بين الدّين والإيمان، "داعش" خارجًا

المحرر موضوع: بين الدّين والإيمان، "داعش" خارجًا  (زيارة 433 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 120
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بين الدّين والإيمان، "داعش" خارجًا
لويس إقليمس
في تاريخ علم الأديان، نتتبّع حركتها ونشأتَها ونبوغَها وانتشارَها بمقارنة "زمانيتها" أي تاريخ قيامها وتقويمها وبلوغها إلى ما آلت إليه ضمن حقبة زمنية وظرف معيّن. ولقد تعلّمنا أيضًا، أنَّ الظاهرة الدينية هي ظاهرة حقيقية، تمامًا مثلُها مثل ظاهرة الأنبياء والأولياء والمرسَلين، بحسب زمن الظهور والمحيط الذي نشأوا عليه وفيه. من هنا، فهي تشكل حقائق لها تاريخيتُها وواقعيتُها، غيرُ ممكنة الإنكار والنفي. هناكَ أديانٌ قائمة لغاية اليوم، منذ قدم التاريخ وظهور البشر على الأرض، كان لها وقعُ حضاريٌّ وتأثيرٌ بشريٌّ، ما يعني قيامَ تلك الأديان بتأثيرٍ في حضارة الشعوب التي قامت وسطَها وأسّستْ لتلك الديانة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لشعوبها وحافزًا لنوعيّة معينة من الحياة، رسمت لها حضارة تطبّعت بأسسها وكانت عاملًا لانتشارها وممارستها.
   منذ النشأة، كان للأديان تأثيرٌ مباشِر وغير مباشِر على حياة الناس وطريقة عيشهم وملازمتهم لحاجاتهم البشرية والمادية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أنَّ الدين ومفرداتِه، إنّما يرسم سياسة حياة الناس ويوجّهها نحو الوجهة الصحيحة والأمينة التي تحفظ للإنسان سلامَه الداخلي وترسم علاقتَه مع الخالق أو الإله الذي يتبعُه. وهذا في اعتقادي، كان ولايزال قائمًا لغاية الساعة متمثِّلاً بتأثير أركان الدّين ومرجعياتِه في حياة البشر ونصحهم بتوجيهها الوجهة الصحيحة والنافعة وسط هيجان الحياة القائم.فالدّين نصحٌ وأخلاقٌ ومحبةٌ وإيمانٌ ورجاءٌ بما نؤمن به وما نبتغيه في الحياة الدنيا وما نختزنُه منها للآخرة.
 يحدّثنا التاريخ قيام "أنبياء" أو رجالٍ صالحين تمكنوا من تأسيس منظومة بشرية متلازمة لتعاليمهم، ولم ينتهي تأثيرُهم مع غيابهم أو موتهم، بعد أن خلقوا لهم أتباعًا، بغضّ النظر عن الطريقة التي أتوا بها ونشروا عقيدتَهم وسط الناس. بعضٌ من هؤلاء كانوا من الأولياء الصالحين حين نقلوا رسالة من السماء لبني البشر تعينُهم على الحياة كما ينبغي ووفق المشيئة والهدف اللذين خُلقوالأجلهما. فيما أفرزتْ دياناتٌ أخرى عدمَ ارتقائها للهدف الذي وُجدت من أجله حين عطّلت مشيئة الخالق في محبة الجنس البشري بعضهم لبعضٍ، بحيث خرجت عن السياق الذي تأسستْ عليه بانكفائها على ذاتها وتعتيم تعاليمها من دون محاولة للتطوّر مع الزمن. فأصبح مؤسسُها لا يعدو كونَه مصلحًا اجتماعيًا لفترة طارئة من الزمن، لم تعد تنفع في ظلّ التطورات المعاصرة والعولمة والحداثة وكلّ أشكال التطور عبر الزمن. بالمقابل، نقرأ العديد من الأديان قد تلاشت بمجرّد موت صاحبِها أو اختفائِه عن الوجود. لكنّ مجمل هذه الأديان تبقى جميعًا ظواهرَ لها شأنُها وتأثيرُها، ولو بعد حين. فالزمن يدور بعجلة، قد تعود به إلى تلك الأوّليات، ولو بعد حين، حتى لو طال هذا الأخير!

الفكران الإلحاديّ والمتشدّد: ردّ فعل للشرود عن الصحيح!!!
يهمُّنا في هذه المرحلة أن نتحرّى قيمةَ الأديان في عالم اليوم، وما يمكن أن نستخلصّه من القائم منها حاليًا، والتي نختبرُها ونعيها ونمارسُ شعائرَها ونتّبعُ أنبياءَها ومؤسّسيها، كلٌّ منّا على طريقتِه ووفق معتقدِه، ولاسيّما الموحِّدة منها. فالإيمان بالله في منطقتنا حصرًا، يشكل موقفًا مشتركًا لشعوب المنطقة. أمّا في الغرب المارد، فهناكَ مَن شكّكَ بوجود الله وقدرتِه على إدارة الكون اللغز لغاية اليوم. وقد يكون حصل شيءٌ من هذا الطارئ، في حدود المنطقة التي نعيش فيها أيضًا، بسببٍ من تأثّرِ البعض بسفسطات وفلسفات الغير، سواءً القائمة أوالمستوردة منها. إلاّ أنَّ أصحاب هذا الفريق بفكرِه الإلحاديّ المطروح هنا وهناك، لم يتمكّن بجهودِه وحججه من إثبات نظرية أو حقيقة عدم وجود الّله.فيما أثبت الفريق المؤمن الآخر "الموحِّد"، أنّ هذا الكون الكبير لابدّ أن تكون هناك قوّة خلاّقة وجبّارة تديرُه وتوجّهه مع ترك الخيار في الاختيار للإنسان نفسِه. وهكذا أصبح اللهُ والإيمانُ به وبتعاليمِه، متلازمةً للديانات الموحِّدة، مع فارقٍ طبعًا، في كيفية فهم عظمة الخالق والعمل وفق وصاياه وفي كيفية ترويض الأتباع والمؤمنين، بل وطريقة فهم وتأويل ما أتت به الكتب التي تتحدّث عنه وتنقل هذه التعاليم.
قد تكون انطلاقةُ الفكرة "غير المؤمنة" بوجود الّله، أتتْ من منطلق تركِ الّله لخليقتِه مخيَّرةً وليسَ مسيَّرةً، حيث يستغلّ الإنسان طاقتَه ويوجّه إرادتَه نحو مايؤمنُ أو لايؤمنُ به وما يراه مناسبًا في تسيير دفّة شؤونِه الروحيّة والمادّية بكلّ الحرّية التي أولاهُ إياها الخالق. فالعلاقة هنا، تبقى في حدود الشخصيّة بين الله الخالق والإنسان، خليقتِه الضعيفة! وهذا ما ننادي به اليوم، بكونِ الدّينِ وكلِّ ما يمسّ الشعور الإيمانيّ باللّه، أي تكريس العلاقة بين الله وخليقتِه، مسألةً شخصيّة بحتة يعبّرُ عنها سلوكُ البشر وفق ما يراها ملائمة له في حياتِه ومسايِرةً لرغباتِه وشعورِه، جامحًا كانَ هذا الأخير أمْ متعقّلاً متروّيًا.
 ربّما يكونُ التفكيرُ بعدم وجودِ "إلهٍ"، يعود إلى بدايات الخلق أو ما بعدها. وربّما يكون مثل هذا التفكير حديثًا، لاسيّما في العصور الوسطى، قد نشأَ في فترة سطوةِ المؤسّسة الكنسية على مقاليد الحياة في أصقاعَ معينة بحيثُ وصلَ تأثيرُها إلينا في الشرق. وهذا ما يشرحُه سببُ ردّ فعلِ أصحابِ الفكر الإلحاديّ، على ما شهدته أوربا من أنواعٍ الظلم الاجتماعي الذي مارسته سلطة الكنيسة في الغرب مثلاً، فيحقبةٍمظلمةمنمسيرتِها على أتباعِها. فقد يكون حصلذلك من خلال شبهاتٍ مسّتْ حياةَ بعضِ رئاساتِها في فترةِ الانحطاطِ الأخلاقيّ والماديّ والمجتمعيّ حينَ تحالفتْ مع جماعاتِ الإقطاع وسخّرتْ جهودَ البسطاء من الفلاحين لخدمتِها منْ دونِ وازعٍ. وهذا ما يشرحُ أيضًا، نوعيةَ الغضبِ الجارف الذي وُجّهَ آنذاك، نحو مؤسساتٍ كنسية ورجالِها على السواء. إذْ، سرعانَ ما تراجعتْ عددٌ مِن تلك المؤسسات عن أشكال تلك التصرّفات الهوجاء، فعادتْ إلى رشدِها وانتهجتِ السلوكَ الصحيح الذي أوصى به ربُها، نخبةَ التلاميذ والحواريّين حينَ أرسلَهم للتبشير باسمه القدّوس "إذهبوا وتلمذوا جميعَ الامم وعمّدوهُم باسم الاب والابن والروح القدس وعلّموهُم أنْ يحفظوا جميعَ ما أوصيتُكُم به ..وها انا معكم كلَّ الأيّام إلى انقضاءِ الدهر" (إنجيل متى 18:28-20). فاللّه لا يترك أبناءَه فريسةً للشرّ والأشرار، إذ طالما تبقى نتفٌ مِن الغيرةِ والرحمة والإيمانِ في قلوبِ البشر. وهذه هي التي تثمرُ وتنمو بعدَ اهتداءٍ مرتقب. فإنَّ " قَلْبَ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ" (سفر الأمثال 16:9). من هنا نرى قوّةَ الإيمان واتباعَ مشيئةِ الخالقِ قد تعزّزت بفعل الرجوع إلى الصواب وفي ممارسة ما يتطلّبُه مثلُ هذا الإيمان في حياةِ الإنسانِ السويّ والعاقل الذي ينشدُ عبادةَ ربّه بصدقٍ مِن دونِ مواربةٍ ولا تعقيدٍ ولا تشدّد ولا تطرُّفٍ ولا زوغانٍ عن الطريق الصحيح والصراطِ المستقيم الذي لا يستقيمُ أبدًا مِن غيرِ إرادةِ الخالق ووصيّتِهِ المتمثلة ب "المحبة"، محبةِ جميعِ البشر بعضهِم لبعضٍ والقبوُل بهم كما هُم على طبيعتهم وكما خُلقوا.
مِن هنا، يكونُ الخروج عن هذه الطريق السويّة، بمثابة انتحارٍ بشريّ بسبب سلوكٍ عدائيّ مفرَط غيرِ مقبولٍ، حين يفرضُ مثلُ هذا السلوكِ عليه تكفيرَ الآخَر وردَّه وعدمَ الاعترافِ به، بالرغمِ مِن سواسيّة الخلق وعدالةِ الخالق في توزيع خليقتِه كما شاءَ هو، ووفقَ إرادتِه وقدرتِه وغاياتِهِ. ثمّ إنَّ اللّهَ الخالق، لمْ يخوّلْ أحدًا على الأرض، للحكمِ على خليقتِه وإنزالِ القصاصِ ظلمًا وعدوانًا بعقيدةِ تستبيحُ كلَّ فعالِ الشرّ وممارسةَ العنف، خارجًا عمّا تحكمُ به الشرائعُ السماويّة الصحيحة المتسامحة والقوانينُ الوضعية التي تساوي بين البشر ولا تفرّق. فهذه الأخيرة، لا يمكن أن تخضعَ نزولاً عندَ رغباتَ وشهواتَ ونزواتَ مَنْ تسوِّلُ له نفسُه الحكمَ على خليقة اللهِ بطريقةٍ بدائية لا ترقى إلى القيم الشرعية الصحيحة والمنطقِ والقانونِ الإنسانيّ الذي يجبُ أنْ يتحدّدَ وفقَ مبادئِ العدالةِ الاجتماعية والمساواة واحترام الحرّيات الشخصية في العمل والتفكيرِ والتصرّفِ ومِن دونِ المساسِ بحرّية الغيرِ وإلحاقِ الشرّ به.
أمّا ما يبرّرُ أفعالَ العنفِ القائمة هذه الأيام، والمشتدّةِ مِنْ دونِ هوادة، فبعضٌ منه تحصيلُ حاصلٍ لأنواعِ الظلمِ الذي مورسَ مِن أنظمةٍ وسلاطينَ وزعاماتٍ قستْ قلوبُها واهترأتْ عقولُها وضمائرُها بانغماسِها في ملاذِ الدنيا وأباطيلِها تاركةً الشعوبَ المقهورة والمستضعفة في وادٍ سحيقٍ يفتقرُ إلى أبسطِ أنواعِ الحياة الآدميّة. فما بالُكَ أنْ يعيشَ أكثر من ثلثي العالم في حياةٍ بسيطة من الفقر والفاقة، فيما لا يتعدّى كبارُ الأثرياء المتخَمين المتحكّمين بثروات العالم 1%، إن لمْ يُعدّوا بضعة عشراتٍ منَ الآلاف أو ربّما أقلَّ من ذلك. فأينَ العدلُ في البشر، الذي أوصى به الخالقُ والذي لا تكفُّ المراجعُ المعتدلة والعقلاءُ وأصحابُ الإرادات الصالحة يوصونَ بهِ الأتباعَ وكلَّ البشر لينتهجوا الطريق السويّ في الحياة والذي يُرضي اللَّه وأولياءَه ورسلَه الصالحين. ومهما يكنْ مِن أمرِ هذه الطبقات الحاكمة الضالّة، فهذا ليسَ منَ المبرّرات المكتسبة الشرعيّة كي يخرجوا عنْ جادةِ الصوابِ وينحلوا طريقَ الإلحادِ أو التشدّد في الحياةِ وفي الفكرِ والمنهج. فالديانةُ التي تقبلُ عقيدتُها استباحةَ التكفير والشرّ والتقتيل والسبي والاغتصاب والتنكيل ظلمًا وعدوانًا ودونَ وجهِ حقّ، فإنّها لا تسمو أن توضعَ في مصافِ الأديانِ التي تنشدُ عبادةَ اللهِ، الرحمنِ الرحيم، الذي يحبُّ بني البشر، كلَّ البشر دونَ تمييزٍ أو تفرقةٍ.

الكنيسة منبع الفلسفات
سقتُ مثالَ الكنيسة كمؤسسةٍ دينية بشرية عانتْ مِن ضعفٍ بشريٍّ في فترة معيّنة، وليسَ المقصودُ به الدّيانةَ المسيحّية ومعتقداتِها الإلهيّة الثابتة. فالأخيرة، كانت وماتزالُ الأكثرَ تأثيرًا في حياةِ الشعوب تاريخيًّا، والأعلى مصداقيّةً إيمانيًّا، والأقربَ إلى علاقةٍ روحيّة وأخلاقيّة وتعايشيّةٍ وسلميّةٍ وواقعيّةٍ والأشدَّ تعلُّقًا بالوطنِ والأرضِ من غيرها مِن الأديانِ القائمة. قد تكونُ هذه الرؤية لدى البعضِ نسبيةً بعضَ الشيء. إلاّ أنَّ تلك المرحلة مِن الضعف أيضًا، والذي عانت منهُ مؤسساتُها، كانتْ بحقّ بداياتِ نشوءِ نظامٍ محايدٍ بل ومستقلٍّ أحيانًا عنْ كلّ ما يشيرُ بصلةٍ إلى الدّين ورئاساتِه، بحيثُ قادت الغربَ إلى ما يشبه التحدّي في الفكرِ والرؤية بسبب رياحِ العلميّة والعصرنة التي اجتاحتها وفتحت نوافذ لفلسفات جديدة إلحادية ولا أدرية ومادّية ولا أباليّة واستدلالية لنظريات حتميّة ولاحتميّة وفردانيّة وما شابهَها.
مجمل هذه الفلسفاتِ الجديدة مثارِ الشكِّ واليقين، التي نبعتْ في الغرب بصورة أخصّ، وارتبطتْ بالمسيحيّة أو بالأحرى بمراكزَ لزعاماتِ الكنائس في صياغتِها وقولبتها، حاولتْ ما استطاعتْ إبعادَ الكائن البشري عن إيمانِه بخالقِ الكون، ذلك الإيمانِ التقليديّ الذي تعلّمَه وتلقَّنَه الإنسانُ في صغرِه، وعندما كبرَ تزعزعتْ صورتُه بهوبدينِه وبخالقِه على السواء. وهذه كانت مشكلةُ العصر المتأثِّر بقوانينِ العلوم الجديدة بعدَ الثورة الصناعية وتوالي الثوراتِ في الغرب على الأنظمة المَلَكية القائمة آنذاك، بحيث أصبحَ لا مكانَ للّه في حياة الكثيرين، وهو الذي خلقَ الكونَ وارتاحَ في اليوم السابع، تاركًا مصيرَه بيد القدر وأصحابِ العلمِ والنظريات والفلسفات والأفكار الجديدة التي انتشرت فيها انتشارَ الهشيمِ في النّار.
إذا كانتِ المؤسساتُ الدّينية عمومًا، قد تحدّتْ فكرةَ الإلحادِ التي لمْ تستطعْ تقديمَ بياناتٍ وإثباتات مقنعةً للرأي العام ولأتباعِها ومواليها، فهذا دليلٌ على خسارةِ هذه الأخيرة، الرهانَ بعدمِ وجود اللّه. "قال الجاهلُ في قلبِه ليس إله" (مزمور14: 1 وأيضاً مزمور 53: 1)، كما ورد في مزامير الكتاب المقدّس. والجاهلُ هنا، ليس هذا الملحدُ الذي أنكرَ وينكرُ وجودَ الله الخالق في حياةِ البشرِ والكونِ مِن موقع الغباء والجهل. لأنَّ "الملحدَ ليسَ بالضرورة أنْ يكونَ غبيًّا وجاهلاً وناقصًا للذكاء، بل بالعكس هناك منهم مَن يقيس عقلُه ذكاءً لا يُعدّ بقناطير مؤلَّفة". لكنَّ جهلَه يتلخّصُ بعدم إيمانِه بهذا الإله، مسيِّر الكونِ ومديرِه بقوّتِه وجبروتِه. والمسألةُ هنا، بحسب العقلاءِ والحكماء، أخلاقيّة بحتة تَلصقُ الإنسانَ غيرَ السويّ والشاردَ، عندما ينكرُ هذا الوجودَ ويتصرّفُ رافضًا الإيمانَ بالله، خالقِ هذا الكون الذي يدعو البشر، جميعَ البشر للالتزام بالأخلاق والمحبة والسلامِ مع بعضِهم البعض. وهذا ما يفسّرُ فراغَ الغربِ ممّا نسمّيه بالأخلاق وتصرَّفَهم على سجيّتهم بطريقة مختلفةٍ أخلاقيًّا ومجتمعيًّا، لا تقبل بها غيرُهم مْن مجتمعاتٍ وشعوبٍ مؤمنة أخرى. إذْ هناكَ شرائحُ وافية ترغبُ العيشَ على هواها مْن غيرِ التزامٍ أخلاقيّ وتعدُّهُ شأنًا خاصًّا ليس للمجتمع أنْ يحاسبَها على ما تفعلُه.

الإسلامُ هاجسٌ دائمٌ للسلطة والسطوة
بالمقابل، كانَ هاجسُ حيازةِ السلطة وحظوةِ السطوة والطمعِ في توسيع الممالكِ واقتناءِ المالِ والجاهِ والعظمة مِنْ أولويّات الإسلام بعدَ سنواتٍ مِن انتشارِه في الجزيرة العربية، متأثِّرًا بثقافة البداوة والقبيلة والعشيرة التي كانت سائدة آنذاكَ، ما كانَ يحفّزُ أتباعَ الإسلام وسلاطينَهم لممارسةِ أعمالِ العنف والعدوانِ لبلوغِ تلكَ الغايات
. ولمْ يستطعِ الإسلامُ التخلّصَ مِن بقايا تلكَ الاثار جميعًا لغاية الساعة، ما جعلَ سمة العنف والقتل والغزو مرتبطًةً بالعقيدة الإسلامية، بالرغمِ مِن إنكارِ المعتدلين وحكماءِ الدّين ومراجعِهم المتنوّرة هذهِ التشخيصات المشوِّهة التي لا يعتقدونَ بصحّتها ومقبوليتِها وإمكانيّة تطبيقِها في الألفيةّ الثالثة.
على الصعيدِ ذاتِه، يكونُ الإسلامُ قدْ غيرَّ مسارَ العقيدةِ "المحمّدية" وابتعدَ عمّا وردَ في القرآن أو بالأحرى ما أرادَه القرآن لأتباعِه في تلك الحقبةِ مِن التاريخ وما تسرّبَ عن السنّة النبوية ليكونَ مكمِّلاً للقرآن آنذاك وللأجيال فيما بعد. فكانَ اعتمادُ المسلمين في فترة مظلمةٍ على أفكارٍ إلغائيّة وسلفيّة متشدّدة حدّدَها ورسمَها منظِّرونَ مِن أمثالِ "إبن تيميّة" الذي اقترنَ ظهورُه معَ ظهورِ فتنٍ، إبّان انحطاطِ الدولة العباسية في نهاية القرنِ السابعَ وبدايةِ القرنِ الثامنَ الهجريّ. وكذا ما نقلَهُ "صحيحٌ ومسلمٌ" وغيرُهما من رواياتٍ قيلتْ عنِ السلفِ ونُقلتْ إلى الخَلَف بعدَ مرورِ قرونٍ، ما يجعلُها غيرَ موثوقةٍ ومحكمَةٍ تمامًا عن الأصلِ في نقلها عنْ أولئك السَّلَف أو مِن أيامِ نبيِّ الإسلامِ ومِنْ بعدِه مَن كانَ مِنَ الصحابةِ الأوائل حتى بلوغِها إلى ما وصلَ إليه "محمد عبد الوهاب" بالسعودية ومنظّرو الإخوان وآخرون غيرُهم من بعدِهِ. هذه وغيرُها، كانت هي البداية للسقوط في فخاخ التعصّب والتشدّد والتكفير وما تبعَها مِن إجازةِ أعمالِ القتل والسبي والغزو والاغتصاب والنهبِ والسرقة بحجةِ كونِ ما يُستولى عليه إبّانَ الغزواتِ حلالاً محلَّلاً باسمِ الدّين والشّرعِ. هكذا كانت العربُ تفعلُ لتعيشَ! واليومَ، كلّ مَنْ يختلفُ عن نهجِ التنظيماتِ السلفيّة المتشدّدة بالفكرِ والفعلِ أصبحَ مشروعًا للغزوة ويجوزُ التصرّفُ به باعتبارِه مشركًا ومرتدّا وواقعًا عليه الحدّ.
ما نشهدُه اليوم حقًّا، يعودُ بنا إلى فترات مظلمة من حقب الخلافة الإسلامية التي ابتعدتْ عن سلوكِ الدّين القويم وسيَّسَته لصالحِ أشخاصٍ ومجاميعَ وفئاتٍ حاكمة. هناكَ مَنْ يرى أنَّ مثلَ هذه التنظيمات الضالّة لا تمتّ بصلة للإسلام والمسلمين. ولنا أنْ نتساءل، إذا كانتْ كذلك، فلماذا هذا الانقسام في الردّ وتسويةِ ما شذَّ وخرجَ عن القاعدة، أي عن أصولِ القرآن والسنّة النبويّة؟ وإنْ كانَ هذا هو رأيُ العديد من المعتدلين والمدركين لقيمة الإسلام المتسامح، فأين موقعُ تنظيماتٍ إسلامية مسلّحة إرهابيّة، سنّية أم شيعية، عاملة في الساحة الإسلامية والمنطقة هذه الأيام، من أمثال حماس وطالبان وبوكو حرام والقاعدة وأنصار بيت المقدس وداعش وجبهة النصرة والشباب الصومالية وكتائب القسّام وجند الشام وحزب الله والتشكيلات الإخوانية المتعدّدة وخراسان وكتائب وميليشيات حديثة عديدة تعمل باسم الدّين؟ وماأدرانا ما في الكواليس غيرُها! هل هذه جميعًا تنطلقُ مِنْ مبادئَ إسلاميةٍ تسامحيّة لدينٍ حنيفٍ وتحتفظ برؤية دينية وإيمانية يدعمُها الشرع الصحيح والعقل والمنطق في عصر العلم والتكنلوجيا، ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟ أمْ إنَّ الشرعَ والدينَ يقضيان العودةَ بالإنسانِ والبشرية إلى عصرِ البداوة والظلمات والاقتتال الدّيني والمذهبيّ والطائفيّ، لمجردِ الرغبة بالسعي للجاه والمال والسلطة التي يعتمدها بعض فقهاء الدين الإسلاميّ في أدبياتِهم وقواعدهم وأصولِهم التي هي مثارَ الشكّ والريبة؟ هذه مجرّد تساؤلات تقتضي الإجابة عليها من أصحابِ الشأن.

"داعش" وحشٌ كاسرٌ بلباسٍ دينيّ زائف
يُعزى خروجُ فئاتِ مجتمعية عنْ جادة قوانينِ المؤسساتِ الدينية القويمة في غفلةٍ مِن الزمن، أيًّا كانتْ هويتُها، إلى ضعفِ المسؤولية الأخلاقية والإيمانية المؤتَمَنين عليها وإلى انحطاطٍ بالسبلِ الصحيحة في الإيمان القويم بالّله وبالنظام الذي خلقَه وأتاحَه للبشرِ كي يعيشوا وينموا ويكثروا ويتحابّوا في أرضه الواسعة، وكذلك إلى خللٍ في التركيبة البشرية لمَن يديرون هذه المؤسسات. فمعَ تنامي البشر وتكاثرِهم العشوائيّ وحشرِهم مِنْ أجلِ لقمةِ العيش، والنزعة البشرية لدى البعض للتفرّد بخيرات الأرض وإدارتِها، كلُّ على هواه ووفقَ مصالحِه، نزعتْ فئاتٌ أمّارةٌ بالسوءِ للخروجِ عن قانونِ السماء واتجّهتْ لضربِ قاعدةَ عدالةِ الله في المجتمع. تنظيماتٌ كثيرة وقعتْ في فخّ التطرّف واتجهتْ للتنظير لأفكارِها وأيديولوجيتها والترويج لكسبِ التأييد لها مِنْ أجلِ تحقيق مصالحِها على حساب الدّين والمذهب الذي اتخذته غطاءً ولباسًا لتحقيق مآربها.
هناك مّن يرى أنَّ أجهزةً استخباراتيّةً عالميّة هي التي تتولّى خلقَ تنظيمات متطرّفة أمثالَ "داعش" ومثيلاتها، هنا وهناك، لمقاصدَ إقليمية أو دولية، ومِنْ ثمَّ تتولّى معالجتَها بعد استنفاذِ مقاصدِها. ومن الملاحظ أنَّ هذا التوجّه قد اشتدّ في عصرِنا مع انتهاء الحرب الباردة بغيةَ تصنيعِ أعداءَ جددًا لخلافة ما قام به الفكر الشيوعيّ قرابةَ سبعة عقود ونيّف. والهدفُ هو بلا شكّ، استمرارُ صراعِ الحضارات والأديان وتشغيلُ الماكنةِ التصنيعية الحربية وتطويرُ منتجاتها وتسويقُها في مناطقَ تمّ اختيارُها بعنايٍة لتبقى ساخنةً بسببِ توفر الاستعداد لديها.وهذه التياراتُ المتطرّفة جميعًا، تتخذُ ذاتَ النهج العنفيّ في بلوغِ غاياتها، مستخدمةً غطاءَ الدّين والتديّن في وسائلها. ولعلَّ اشتدادَ هذا النهج في السنوات الأخيرة المنصرمة منذُ تولّي القطب الواحد زمامَ أمورِ العالم وتسيّدِه الساحةَ السياسيةَ والاقتصادية، قد أوقعَ العالم في فخاخِ الحيرة مِنْ أمرِ دينِهم. فهلْ كانَ السلفُ الصالحُ ليقبلَ ما يقترفُه الخلَفُ الشاردُ مِن أعمالٍ وشذوذٍ وتحريفٍ وتسييس للدّين وتأويِلاته على حسابِ سلامِ الجماعة والبشرية؟ فيما غايةُ الدّين، أيِّ دينٍ، محدَّدَة لا اجتهادَ فيها، ألا وهي عبادةُ الله، حيث لا يمكنُ القبولُ باتخاذِ القوةِ والقتل والعنفِ سبيلًا لتطبيقِ بنودِ الدّين والشريعة، لأنّ اللَّهَ إنّما خلقَ جميعَ البشر متساوين، "خلقهما ذكرًا وأنثى" ليعيشا ويكثرا وينميا معًا. فالأرضُ تكفي لجميعِ وتتسعُ لعبادِ الخالق على اختلاف تلاوينهم ومكوّناتهم وأعراقِهم ولغاتهم، وليستْ محدَّدةً لدينٍ دونَ آخرَ.
"داعش" مثالاً لهذا الشذوذ، كانتْ ولادتُها لظروفٍ ولها أسبابُها في الظهور بما ظهرتْ عليه مِن تشدّد وتطرّف في الفكرِ والإيديولوجية والتطبيق الذي نالَ حظًّا وافرًا لغاية الساعة، لاسيّما وسطَ الشباب المهزوز العاطلِ الغاضبِ على الأنظمة الدكتاتورية السلطوية في مناطق ساخنة في الشرق وأفريقيا الجائعة. وليس غريبًا أنْ يستولي مثلُ هذا التنظيم على ألباب وأفكارِ هؤلاءِ الشباب العاطلين واليائسين من قسوة الحياة وظلمِها، ومن كلا الجنسين بحججٍ وتبريراتٍ وأشكالٍ عديدة، مِن ضمنها تهافت فتياتٍ مراهقاتٍ ونساءَ يائساتٍ وبائساتٍ لتطبيق ما يُسمّى بجهادِ النكاح الذي شاعَ وانتشرَ وسطَ المقاتلين، فيما استهجنتْه المراجعُ الرشيدة وعقلاءُ الدّين وحكماؤُهم والمتعلّمون من عبادِ اللّه. وكلُّ هذا يجري بلباسٍ دينيّ وغطاءٍ إسلامويّ مستهجَن. وما لم يتمَّ القضاءُ على هذا الفكر المتطرّف المتنامي بسببِ المكاسب الكبيرة الجديدة التي تحتَ حيازتِه والدعمِ الماليّ المتلقَّى مِن أساطينِ الشرّ والحاقدين على الإنسانية، فإنّ مصيرَ العالم سيكونُ الفناءُ، لا محالَ. بل ستتوسعُ ساحةُ المعركة لتشملَ بلدانًا وقاراتٍ جديدة، و"هناك سيكون البكاء وصريرُ الأسنان".
كلُّ الآراء، تتجهُ نحو تحوّلِ "داعش" إلى سرطانٍ خبيثٍ، يتطلّبُ صدًّا دوليًّا قويًّا وحاسمًا إلى جانب استخدام القوّة المضادّة ضدَّ ماكنتها الإعلامية الضخمة الناشطة بجذب الموالين والأنصار وأصحاب الفكر العقائديّ المهزوز، كي تفقد أيديولوجيتُها البريقَ الإعلاميّ القائم ولتنهارَ في الآخِر. لقد تمكّنَ هذا التنظيم مِن كسبِ التأييد الواسع لانتشارهِ فقط، بسبب الأنظمة السلطويّة وممارساتِ الحكومات الطائفية السابقة المتتالية في العراق، وبالذات ولاية المالكي التي امتدّت لحقبتين كارثيتين اتسمتا بتكرار المآسي والأزمات المتلاحقة مَع الشركاءِ السياسيّين الذي استبُعدوا، ولاسيّما المكوّن السنّي بالذات. فقد استفادَ التنظيم مِنْ حالةِ الفوضى والنقمة وعدم الرضى التي سادتْ مناطقَ تواجدِ هذا المكوّن ومكوّناتٍ أخرى، ليزرَع بذورَ الشكّ في أيّ تحسّنٍ وعودةٍ لتماسكِ نسيجِ الشعبِ بجميعِ مكوّناتِه. وقد راهنَ على هذا النهجِ منذُ البداية وحصلَ على ما أرادَ مِنْ مكتسباتٍ بسببِ الضعفِ المتواصلِ في رأبِ الصدع بين الشركاء أو المشاركين. واليومَ، لنْ يكونَ هناك حلٌّ بغير تمكّن السنّة مِن استعادة دورِهم الوطنيّ الحقيقيّ في الساحة السياسية في كلّ من سوريا والعراق كي ينسجمَ مع الجوّ العام العربيّ.

تقليدُ السَّلَف
إنّ "داعش"، ترتدي الزيَّ الإسلاميّ في تقليدِها للسلفِ باتشاحِها السواد وحملِ ذاتِ الرايات السود في ما تسمّيه بالغزواتِ التي تتولاّها ضدَّ كلّ مَنْ لا يناصرُها أو يواليها في نهجها العقيم وفكرِها التكفيري للمختلفين معها.
وإذ تأخذ مسارَها ومقوّماتها مِنَ الصحابة وطريقةِ تسييرهم وتأويلِهم لقواعدِ الحكم الإسلاميّ الخاضعة في أغلب بنودها وتطبيقاتها لمقوّمات عشائرية وقبليّة في الأزمنة الغابرة تلك، فهي تريدُ للبشرية والمجتمعات جميعًا أنْ تعودَ إلى عقليّة الحياة البدائية البدويّة التي كانتْ سائدةً قبل أكثرَ مِن خمسةَ عشرَ قرنًا خلتْ، أي قبلَ العصرنة واكتشاف العلوم وأدواتِها ونتاجاتِها إلى حيثُ ما نحنُ عليه اليوم. تلكمْ كانت الحالُ أيامَ الحروبِ بل الغزوات المتكرّرة والمكائد والدسائس التي كانت تُحاك منذ عهد الخلافة الإسلامية الراشدية مرورًا بالأمويين والعبّاسيين والسلاجقة والقرامطة والمماليك وغيرهم، ووصولاً للعثمانيين ولغاية يومنا هذا، والتي تؤكّد على صفةِ الصراع السياسيّ مِنْ أجلِ الحكم بلباسِ الدّين. فالمظاهرُ التي عليها أتباعُ هذا التنظيم وغيره مِن التنظيماتِ المسلّحة التي تتخذُ الترهيب والرعب سبيلاً لفرضِ نوعيّة الحكمِ على الغير، هي هي ذاتُها ما كانَ قائمًا وسائدًا أيامَ الحروبِ الطواحن بين المتنافسين والساعين للسلطة. فكلُّ خليفةٍ كانَ يسعى لتثبيتِ أحقيتِه الشرعية بالسلطة وإقصاءِ غيرِه المتنافسِ معَه باستخدامِ السيف وأدواتِ التكفير والاتهام بالردّة لكلّ مَنْ يعترضُ أو يخالف الرأي. ومِنَ المؤسفِ أنْ يتحوّلَ الدّينُ الإسلاميّ إلى أداةٍ سياسية للقتل وتطبيقِ المفاهيم البدوية القبلية في تحقيق الغلبة على الغير، ومِنْ ثمَّ ممارسةُ ما نستهجنُه من عملياتِ قتل وغزو واغتصاب واستعباد ونكاح نساء وسبيهنّ وبيعهنّ في سوق النخاسة باعتبارهنَّ سبايا وشيئًا مِن مغانم الغزو، وكأننا نعيشُ حياة البداوة القبلية السائدة ما قبل قدومِ الإسلام.
ألسّلفيّة، كما نفهمُها هي السّير على منهج قدامى الصّحابة الذين نهلوا مِن طيبةِ سيرة نبيّ الإسلام ومِن سنّتِه وأتباعِه الصالحين المتمسّكين بهداية القرآن مِنْ دونِ ما شابَهُ مِن تعديلٍ وتناقضٍ في آياتٍ منقولة بعدَ إعادةِ جمعِها وتوحيدِها على يد الخليفة عثمان بن عفّان. واتّباعُ هذا النهج بعيدًا عن العصبيّات والشيعِ والطوائف هو الكفيلُ بفهمِ ما ينقلُه القرآن للناس ولأتباعِه مِنْ أجلِ صيانة وحدةِ الأمّة الإسلامية وتعايُشِها بسلامِ مع غيرها مِنَ الأمم والشعوب. فيما الابتعادُ عنْ هذه الطريق السليمة والزوغانُ عنْ جوهرِ الإسلام وروحِه، يعرّضُ هذه الأمّة للتمزّق والتفكّك والانهيار معَ تواتر الزمن وتطوّرِ الحياة، لا محالة. وهذا ما هو قائمٌ أمامَ الأنظار في هذه الأزمان.
إنَّ الإسلامَ بحسبِ البعض، يعيشُ حالةَ احتضارٍ في العديد مِنْ جوانبِه الفكرية والاجتماعية والأخلاقية على يد فئاتٍ ضالّة شوّهتِ الدّينَ وقوّضتْ أسَسه وعرّضت أتباعَه المعتدلين العقلاءَ والراشدين بهداية الخالق، إلى حالة من اليأسِ والاستهجانِ لما يجري وما آل إليه مِن تشويهِ لأصوله وتعاليمه بسببِ فتاوى التّكفير وأدواتِ الرعب والترهيبوالإرهاب الجارية التي اتخذتْ سفكَ الدماء لغةً والتكفيرَ بيانًا والقتلَ والسلبَ والسبيَ والنكاحَ منهجًا. إنّ مثل هذا الأسلوب في فرض منهجٍ متعصّب منحرفٍ على الغير، لنْ ولا يمكنُ أنْ ينفعَ في عصرِ التطور والتقدّم والعولمة التي فتحتْ أبوابَ الدول والأمم والشعوب مشرَعةً وحوّلت العالمَ إلى قريةٍ صغيرةٍ يمكنُ بلوغِ حدودِها وأركانِها في غضونِ ساعاتٍ قلائل.  إنْ هذه التصرّفاتُ، سوى إيغالٍ في حبِّ ثقافةِ الموتِ بسوادِها القاتم الواحد، وكرهِ ثقافةِ الحياة بألوانها العديدة الزاهية. وإذا كانتْ هذه كلُّها قد أتى بها ما يُسمّى بالربيع العربيّ، فهذا الأخيرُ لمْ يكنْ في سرّهِ سوى خريفٍ زمهريرٍ قاتلٍ على العرب والمسلمين أولاً قبلَ غيرِهم، بعد أنْ شقَّ صفوفَهم وجعلَهم مثارَ اشمئزازٍ بسبب ما يجري على أيدي خوارجِ العصرِ، الذين أساؤوا إلى الإسلام والمسلمين والعالم أجمع.
مَنْ أراد تسويقَ الدّين بغيةَ ترجمةِ أفكارِه الشّاذة المتطرّفة في عالمِ اليوم المختلف كلّيًا عمّا كانَ عليه العالمُ قبل أكثرَ مِن أربعة عشر قرنٍ خلتْ، إنّما يسيء إلى الإسلام في جوهرِه ولا ينتقي سوى إيحاءات الشرّ الواردة في آياتٍ قيلت أو نزلت في مناسبات معيّنة وفي ظرفٍ معيّن ولأسبابٍ "زمكانية"، ولا يمكن بأيِّ حالٍ مِن الأحوالِ تعميمُها واتخاذُها نهجًا في عالمِنا القائم وتاريخِنا المعاصر. فما كانَ سائدًا ومقبولاً في ذلك التاريخ، لن ولا يمكنُ القبولُ به أو تطبيقُه في عصرِنا الحالي. ونحنُ نعلمُ ونقرأ أنّ مِنْ شيمِ السلفِ الصالح والمراجعِ الراشدة، التسامحُ والتعاونُ والتكافلُ والعيشُ بحسبِ الزمانِ والمكان والظرفِ والحالة، واستبعادِ نهجِ التطرفِ الأعمى الذي لم يكنْ قائمًا حتى في زمن النبّوة وعصرِ الصحابة وعهودِ الخلافة، إلاّ ما ندر وفي حالات شاذّة ومحدّدة، منها بخاصّة اتجاه اليهود الذين كانوا يناصبون النبيَّ محمدًا وأتباعَه العداء. ومع ذلك، فقد ورد: (فمَن شاءَ فليؤمنْ ومَنْ شاءَ فليكفرْ)، وكذلك: (لكُمْ دينُكم ولي ديني). وهذا دليلٌ على سمة التسامح القائمة التي لا تجد اليوم تطبيقًا في قاموس المتطرّفين والمتشدّدين الذين يجيدون التأويل والتفسير كيفما شاءوا ومتما شاءوا.
والسؤال المطروح، هل سنجدُ في القريبِ العاجل انفراجًا إسلاميّا في الفكر والنهج يستبعدُ أمثالَ هؤلاء الخوارج مِن السلفيّين الجدد المُغالين في الدّين وأصولِه؟ أعتقدُ أنّ الأملَ قادمٌ، بعد التحاق عدد من الدول العربيّة، ولاسيّما المكتوية منها بالإرهاب وأدواتِه، بالتحالفِ الدوليّ لمكافحة هذا السرطان الخبيث واستعداد الحكومة العراقية الجديدة وتعاونِها مع المجتمع الدولي والحرص الوطنيّ في القضاء عليه وتجفيف منابعه وأصولِه، كي يرتاح العراق وأهلُه والمنطقة والعالم مِنْ شرّهم. فالتغييرُ قادمٌ بإذن الله وبعِزم الشرفاء ومحبيّ الله والأوطان ومناصري الإنسانية.

لويس إقليمس

بغداد، في 20 تشرين أول 2014


غير متصل white

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 141
    • مشاهدة الملف الشخصي
السيد لويس اقليمس المحترم
الطبيب الذي لا يستعمل السكين لعمل عملية خوفا من ان  يتأثر المريض سوف يترك المريض للموت وهذا ما فعلته بالضبط
ولكنني وجدت مبررا لك في السطر الاخير
انك تسكن في بغداد .... فان كتبت الحقيقة فسيكون ذلك خطرا على حياتك
الدوران حول الحقيقة لا يجدي نفعا فاما ان تقع الكرة في الهدف ويحسب واما ان يصوب الفريق ضرباته الى العوارض فسيخسر حتما.
لقد فعل محمدا ما تفعله داعش حرفيا مع يهود بني قريضة وفعلها مع ام قرفة الامرأة المسنة التي ربطها اتباع محمد(بمباركته للعمل الشنيع ) بجملين فشقها الى نصفين فقط لانها هجت محمد بابيات شعرية. وغيرها من الاعمال الاجرامية.
فلا تدافع عن عقيدة لا تعرف تفاصيلها فالاجدر بك لو كتبت شيئا من الكتاب المقدس لتعلن عن النعمة الموجودة فيه بدلا ان تراوغ وتدغدغ مشاعر المسلمين في تبيان سماحة دينهم المزعومة.
هذه الطريقة لم ولن تجدي نفعا مع المسلمين. ولو سألت اي مسلم عن رأيه في مقالك لقال لك الجملة التالية " نعم ان المسيح قريبين من الاسلام جدا فكل الاديان تدعوا الى الخير وهذه هي سماحة الاسلام فالاسلام دين سماحة"
اتمنى ان لا يكون ردي قاسيا عليك
وان شعرت باي خطر عليك نتيجة ردي هذا فانا مستعد ان احذفه فورا
وايت