اكتفى بعض ساستنا بالعمل، وتنازلوا عن الاخلاق في السياسة.!!!
يقول جورج برنادشو
(السلطة لا تفسد الرجال انما الاغبياء ان وضعوا في السلطة فانهم يفسدونها).ولكن ليعذرنا القارئ الكريم، لان موضوع السياسة والاخلاق بالصورة التي تعرض بين بعض مثقفي وسياسي شعبنا، تبدو تفتقر الى العمق المطلوب في كثير من الاحيان، الامر الذي يجعلنا نحاول تقديم مادة تتناول الامر في عمقه بعيدا عن التبسيط الذي يضر في هذا المجال اكثر مما ينفع. وبالتالي لابد علينا بان نعلم ان مسالة علاقة الاخلاق بالسياسة، والتي تطرح الكثير من المفاهيم،لطالما البعض تدخل في غمارها بشكل او باخر، ولطالما ايضا انها تفرض نفسها على الذين يعملون في الحقل السياسي منذ صحوتهم ومماتهم كما يقال، فالسياسة شانها شان الاخلاق تستهدف تكوين نمط معين من العلاقات الانسانية المعرفة بحدود المعاني، واقامته والحفاظ عليه والذود عنه وايضاحه. لكن طبيعة العلاقات التي تعالجها السياسة تختلف اختلافا كبيرا عن طبيعة العلاقات التي تتناولها الاخلاق، فعلى صعيد الاخلاق تقوم العلاقة بين من نريد ومن يريد، لكن العلاقات في اطار السياسة تتسم بانها من جراء طبيعتها الخاصة وبعضها يتحقق لاغراض سياسية.
يرى كانط ان غاية السياسة هي الحفاظ على الانسان فالانسان كائن اخلاقي ومن هذا يجب ان تقوم السياسة على اسس اخلاقية حتى تتمكن من امام مهامها على الوجه الصحيح واذا كانت الحرية ضرورة اخلاقية فان السياسة ايظا ضرورة اخلاقية وهدفها الحفاظ على حرية الافراد هذا بالاضافة الى راي برناردراسل بان الحوادث التاريخية في نظره ناتجة عن تغيرات سياية معينة وحتى يكون المستقبل اكثر امانا واستقرار على السياسة ان تقوم على مبادئ الاخلاقية التي تقضي بالتعامل فمصير الانسانية واحد وعلى السياسيين ان يدركوا مصير الانسانية متعلق برابط السياسة بالاخلاق. ان وضع شعبنا وما يمر به اليوم، وايضا ما تمر به احزابنا القومية من الخمول وفترة سبات،وعمل قومي هزيل ومشلول،وشعبنا امام خيارين لا ثالث له اما البقاء او الهروب وليس الهجرة الى المجهول والتشتت. هذه الاوضاع التي عصفت في الاونة الاخيرة على المشهد السياسي والمعيشي في مناطق تواجد ابناء شعبنا وغيرها، والتي لا تزال نتائجها غير واضحة الملامح ولا مخرج واضح لنهايتها في الوقت الراهن.ومن خلال هذا المقال لابد علينا بان نفهم معنى السياسة والاخلاق في اي عمل نقوم به. وهذا الشيء غير وارد في اجندة سياسيي شعبنا المتغبطين دائما هنا وهناك وسوف يستمرون في ذلك طالما هناك مصالح لا تزال تعمل في جسد قضيتنا وعملنا القومي.لذلك فان بسط الكتابة والخوص حول هذه الثنائية والاشكالية، يعد غوصا في بحر صاخب الامواج النظرية ومحفوف الاعماق بشتى الوان الجدل والدجل. وكما لابد لنا بان تكون لدينا رؤية وفهم ماهو متعلق بوجودنا وان نمارس العقلانية لتدبير شؤون شعبنا وامتنا، ، عبر الاحتكام الى العقل والعقلانية، وان نحدد قواعد اللعبة السياسية ومجالاتها، كما يتيح فرص الاشتغال والتباري السليم بين مختلف السياسيين العاملين في الشان القومي . لذلك فان بؤسنا الفكري والنظري ، وتردي الممارسات، وخسوف الضوابط والاعراف والاخلاقيات في فضائنا السياسي عموما وفي المشهد الحزبي بشكل اخص، بات يعكس مازقا فكريا حقيقيا في الفهم والتمثل لماهية الشان السياسي في علاقته بالالتزام الاخلاقي، الشيء الذي يستدعي منا، ليس فقط كممارسين العمل القومي والسياسي ، بل كمهتمين ومتابعين ايضا، واماطة الستار عن هذه المواضيع الملتبسة المضامين. اذن ان مواضيع السياسة وارتباطها بالاخلاق لابد بان يثار الانتباه له، لما يمكن ان تقود اليه ممارسات البعض من سياسيي شعبنا المبخسة للقيم والمبادئ، ومبشرة بعهد تهمش فيه المناضلين الاكفاء ، وتغيب فيه العقول المنفتحة والراقية. واليوم ليس كباقي الايام لابد وان ، نضع افكارنا ورؤيتنا لحظات تامل، حول اشكالياتنا التي نعتقد انها محسومة بفعل تصرفات واعمال اللامسؤولة من قبل بعض ساستنا، المهيمين على مجمل اليات وحقول انتاج الخطاب والمفاهيم والعمل..لقد ظن بعض الساسة ما تم تروجه عن قصد كان او الجهل، بان التعاطي مع الشان القومي والسياسي عموما والاشتغال به من اي مستوى كان، يستوجب بالضرورة التخلي عن التقيد بالقيم الاخلاقية والسياسية بما يخص قضيتنا القومية، وبالتالي فان الحصول على صفة الزعيم السياسي، يخوله اللجوء إلى اساليب يختص بها دون غيره من المناضلين ، تجعله بحكم ضرورات العمل بالسياسة في حل من كل الضوابط والقواعد والقيم المتوافق عليها داخل النسق القيمي والاجتماعي الذي ينتمي اليه. وانطلاقا من هذا المفهوم الشائع في اوساط البعض القلة من ابناء شعبنا ، يصعب التمييز بين الزعيم السياسي والمناضل السياسي،مما يستعصي اعطاء تعريف محدد ومضبوط حول المواصفات الواجب توفرها في المناضل بعينه كي يوصف بالسياسي ، وامام تعقيد وضبابية التمثلات والتعريف والادوار المنوطة بممتهن او متعاطي السياسة بمعناها العام او بالمعنى الحزبي الفئوي داخل عملنا القومي ، يصبح الزعيم السياسة، تبعا لذلك، في نظر شعبنا مناضل وسياسي متميز وخارق وغريب عن ابناءشعبه. ولا ننكر ان السياسة والاخلاق امر مطلوب ومؤكدة في ممارستنا وعملنا، ولكن لا يعني البتة ادغام السياسة قولا في بوتقة السجايا، ولا ادماجها سلوكا في خانة العمل.
اذن الاخلاق والسياسة ماهيتان مختلفان بطبيعتيهما، ومن المحال احتواء احداهما للاخرى، لكن يمكن دمجهما في تفاعل متبادل ترعاه اجواء الحرية والاعتدال، لان الفضيلة السياسية او الاخلاق في السياسية لا يمكن ان تنمو عيانيا في مناخات التصادمات . اعتقد ان بعض من ساستنا يعانون من مفاهيم السياسة الميكيافلية التي فرضت نفسها عليهم وفي اجندتهم السياسية وعملهم، والتي يطبقونها اليوم، كونها وكما معلوم هي فن الممكن من الواقع، بمعنى يستطيعوا ان يلعبوا كيفما يشاؤون ومن دون رقيب، وايضا بالمعنى النفعي يصنعه هؤلاءالساسة باسم العمل القومي، هي فلسفة القوة وحتى المصالح التي يحققونها او يتغنون بها هي مصالح مادية او مصالح نفعية براغماتية،على حساب مصلحة شعبنا وقضيتنا القومية.. اذن لابد ان يعلم الجميع ويدركوا جيدا، ان منطلق العمل القومي السياسي هو الشعب التي تمارس من اجله السياسة. ولكن مع الاسف الشديد وصل بعض الساسة في الوقت الراهن الى مرحلة يعتبرون فيها عمليا المعيار الاخلاقي، عيب من عيوب العمل السياسي، ومن يلتزم به يعتبر سياسي فاشل ومارق، وبالتالي اصبح منطق الربح والمنفعة الشخصية وخسارة المناصب، فقط هو الذي يحكم عمل معظم محترفي العمل القومي والسياسي اليوم، دون اي دور حقيقي للمبادىء والاخلاق والشعور الانساني والقومي، فلتضاد والتضارب في مواقفهم والتغيير في سياساتهم، والتشبث في ولاءاتهم اصبح نهجا ومدرسة اذا صح التعبير، فهذه النخبة السياسية على استعداد دائم للتهالك واراقة ماء وجوههم والتذلل والاستجداء، فهم على استعداد ايضا لان يجسدوا الظلم والقسوة والقمع بابشع صوره، لانهم بعيدين كل البعد عن مفهوم الاخلاق السياسية الرصينة في هذا الزمان الصعب. ان كان المقصود من السياسة هو تحقيق اهداف استراتيجية تفترض من السياسي المحنك الالتجاء الى تكتيكات فكرية ونظرية وتغييرات وتعديلات في المواقف والرؤى في بعض الاحيان،لكن بالنسبة للاخلاق فانها لا يمكن تحقيق اهداف سياسية دون الالتزام بها. واذا لم تكن القيم هي الدافع اعتقد فلا اهمية لعملنا القومي والسياسي ، لان عملنا ونضالنا في جوهره وسيلة لتحقيق اهدافنا وحقوقنا القومية، ولكن اذا لم يكن موجود الحد الادنى من الاخلاق والقيم والمبادىء فان ذلك يعتبر من وجهة نظري انتهازية ومضيعة للوقت لا اكثر.
هنري سركيس
aurniena2000@yahoo.ie