المسيحيون العراقيون بين الهجرة والتهجير وموقف الكورد منهم
========================================
أبرم شبيرا
توضيح:
========هذا الموضوع هو إستكمالاً للموضوع السابق الذي نشر تحت عنوان "إفراغ المسيحيين من مناطقهم التاريخية وفق نظرية الموامرة... لماذا تُرسل قوات البيشمركة إلى كوباني بينما مدن كردستان والمحيطة بها محتلة ومهددة من قبل داعش" –
أنظر الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,757764.msg7330909.htmlوالغرض من هذا الإستكمال هو زيادة بعض التفاصيل عن الموضوع الذي كان من السعة والتفصيل يصعب توصيل المغزى إلى القراء الكرام كما وأنه يأتي إستجابة وتوضيحاً لبعض الردود التي وردت على الموضوع وأخص بالذكر وليس تحديداً الصديق المخضرم (صديق ما يقارب نصف قرن من الزمن) المهندس خوشابا سولاقا،. على أية حال يمكن تلخيص ماأسعى إليه هو في النقاط التالية:
أولا: نظرية المؤامرة:
===========
كل الوقائع والدلائل والشواهد تؤكد بأن هناك مؤامرة تحاك ضد دول المنطقة وتحديدا العراق، فبعض جوانب هذه المؤامرة قد تكون بفعل فاعل وبتخطيط مسبق والبعض الآخر هو بفعل الصراع الطائفي المستميت في العراق والدول المجاورة. فوصول داعش إلى هذا المستوى من القوة والسيطرة لم يكن متصوراً لا في الواقع ولا في الخيال كما أن القضاء عليها أو الحد من قوتها وسيطرتها، كما يرغب البعض بذلك، أمر لا يزال مجهولاً وورقة لعب غير مكشوفة في أيد اللاعبين الأساسيين في المنطقة والعالم، ولا نرغب في الدخول في تخمينات لأننا كما سبق وأن ذكرنا سابقا بأننا في موقع بعيد عن مصادر صنع القرارات السياسية والعسكرية وبالتالي تأكيد تفاصيل هذه المؤامرة مبنياً على التخمينات غير وارد لمسألة حساسة ومتعلقة بمصير شعوب المنطقة. من الطبيعي جداً أن يكون وقع النتائج المدمرة للزوبعة السوداء التي تعصف بالمنطقة على شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" أكثر مأساوية ومميتة وذلك لكونه أضعف الحلقات الديموغرافية بين شعوب المنطقة ليس ذلك بسبت قلتة العديدية أو إفتقاره إلى قوة الحماية الذاتية فحسب بل بسبب التناقضات والإختلافات الحضارية والتاريخية والثقافية التي تحكم العلاقة بينه وبين بقية شعوب المنطقة، خاصة الدينية منها التي وصلت إلى درجة أن تحولت إلى منظار ينظر من خلاله إلى الواقع السائد في المنطقة. من هنا، لم يكن متاحاً أمامنا غير النظر إلى كل هذه المأساة والفواجع والتحرك غير الجدي والبطئ تجاهها إلا من خلال وجود مؤامرة مرسومة تجاه المنطقة وشعوبها.
من حق بعض القراء أن يرفض مسألة وجود مؤامرة أو خطط شيطانية مرسومة مسبقاً تجاه المنطقة لأنه مع الأسف الشديد الكثير منهم تشبع بمفهوم نظرية المؤامرة السائدة في العقلية العربية التي تعتقد بأن كل صغيرة وكبيرة هو من تدبير الإستعمار والإمبريالية فحتى أنجاب حاكم عربي لعشرة بنات من دون ولد ليكون ورثياً له أو إصابته بالعقم فأن تفسير ذلك وفق هذه العقلية هو من تدبير الإستعمار والإمبريالية. في حين نرى على العكس من هذا تماماً فإن هناك وقائع وشواهد مبينة وواضحة وممارسات على أرض الواقع ولها نتائج مؤلمة ومأساوية تسحق شعوباً بكاملها تشكل الأساس المادي لوجود مؤامرة، أو تخطيط مكبوت المضمون تجاه المنطقة وشعوبها.
ثانياً:المسيحيون بين الهجرة والتهجير:
============================معظم الكتاب والقراء لا يفرقون بين ظاهرة الهجرة والتهجير لشعبنا المسيحي في العراق ويظهر هذا جلياً في التعليقات والردود التي وردت على الموضوع السابق. في منتصف التسعينيات من القرن الماضي كتبنا بحثاً مطولاً عن ظاهرة الهجرة وحاضرنا عنها لأبناء شعبنا في سوريا والعراق ضمن نشاطات نظمها قادة المنظمة الآثورية الديموقراطية والحركة الديموقراطية الآشوري والكثير من الحاضرين لم يسعدهم النتائج التي توصلنا إليها في حينها ولكن اليوم تظهر هذه النتائج على الواقع الذي توقعناه قبل أكثر من عقدين ونصف العقد من الزمن. وعلى العموم، أنه صحيح القول بأن نتيجة كل من الهجرة والتهجير هي واحدة تتركز على إرتحال أرض الوطن والإنتقال إلى بلد آخر ولكن هناك إختلاف كبير بينهما، وبأختصار نقول: الهجرة ظاهرة ديموغرافية تظهر ضمن ظروف تكون على الأغلب هادئة ومستقرة نسبياً تخضع لإرادة الفرد وتقرر من قبله وتتاح أمامه فرص إختيار الزمن والوقت للترحال وتصفية أموره خاصة المالية منها، كبيع العقار الذي يملكه وأثاثه وتحويل أمواله ومدخراته إلى الخارج أو حملها معه كما تتاح له فرص إختيار وسيلة الإنتقال، براً أو جواً، مباشرة إلى مقصده أو عبر دولة ثالثة وربما تتوفر له أيضا فرصة إختيار البلد الذي يرغب الهجرة إليه ويكون هدف الفرد من الهجرة في أغلب الأحيان هو البحث والسعي نحو ظروف أقتصادية أحسن مما كانت متوفرة لديه في الوطن وإلى وضع سياسي أكثر إستقراراً وأمناً أو تكون ضمن مفهوم جمع شمل العائلة وفي معظم الأحوال تكون الهجرة محكومة بقانون الطرد (من الوطن) والجذب (من بلدان المهجر). هكذا نفهم هجرة أبناء شعبنا في بداية السبعينيات من القرن الماضي طبعاً بإستثناء قليل جداً تمثل في المطاردين من قبل النظام السياسي.
أما التهجير، فهي ظاهرة ديموغرافية تكون مسبباتها عوامل سياسية وعسكرية وحربية لا تخضع لإرادة الفرد بل تفرض جوانبها المأساوية والمميتة فرضاً على الفرد لتقلعه من موطنه الأصلي وترميه خارجه، فهي تمثل جانب من قانون (الطرد والجذب) وهو الطرد. فالتهجير هي ظاهرة تظهر ضمن ظروف مأساوية وإستثنائية غير مستقرة ولا تتاح أمام الفرد أية فرص لتصفية أموره المالية وبيع عقاره أو تحويل أمواله ومدخراته أو أختياره للبلد المراد الإنتقال إليه وعلى الأغلب يكون هدف الفرد هو الهروب من الإستبداد والظلم المميت وضمانه حياته وحياة أسرته في مناطق أكثر أمناً وإستقراراً وفي معظم الأحوال تخلق ظاهرة التهجير حالة من التشرد والضياع واللجوء ومستوى متدني جداً من العيش مما قد يتطلب ذلك تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية أو المنظمات الإنسانية لأن مثل هذا الوضع قد يكون مؤثراً على السلم والأمن للدول المجاورة. وهنا تنطبق المقولة القائلة بأن "الحفاظ على الحياة ناموس طبيعي". ففي هذا الوضع من التهجير لا يأبى الفرد لأية ألتزامات أكانت وطنية أو سياسية أو قومية أو دينية غير الحفاظ على حياته وحياة أسرته وإينما كان ذلك ممكنا. فالبلد الذي يوفر له مقومات العيش والحياة المستقرة يصبح بالنسبة له هو موطنه. فشعبنا عشية الحرب الكونية الأولى تعرض للتهجير من موطنه الأصلي في حيكاري وطور عبدين وماردين وأورمي وهكذا هو الحال من تهجير شعبنا من الموصل وسهل نينوى وغيرها من القصبات والبلدات في شمال الوطن والتي سبقتها تهجيره من البصرة وأحياء في بغداد كالدورة وغيرها.... نكتفي بهذا القدر ولنا الأمل أن تتاح الفرصة للتفصيل في هذا الموضوع الحساس في مناسبة لاحقة.
هذه الواقعية في فهم وضع شعبنا في العراق في هذه الظروف العصيبة قد يعطي أنطباعاً للبعض بأنها تشجيع للهجرة ولكن الأمر ليس كذلك إطلاقاً بل هي نظرة واقعية لحقيقة الأمر المفروض على شعبنا والتي هي أس الإساس في فهم هذا الواقع ومعالجته بالوسائل المتاحة لتخليص شعبنا من هذه الفواجع وليس بالتمنيات وطروحات ميتافيزقية والتي قد يعتبرها غالبية شعبنا المبتلي بنيران المأساة والفواج كـ "بطر". فاليد التي في النار غير التي في الثلج. وقد نقول بأن يجب أن يتمثل شعبنا بالأبطال للحفاظ علىي أرضهم هذا صحيح حيث أن شعبنا أنجب أبطال تاريخيين ضحوا بحياتهم من أجل الحفاظ على أرضهم ولكن كانوا قلة قليلة جداً. ضحى البطريرك مار بنيامين وغيره من الأبطال بحياتهم من أجل الحفاظ على أرض موطنه في حيكاري ولكن شعبه لم يكن بالمستوى الذي يمكن أن يحافظ على أرضه أمام التحديات المميتة فتركها نحو مناطق أكثر أمنا. فما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه موصل وسهل نينوى بحكاري وماردين وديار بكر لا بل أسوء من ذلك لأنه ليس لشعبنا أبطال ولا حتى أشباه أبطال في هذه الأيام.
ثالثاً: الكورد وموقفهم من تهجير المسيحيين:
==============================الكورد، كقومية معروفة لها كل الحق أن يكون لها دولة مستقلة في المناطق التي غالبيتها من الكورد حتى وإن كانت هذه المناطق تاريخياً غير كوردية، فالأمر الواقع (fait accompli أو de facto) هو الذي يتحكم في الأمور السياسية والقانونية وليس الأمور التاريخية. من هذا المنطلق للكورد الحق في الدفاع عن أبناء جلدتهم المتواجدين في البلدان الأخرى خاصة المتاخمة لأقليم كردستان العراق التي تشكل في طموحهم النهائي جزء من "كردستان الكبرى"، وهكذا هو الحال معنا نحن "الكلدان السريان الآشوريين" فلنا كل الحق في الدفاع عن أي كلداني أو سرياني او آشوري إينما كان يعيش وفي أي بلد من بلدان العالم. ولكن هذا الحق يبقى مجرد حق مطلق ويؤخذ على أطلاقه ولا يتحول إلى حق واقعي إلا بالممارسة السياسية وربما العسكرية إذا تطلب الأمر لتنقله من حالة الإطلاق إلى حالة الواقع، وهو ما يحاول الكورد فعله من جراء إرسال قوات البيشمركة إلى كوباني لمساندة قوات الحماية الكوردية في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي. صحيح هو القول بأنها مجرد قوات رمزية لا يتعدى عددها 150 مقاتل ولكن بالمقابل فأن هذه القلة في العدد قابلها عامل نوعي تمثل في الأسلحة المتطورة جداً التي تم تزويدها من قبل بعض الدول التي غيرت موازين القوى في مدينة كوباني وحالت دون أن تحتل برمتها من داعش ومن المحتمل جداً أن تندحر داعش وتنسحب من هذه المدينة في الأيام القليلة القادمة.
من المعروف بأن مقابل كل حق أو حقوق هناك مسؤولية أو مسؤوليات والتي تشكل العنصر المهم عند ممارستها في نقل الحق المطلق إلى الواقع. فحتى بالنسبة للفرد الواحد فأنه لا يستحق أي حق أو حقوق ما لم يكون له مسؤوليات وواجبات يجب إدائها لتحقيق التوازن المطلوب بين الحقوق والواجبات. فالحقوق الهائلة التي تتمتع بها القوى المتحكمة على السلطة في العراق ومنها الحكومة العراقية والهيئات الأخرى يقابلها مسؤوليات وواجبات وأهمها هو حماية الشعب العراقي، والمسيحيون جزء، لا بل الجزء المهم، من هذا الشعب يستوجب عليهم حمايتهم من أي إضطهاد او ظلم مهما كان نوعه. ولكن المثل يقول "فاقد الشيء لا يعطيه" الذي ينطبق بكل حذافيه على الحكومة العراقية لأنها هي نفسها ورجالاتها وغيرها من الهيئات الحكومية يفتقدون إلى الأمن والحماية وبالتالي من الطبيعي لا يستطيعون توفير أي نوع من الأمن والحماية للشعب العراقي ومنهم المسيحيين. أما في إقليم كردستان فمما لاشك فيه بأن حكومة الإقليم قامت بمسؤوليتها في توفير الأمن والإستقرار وقدر من الرفاهية والطمأنينة لشعب الإقليم بمسلميه ومسيحييه وهذا هو من صلب واجباتها الذي يشرعن ممارسة حكمها على الإقليم. فإذا تعرض أي مكون من مكونات شعب الإقليم إلى الظلم والإضطهاد فمن واجب حكومة الإقليم أن تهب للدفاع عنه وحمايته وبكل الوسائل.
أما بالنسبة لمناطق كمدينة الموصل وسهل نينوى والقصبات القريبة منه التي هُجر شعبنا منها، وإن كانت رسمياً خارج الحدود الحالية لإقليم كردستان إلا أنها كانت فعلياً تحت تأثير كبير لحكومة الإقليم وخاصة الحزب المهيمن، الديموقراطي الكردستاني (البارتي) سواء من خلال تواجد قوات البيشمركة فيها أو مقرات الحزب أو عبر نقاط السيطرة والتفتيش المنتشرة في أنحاء مناطق سهل نينوى، فالعلم الكردستاني كان يرفرف على سطوح عدة مباني في هذه المناطق. هذا الحق الواقعي الناجم من تواجد قوات البيشمركة في هذه المناطق فرض عليهم مسؤوليات وواجبات في حمايتها وحماية شعبها من أي إعتداء أو ظلم. ومما يزيد من هذه المسؤوليات والواجبات على الكورد هو عنصر إخلاقي وإجتماعي ناجم من العلاقة التاريخية والسياسية والنضالية بين المسيحيين والكورد. لقد كان الكثير من الكلدان والآشوريين جزء مهم من الحركة القومية الكورية الحديثة وفي قيادتها وحتى في يومنا هذا هناك عناصر مهمة في قمة قيادة البارتي والعديد منهم ضحى بحياتهم وأريقوا دمائهم وأستشهدوا من أجل الحركة الكوردية. ويكفي هنا أن نشير إلى الشهيدة ماركريت جورج والشهيد هرمز ماليك جكو والشهيد فرنسو الحريري وهناك المئات منهم؟ ألم يكن آدم مسيحياً – كلدانياً أكان أو آشورياً أو سريانياً - الشخص الذي جعل جسمه درعاً لحماية الزعيم الكوردي المرحوم ملا مصطفى البرزاني من شذايا قنابل مؤامرة إغتياله المدبرة من قبل المجرم ناظم كزار؟؟ من هذا المنطلق كان من أهم واجبات ومسؤوليات الكورد وقوات البيشمركة الدفاع عن سهل نينوى وأهلها وعدم إنسحاب البيشمركة وتركها لتكون لقمة سائغة لمتعشي الدماء من التنظيم الأرهابي داعش. فهذه الحماية ليست منية أو إستجداء المسيحيين من الكورد لحمايتهم بل هو واجب وطني وإنساني مفروض على الكورد وقوات البيشمركة وحكومةالإقليم. من هنا كان السؤال المحير عن عدم ممارسة الكورد لمسؤولياتهم في حماية المسيحيين في هذه المناطق وعن إنسحاب البيشمركة منها وطلب تسليم السلاح من أهالي بعض هذه المناطق وبالتالي لم يكن أمامنا جواب على هذا السؤال المحير إلا من خلال نظرية المؤامرة لإفساح الطريق لداهش ليحتل هذه المناطق وإفراغها من شعبها الأصيل وتشريده إلى مناطق هي بمثابة "ترانزيت" نحو التهجير إلى الخارج ثم يحين الوقت وينسحب منها قوات داعش فيأتي الآخرون ليسكونها.
لقد دفع البارتي المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري إلى الساحة السياسية القومية ليكون في مقدمة المنادين بالحكم الذاتي لمناطق تواجد شعبنا في سهل نينوى وخلق أسباب وعوامل وتأويلات لتفضيل ضم هذه المناطق إلى إقليم كردستان بدلا من المركز في الوقت الذي لم يتحرك البارتي ولا حكومة الإقليم قيد أنملة تجاه تحقيق مثل هذا الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية لمناطق شعبنا في الأقليم التي هي جغرافياً وديموغرافياً أكثر واقعياً لتطبيق الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية والمدعومة بمسودة دستور الإقليم الذي ضل يترنح في مكانه. فلا الدستور الحالي ولا قوانيه ولا قراراته الوزارية والإدارية أستطاعت إيقاف التجاوزات على أراضي شعبنا في الإقليم، فكل هذا يعطينا تصوراً بأن هناك فعلاً سلسلة متواصلة من مؤامرة لتجريد شعبنا من أرضه وتهجيره خارج وطنه التاريخي رغم التصريحات العسلية لبعض القادة في الإقليم في حماية المسيحيين وضرورة بقائهم في الوطن وعدم الهجرة إلى الخارج التي لا وزن لها على أرض الواقع خاصة في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها شعبنا.
رابعاً: من يحمي مناطق المسيحيين:
======================أستغربُ من بعض القراء عندما يلقون كل اللوم على أحزاب وتنظيمات شعبنا لعجزهم في مساندة شعبنا في الوطن وحمايته من المأساة التي يتعرض لها. أنه فعلاً لأمر أكثر إستغراباً مما نتصوره لأن هذه الأحزاب والتنظيمات لم تستطيع أن تفعل شيئاً لشعبنا في ظروف أقل قسوة ومأساوية وظلماً فكيف تستطيع أن تتحرك وتعمل وتأتي بنتائج مفيدة في هذه العاصفة الهوجاء التي أثارتها داعش وحلفاءها المكوشفين والمستورين؟؟؟. يقول البعض بأن حماية أراضينا هو واجب علينا وهذا صحيح ولكن ما هي الطريقة أو الأسلوب الذي يمكن القيام بهذه الحماية؟. المناطق المحتلة بالقوة العسكرية لا يمكن تحريرها إلا بالقوة العسكرية أو بوسائل أخرى مؤثرة تضعف قوة المحتل العسكرية. لا نقول بأن طرح مسألة تشكيل قوات من شعبنا هي مزايدة سياسية بل هي غير منطقية وواقعية فحالها كحال من يحاول قتل مجموعة ذئاب مفترسة بدبوس صغير. المسيحيون جزء مهم وأصيل من الشعب العراقي والعراق بشماله وجنوبه موطنهم الأصلي والدفاع عنه هو واجب وطني مقدس مفروض عليهم. ولما لا يملك أبناء شعبنا المقومات الأساسية للقيام بهذه المهمة وتشكيل قوات خاصة به لتحرير أراضيه فإن عليه الإنضمام إلى من يملك مثل هذه المقومات الأساسية لتشكيل القوات المطلوبة لتحرير أراضيه والحفاظ عليها، ولا يملك مثل هذه المقومات غير حكومة العراق المركزية وحكومة إقليم كردستان. الحق يقال ومثبوت بالبراهين والوقائع والحقائق بأن "اليد مغسولة" من حكومة العراق المركزية لأنه ثبت بأن جيشها متواطئ مع داعش في إحتلال الموصل وسهلها ومناطق أخرى من العراق. إضافة إلى ذلك هناك حقائق واقعية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها إطلاقاً مهما عبرنا عن وطنيتنا. فالتناقضات التي تحكم العلاقة بين المسيحيين والأحزاب والقوى المتحكمة في شؤون العراق عميقة معظمها مرتبطة بالعقيد والمذهب خاصة وأن هذه الأحزاب والقوى هي طائفية دينية مغلقة لا يمكن أن نتصور عضو مسيحي فيها وبالتالي فإن أي تفاعل في هذه الحالة هو معدوم بين المسيحيين وهذه الأحزاب والقوى السياسية.
لم يبقى هنا إلا حكومة إقليم كردستان لنطرح إحتمال الإنضمام إليها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وعن طريق تحالفات أو تجحفل مقاتلون من شعبنا مع قوات البيشمركة أو غيرها ورسم خطط مشتركة لتحرير مناطق سهل نينوى. هذا الإحتمال نطرحه ومن موقع بعيد وغيرنا من أبناء شعبنا الناشطين على أرض الوطن أجدر منًا في النظر والبحث فيه وإمكانية تطبيقه. فهناك عوامل كثير تساعد في نقل هذا الإحتمال إلى الواقع والتطبيق. ففي الإقليم هامش ديموقراطي أستطاع أحزابنا التحرك ضم هذا الهامش ويحققوا بعض الإنجازات كما أن القوى السياسية وحكومة الإقليم أكثر علمانية مما هو موجود في المركز وبالتالي فإن أمكانية التفاعل والتفاهم معها يكون محكوماً بالمصالح السياسية والقومية وليس بالعوامل الدينية والطائفية. زد على ذلك هناك كوادر متقدمة في الأحزاب الكردية خاصة الرئيسية منها كالبارتي وفي هياكل الدولة وفي البيشمركة فكل هذا يفتح المجال للتباحث والوصول إلى نتيجة قد تؤدي إلى زحزحة الوضع المأساوي ويخفف من معاناة شعبنا بعد عودته إلى أراضيه في سهل نينوى. وقد يبدو من طرح هذا الأحتمال بأنني أوقعت نفس في تناقض واضح. فمن جهة الكورد يفسحون المجال لداعش ليحتل مناطق سهل نينوى ويغضوا النظر عن التجاوزات الديموغرافية على أراض شعبنا في الإقليم ولكن من جهة أخرى نطرح إحتمال التفاعل والتعاون معهم لتحرير أراض شعبنا والحفاظ عليها. أن مثل هذا التناقض لا يمكن أن ينظر إليه إلا من خلال السياسة وعبر موازين المصالح القومية التي تحكم طرفي التناقض. فإذا أمتلك أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية القوة اللازمة والتأثير الفاعل في العلاقة السياسية مع الكورد فأنهم يستطيعون أن يقلبوا الموازين لصالح شعبنا، وكلنا نعرف بأن أمتلاك مثل هذه القوة والتأثير يبدأ من توحيد الخطاب السياسي والفعل القومي. هنا رجعنا مرة أخرى إلى المربع الأول مكررين نفس "الإسطوانة" في ضرورة تضامن وتفاهيم بين أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية، وهي الدعوات التي لم تقع إلا على الإذان الصماء رغم الإنفجارات المدوية للمدافع والصواريخ وهول الكارثة التي وقعت على شعبنا. كلنا نعرف بأنه لا أحد سيساعد شعبنا في هذه المحنة المميتة مالم يساعد أبناء شعبنا أنفسهم أولاً. فلا يمكن أن نتصور أن يهب الكورد لمساعدتنا ونحن نصرخ بأصوات ناشزة ومتعددة وغير مسموعة كما لا يمكن أن نتوقع حماية دولية لمناطقنا وكل حزب وتنظيم يهرع منفرداً لعرض المطالبة بهذه الحماية ويعرض عضلاته على شعبنا المبتلي بمصائب هذه الدنيا. لقد أيقضت مجزرة سيد النجاة بعض من وعي قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فألتموا خجولين تحت مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" واليوم يعاني شعبنا أكثر من مجزرة... مجزرة الإقتلاع من الأرض والتهجير والقتل والنهب والتشرد والضياع، أليس هذا كافياً ليوقض ضميرهم ويخطوا خطوة واحدة لتحقيق حلم أبناء أمتنا في هذه الأيام في العودة إلى أراضيهم ... ولكن نحن نعرف بأن """الأحلام القومية لا يحققها إلا الأبطال"""" أفهل لنا أبطال في هذا الزمن؟؟؟.