فئران كسنزان
قصة قصيرة في زمن النزوح
غسان سالم شعبو ـ قره قوش
إجتمع كبير الفئران مع أقرانه في الفناء الخلفي للمجمع الجديد الذي إكتمل بناؤه واختارته مجموعة من العائلات النازحة إلى تلك المنطقة ملاذاً ومأوى لها، فقام يخطب بينهم:
ـ أعزائي ها إن باب الرزق قد إنفتح أمامنا بوصول عائلات جديدة إلى هذا المجمع السكني وإنني واثق أننا بقربنا لإبن الإنسان سوف ننعم بالخير الوفير ويبدو لي أن العائلات الجديدة هم من الذين نزحوا مؤخراً إلى الإقليم، فلسوف تتظافر الجهود لإغاثتهم بكل ما يجود به أقرانهم البشر، ومن المنظمات الدولية التي لا تنأى تقدم لهم أفضل الأصناف. فهنيئاً لنا ولهم، وإني سأعتمد عليكم لتتبع القوافل القادمة إلى المخازن فننتفع منها. حينها انصرف الجميع سعداء. وذات يوم وصلت شاحنة من المساعدات إلى البيوت في منطقة كسنزان. فتقافزت الفئران في فضول وهي تراقب وصول الشحنة إلى المخزن وإندس أحدهم ليستطلع الأمر ولكنه سرعان ما همّ بالخروج متأففاً، وذهب إلى كبير الفئران. ولما إستأذن بالدخول وقف أمامه مطأطئ الرأس خجلاً حزيناً. فقال له كبير الفئران: تكلم يا صغيري ما الأمر أراك متعكر المزاج. وبعد صمت قصير قال الفأر: لا أريد أن أحزنك ولكني أريد أن أبلغك أمراً مخجلاً. فنهض الكبير بفضول يستنطقه فإستطرد الفأر قائلاً: سيدي لقد كنّا سعداء بوصول هذه العائلات إلى منطقتنا، وكان لنا أمل كبير بكمية الزاد التي ستنهال علينا من خلال ما يعتاشون منه ولكني لما إستطلعت أمر الشحنة الغذائية التي أرسلتها وزارة الهجرة والمهّجرين اليهم تكاد لا تصدق مما أقوله فرائحتها العفنة تزكم الأنوف ولما حاولت إستطلاع الأمر ورأيت ما رأيت شعرت بغثيان شديد وتقيوء فتمالكتُ نفسي كي لا أفضح أمري وأنا قريب من الشحنة وهالني ما رأيت وجعلني أذرف دمعا على أبناء جلدتي وحزناً عليهم.
فقال الكبير: ولكن قل لي ما الأمر؟ لقد زدتني فضولاً.
فإستطرد: لقد رأيت فئراناً ميتة وسط شحنة الغذاء ومواد مكدسة غير صالحة للإستهلاك البشري وخرجت مسرعاً وقد أصابني الغثيان.
فصرخ كبير الفئران بوجهه قائلاً: ويحك كفى لا تُكمل. لقد وصلت الفكرة
ما أشد بؤسهم هؤلاء القوم فقد تركوا أكداساً من الغذاء والدقيق في مخازن بيوتهم، وكنا نحن معشر الفئران نعتاش عليها طيلة حياتنا. وكانوا كباراً في بيوتهم. والآن نراهم يقتاتون من فتاة الكبار ويا ليتهم ينالون ما يسد رمقهم.
فهوذا أقراننا من الفئران قد هجروا تلك المناطق ولم تعد سوى مأوى للكلاب والقطط. وما أشد بؤس من أرسل تلك الشحنة المليئة بالفئران الميتة فهم لم يكترثوا لمعاناة وشقاء النازحين. فليعلم الجشعون والمحتكرون أي منقلب سينقلبون. فقد قيل: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.