنى يتمزق، يقول مثلا: ولن يكون بوسع الزقزقات (أي زقزقات لا نعلم!) إيقاف التجاعيد الزاحفة نحو الأيام (لا مع الأيام).. عليه يتشتت المعنى يتيه الشعر. نعم، اللعب بالكلمات ضروري، كما في سيرك بأشياء، لخلق الدهشة، إنما ينبغي لقفها طائرة وإلاّ يحدث ما لا يُحمد يا أحمد.. أحمد كاتب آخر.. كي لا يزعل باسم.
 نتساهل نقول باسم يوفق أحيانا إلى حد، ففي "الخروج ضد النهارات النائمة" ينجح باسم في إبداع نص له دلالات عديدة، لغة محلقة مرئية، ينجح أكثر في "أرفع راية المنفى عاليا" حيث يؤكد على جدوى التمرد الفردي المدرك بوجه بعض أملاءات الغربة، مشوِّهة الذات كاشفة بعض أسرار التأريخ. كذلك ينجح في إقامة شكل ملفت من كلمات بسيطة، قد يتهاوى كبيت كرتون بنفخة، قل نفحة، لو تأتي بمعنى في غير أوان. "البكاؤون" نموذجا إذ يعطي لكلٍ سببا للبكاء إلاّ هو الشاعر يبكي بصورة فريدة، في ذلك شيء من قلة احترام نحو الآخرين.
ونحن نقرأ ما يسمى اليوم شعرا نتساءل ما الشعر؟ سابقا هو اتساق، تعبير ينظّم فوضى شكلا، مضمونا، دع نبل الغاية منه الآن، نقاش حولها لا ينتهي. شكلا.. بإنجاز هيأة للقصيدة، بإيقاع، بترتيب لفظي معنوي خُلق في اللغة مع نشوئها قبل إعادة اكتشاف الشاعر جزيئاته ولملمتها بطريقة تُحسب له إبداعا، شعرا. ومضمونا.. باجتلاب أو جني المعنى من الغامض والمجهول البعيد عن إدراك عادي. اليوم نرى الشعر نقيض ذلك، ربما لكون الإيقاع مع تطور اللغة والفكر صار يعيق تجلي معاني معقدة ومشاعر متقدة، فنفلت منه إلى شعر بلا حدود، على نول كل شيء اليوم بلا حدود، فنانون بلا حدود، أطباء بلا حدود، ثوار بلا حدود، أوطان بلا حدود، وغدا.. نسوان بلا حدود، وذلك في نزعة خفية معاكسة، لتحويل اتساق مكبِّل لروح إلى فوضى، عسى يعقبها نظام جديد، غير واضح المعالم حاليا، ذلك تمشيا وما يجري في عوالم السياسة، شكلا مضمونا. إذاً تغييب الإيقاع أو قلبه على عقب، كما في الأغاني، هجع ليكن بريك دانس، حسنة ملص مغنية شانصون تجيد الدنص، ذلك متلائم مع الجديد لا مع لائم عن المتعة صائم. تفتيت المعنى يتماشى على أي حال مع استبدال ثقافة وطنية بغربية، عولمية، الأسطر الأخيرة هذه مكروهة عندي قبل عقدين ثلاثة إذ تمنيت تغيير الحال بثورة، أما ونحن نكتشف أن الثورات تصير عورات يقودها مرتزقة يهدمون الأوطان يستبدلون هوية الإنسان ببيضاء اكتب عليها ما تشاء نضطر لاعتراف بضحالتها.
المهم، أجمل ما ورد عند باسم: الرغبة تخلق الخوف لدى القتلة إلاّ أنها تخلق السؤال لدى الحكيم. ص 56 ، كذلك: أصبحت رحالة بعد أن سرق مني الهواء ص 58 ، والقليل غير ذلك.
ثناء سام بكتابها "عودة عشتار" تقدم قصائد وجدانية بلغة بسيطة عفوية انسيابية دون مغالاة تجعل القارئ يشاركها لحظاتها الهاربة، تطلعاتها البعيدة، شاعرة تستلهم صورها من واقعها المحلي متحصنة ضد سعي بعضهم وراء الغريب نتيجة استلاب في الغربة. مشروطة بإدراكها تبحث عن معاني تمنح اللحظات الهاربة قيمة. إنها قصائد فيها من النعومة والتلقائية ما يجعل قارئها يتابعها سطرا سطرا إلى نهاية كتابها في متعة. ذلك لا يعني إنها بلغت قمة التعبير الفني، كلا، ثمة هنات عديدة في تعبيرها عن أعماقها بدقة، إنما يمكن تناسي ذلك ومتابعتها للتعرف في الأقل على خفايا امرأة شرقية تهدأ تثور تبقى حصيفة طبيعية. دخلت صفحتها على الفيس بوك لاستكمال فهمي لها وجدت آراءها منطقية رصينة، حاسوب مكتبة ياغوبزبيري لا يكتب بالعربية آنذاك، فتركت لها على عجالة هذه الأسطر بالإنكليزية:

Commonsense in a mad, mad, mad world is dear
where from you’ve  got such  mind, good &  clear
but theft, they can do it, during daylight  with beer
I mean theft of mind, conscious & no one can hear
So, Miss thanaa.. would you be careful.. my dear


 قصائد ثناء البسيطة تذكرني بقصائد الشاعر البارع الستيني خالد الحلي الذي بلغ قمة إبداعه في ديوانه "مدن غائمة".. ثناء حين تكتب لا تنغلق على أنوثتها، تنفتح على هموم وتطلعات ناسها وبلدها وإنسانيتها. أحيانا وربما غالبا يتغلب الإيقاع على العواطف وسياق المعاني عندها تنساق وراءه مضحية بشيء من المحتوى، كقولها مثلا: شك يشاطرني، أنثى فوقها برقع، أعود نادما أهجع، أغلق أبوابي الأربع، (الصواب هنا: الأربعة. الباب مذكر، كذلك لا ندري أي أبواب، ولماذا أربعة) وتطلبين مني أن أرجع لذلك المخدع، لا لن أرجع.. واضح تحول الشعر هنا إلى سجع. لو استعاضت ثناء عن الإيقاع بمواصلة استبطان حالتها الشعرية كثفت المعنى، أمطرته صورا، زوابع، لكنها تتوقف غالبا عند حد خشية انزلاق بعيدا عند المعقول، عند "الخوف على نفسها من الكسر" في ما ألذ جسدي مثلا ص 56 بينما يستمطر القارئ من ذلك أكثر من معنى، كسر الرغبة، كسر الماضي، كسر العفاف، كلامها، مكتفية بقول: أخاف عليّ من الكسر.. لعل لها أكثر من حق في ذلك. 
نجم خطاوي له "نصوص الحكمة" كتاب بين الشعر ونقيضه، كما في حياة الشرق الأوسط اليوم، بين الواقع ونقيضه، يطير كغيره من شعراء اليوم بالصور بكلمات مجنحة ناشرا ململما عواطف متقلبة بين الوطن والغربة، يرسم صورا قهارة يسميها شعرا، حكمة، لا أدري ماذا بعد وهي أحيانا تشبه نكتة، ليس في ذلك ما يعيب كثيرا سوى إسرافه في استعمال الورق،  قصيدة "قبلة" في ص 33 من 19 كلمة، يضعها على صفحة كاملة، هذا نصها:  قبلته و في روحها لهيب عشق خارق وأنوثة ناعسة كالورد، قبلها ورأسه فارغة إلاّ من كرة القدم وهدف مسي الأخير. انتهت المعلقة. لا لوم هنا عليه. معظم "كتاب الغربة" كتبوا مضطرين، في ص42 يقول نجم خطاوي بقصيدة ميني من النوع المذكور: شكرا للشعر لولاه لهلكنا.
إنما لكتابة الشعر الحق، لتركيب صورة جديدة، ينبغي أن نفعل ذلك بمنطق، حتى والخيال بعيدا يحلق.
 يقول خطاوي مثلا: اعتلوا صهوة راياتك.. ص 74
إنما تلك صورة فاقعة، تذكرنا بالخازوق أكثر من أي  شيء آخر.
أفضل ما في كتابه، وهو ليس قليلا، قوله: حين تشح الحانات لا تقرب حانة الأراذل منتصف الجلسة يصير الشراب كالسم والكؤوس سكاكين ص71
من مجمل قصائده نفرز مرثاته "حديقتي الغرائبية" أرى لها قيمة فنية، كذلك "هموم" ثم  "سباقات" وغيرها. كتابه يستحق القراءة على أي حال فهو ليس من الكتب البريئة في عالم غير برئ، لا يجتر الماضي، إنما يحلّق في الحاضر مستشرفا مستقبلا أفضل لقارئه، تلك فضيلة في عالم الاستغراق في الذات.

ولعبد الرضا المادح قصص قصيرة بعنوان "أحزان القمر" في 64 صفحة، اطرح منها حوالي عشرين صفحة إهداء وفهرس ورسوم وفراغات وسواها، الباقي تخطيطات قلمية كان ينبغي أن تقدم نفسها دون شروح لكن هيهات، يقدم خبرا في بضعة أسطر أو مشهدا من زمن مات يسميه قصة، حسنا، قصة "8 شباط" لا يفهمها إلاّ من يحمل معه أوليات وتفاصيل تأريخ العراق، و(القصة) الثانية عبارة عن حلم وردي ينبو عن واقع من بردي، هنا أيضا السرد ينقل الخبر بلا فن، بلا إبداع.
الثالثة عن امرأة تطلب من رجلها جلب الماء من النهر أثناء الحرب، يفشل في ذلك.
 المهم في أي قصة ليس الحدث طبعا بل كيف نكتبه، ذلك ما يصنع الفن، أمامنا إذاً أيضا محاولة لتعلم كتابة القصة.
القصة الرابعة.. مشهد أطفال لم يروا تلفزيون، يتكلمون عنه، الخاتمة احدهم يفتح تلفزيونا حديثا يقول: لكل زمان طنطله. انتهت الملحمة. الخامسة ذكريات عن البصرة، السادسة أيضا مران على الكتابة. وإذا كانت القصة الأولى عن البصرة، فالرابعة عن مهاجر تخيبه الهجرة، تتبعها صورة لنزول الإنسان على القمر، واضح قصد كاتب تلك السطور تبيان البون الشاسع بين تأخرنا وتقدمهم من غير تغلغل في  أسباب ذلك، من غير وجع رأس، على ديدن كثرة تكتب اليوم، يُتشبث بالسطح والأعماق تجر النتيجة غرق مستمر. القصة المعنونة "رقم" أيضا من صفحة واحدة، فيها ملامح قصة، تفاصيل، خصوصية، الابتسار يغتال مشروع إتمامها. يتحول النص بعد قليل إلى قصص قصيرة جدا، الميني يحسدها على القصر، قصص من سطر وسطرين، صدق أو لا تصدق، حظها أسوأ من حظ صويحباتها. مقابل ذلك هناك صفحة كاملة لتوجيه الشكر لأحدهم نقح المجموعة، رغم ذلك تقرأ في ص 44 : مستندتاً يقصد طبعا مستندةً. أيضا: حض ص 47 يقصد حظ،. قس الباقي على ذلك ولا تدهش.. أو تموت من الدهشة.
كتاب "تسفير" لمؤيد عبد الستار هو الأكثر نضجا بين الكتب التي نشرها المركز الثقافي العراقي في ستوكهولم، مجموعة قصص يسرد فيها المؤلف تجربة التغرب بلغة واقعية سلسة ذات تفاصيل دقيقة تغنيها وصولا في خواتمها غير المتوقعة غالبا لشكل فني يجعل من قصته عملا  إبداعيا خاصة قصته الأولى "تسفير" التي تعرض لمحاولة عراقي تم تسفيره إلى إيران للعودة إلى وطنه، إلى خطيبته، ونهاية تلك المغامرة بتيه على بعير نهاية تذكرنا بنهاية أبطال غسان  كنفاني في "رجال تحت الشمس" كذلك بتجربة جسار في رواية " نجوم الظهر". لا شك ينجح مؤيد أيضا بقصته "امرأة من ورق" إذ يتحدث عن الحرية الفردية الواسعة في الغرب ونهاية مغترب إلى محاولة شراء دمية تشاركه حياته تعوض له خسارة عمره بين الوطن حيث الجهل والمنفى حيث الحرية الصادمة.
النصف الثاني من كتابه "تسفير" مكتوب بلغة جرائد تنقل الخبر لا تستبطنه كما يجب، لا ترقى لقصص فنية رغم طرافتها وتمحور القصص الأخيرة منها حول رياض الخائب في بحثه عن زوجة مع تنقله من الخليج إلى المحيط.
شكرا للمركز الثقافي العراقي في ستوكهولم ورئيسه د. أسعد راشد على هذه الباقة من "أزهار النشر" مع كونها برية ضارية أجدها تضاهي "أزهار الشر" الآتية من هنا وهناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ