الارشيف > يشوع مجيد هدايا في ذمة الخلود

الذكريات والأحداث وأهمية تدوينها،،

(1/1)

يحيى غازي:
الذكريات والأحداث وأهمية تدوينا،، / الجزء الأول

يحيى غازي الأميري
السويد/ كانون الثاني2007



الذكريات وبريق وميضها وأهمية تدوينا، أفكار وهواجس ومشاريع وأمنيات وأحلام تراود الجميع بتسجيلها وتدوينا على حقيقتها خوفا ً من ضياع حقيقتها وزوال بريقها وطمس معالمها
جميعنا نمتلك من الذكريات المختلفة آلاف وآلاف من الصور نسترجعها من حافضتها نحس بسعادتها، أو تعاستها تثير  فينا النشوة أو الانزعاج والرعب والهلع أحيانا ً، تأتينا مرات دون مواعيد مسبقة واضحة كأنها مسجلة على شريط مصور وفي أحيان أخرى تأتي مشوشة لا تستطيع الذاكرة إرجاع صورتها بشكلها الحقيقي، نحزن عندما تبدأ آفة النسيان بالتهامها وتفكيك صورتها المتماسكة .
وكلما تتقادم الذكريات غير المدونة المنقولة شفاها ً، يتغير جوهرها ومحتواها ودقتها ،إذ تضعف الذاكرة بإعادة صورتها بشكلها الصحيح ،وكلما تتباعد عنها السنين وتتناقلها الألسن تضاف عليها كلمات أو تتغير الكلمات بمرادفات قريبة  أو مشابهة  لها وبالتالي يصل إليك الموضوع أو الحدث و فيه نوع من التضخيم أو التضعيف أو التشويه للأسباب عديدة ، منها موقف الشخص الناقل للفكرة أو الحدث أو الموضوع وما هي مراميه وغاياته وأهدافه، فترى البعض ينقلها كما يحلو له بقصد أو بغير قصد ؟؟
أن الذي قادني إلى هذا الموضوع هو الكم الهائل من الذكريات التي نحملها على مدى سنين العمر،وترافقني رغبة قديمة ملتصقة بي حد العشق،هي رغبة تدوين الأحداث التي مررت بها أو التي صادفتني.
وبسبب الوضع السابق أيام الحكم البائد الذي كنا نعيشة لم أتمكن من تدوين الأحداث والمواقف والذكريات وخصوصا ً التي تتعلق بكل  شكل من الأشكال في السياسة أو حتى توحي إلى موقف سياسي أو أمني وغيرها من المواقف ولو جميعها ممنوعة وتقع تحت طائلة القانون الذي لا يرحم  !!لهذا كان لعدم تدوين الذكريات والأحداث ألف سبب وسبب ويكفي سبب واحد من الألف سبب أن يصل بك إلى السجن والتعذيب والجلد و الإهانة والى المشنقة أو الإعدام بالرصاص  بدون رحمة أو شفقة .
وما تبقى من الألف سبب فقسم من الأسباب يندرج تحت الوضع الذي كان سائد في العراق إذ كان الرعب والمطاردة والحروب المتعددة والمتنوعة  والأزمات الاقتصادية والقلق والخوف والمداهمة والدعاوى الكيدية والاستدعاءات والاستجوابات الدورية والمراقبة واستفزازات وكتبة التقارير واستمارات طلب المعلومات وطول الخدمة العسكرية والتطوع بالجيش الشعبي وجيش القدس والبطالة وووووو إلى أخر الويلات والآهات تشغل بال من يريد التدوين والتوثيق . 
  وقبل  تغير نظام الحكم الغاشم بفترة قصيرة وخصوصاً بعد وصولي المملكة الأردنية ـ عمان في خريف 2001 بت اقضي معظم وقتي بين مؤسسة المرحوم (عبد الحميد شومان ) والمكتبة العامة للأمانة عمان وبين مكتبات عمان لبيع الكتب والمجلات والصحف  وهي تبهرني بمعروضاتها  الحديثة بدأت أول خطوات تدوين ذكريات عزيزة عليّ ، ثم وصولي  المملكة السويدية  بلد الأمان والاستقرار والحرية والعدالة والقيم الإنسانية  ، بدأت أدون وانشر بعض الأحداث والذكريات كلما أسعفتني بها الذاكرة ، لكن تسارع الأحداث المرعبة والمأساوية هناك  في بلدي العراق حيث يعيش أهلي وأخوتي وأحبتي وقومي  وأبناء بلدي وما يحيق بهم من مسلسل رهيب من الموت والدمار حيث وصل الخراب حد اللامعقول بأحداثه الخارجة عن كل التوقعات والحسابات، وكذلك متطلبات الحياة الجديدة التي أعيشها وضرورة التفاعل معها، اللغة الجديدة ، والعادات والتقاليد الجديدة ،ونظام الحياة والعمل ومتابعة الأولاد وشؤون البيت، والمستجدات الكثيرة والعديدة التي ظهرت وتظهر بشكل يومي،كلها معوقات جديدة تضاف لمنع تحقيق ما اصبوا أليه وأرغب فيه.
ولكن الذي يزيد من إصراري للكتابة وتدون الأحداث الآن  خوفي من آفة النسيان وغياب العديد من المرتبطين بالأحداث و الذكريات التي أود تدوينها والخوف من وقوع أي حادث خارج الحسبان!؟ فتموت معه الحقيقة والذكرى و البيان فيلفها الضياع والتأويل والنسيان !
في أوليات كتاباتي أضع تدوين الحقائق والأحداث جهد الإمكان بكل دقة وأمان و إحقاق الحق وإلحاقه بأصحابه ونقل الخبر بأمان وأعتبرها من أول أخلاقيات الكاتب المنصف والنزيه  الذي يريد تدون الأحداث والذكريات والكتابة عنها، ومما يعيق إكمال صورة الذكرى المدونة بشكل دقيق وجودنا الآن في بلاد الغربة بعيدا ً عن مواقع وقوع الأحداث والذكريات وتباعد ورحيل العيد من الأشخاص المشتركين في هذه الذكريات  وعدم توفر المصادر والمراجع  التاريخية المتعلقة بالمواضيع المراد تدوينها . 
وكي ادخل في الموضوع الذي دفعني لكتابه هذه المقدمة عنه بالإضافة إلى ما ذكرته أعلاه ،هو ما تناوله الأستاذ الكاتب والقاضي ( زهير كاظم عبود )  في كتابه (لمحات عن سعيد قزاز ) وبالمناسبة كنت قد قرأت الكتاب الذي نشر عن محاكمة وحياة  ( سعيد قزاز) لم تسعفني الذاكرة بتحديد عنوانه الآن بالضبط  كان ذلك  في صيف عام 2001 في بغداد وكنت قد حصلت عليه من المبيعات غير العلنية( السرية بالخفية ) ( حصلت على نسخة مستنسخة من الكتاب إذ كانت هنالك سوق لبيع الكتب( الأصلية أو الاستنساخ )  بالخفية ،إذ كانت قد صدرت خارج العراق العديد من الكتب التي تتناول السيرة الذاتية لرجالات الحكم الملكي والعهد الجمهوري ، ووصلت لباعة سوق السراي  وقد كتبت عن ذلك بمقالة لي سابقة عنوانها (( المتنبي والشطري يتناغمان ))أشرت فيها إلى هؤلاء الباعة الأبطال وظروف وطريقة  عملهم.
وقبل أيام كتب الأستاذ البروفسور (  كاظم حبيب) مقالته النقدية الموسومة( سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق)  حول كتاب الأستاذ الكاتب  (  زهير كاظم عبود) أنف الذكر وعقب عليه الأستاذ ( زهير كاظم عبود   )  بمقالة جوابية فرد عليه الأستاذ ( كاظم حبيب ) بمقالة جوابية أيضا ًوالموسومة (تعقيب على تعقيب الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود حول مقالي النقدي لكتابه الموسوم "لمحات عن سعيد قزاز" )
 وتدخل الأستاذ الأديب ( جاسم المطير )  ( صاحب المسامير ) بمقالة مسمارية وأردفها بمقالة أخرى توضيحية وفيها تدوين لأحداث تاريخية والمقالتين تقع ضمن الرقمين1238 و 1239 من مساميره المباركة،جميع المقالات أعلاه منشورة على موقع صوت العراق وموقع الحوار المتمدن والعديد من المواقع الأخرى.
 
  وكذلك قرأت المقالة التوثيقية الرائعة للأستاذ البرو فسور عبد الإله الصائغ والموسومة (البروفسور عبد الهادي الخليلي بين تِرْبِه الصائغ واستاذه حسين علي محفوظ ) والمنشورة في صوت العراق العديد من المواقع وقرأتها في موقع صوت العراق والتي كانت ردا ً على مقالة الكاتب( بدر عبد الحسن ) والمنشورة في موقع كتابات، وقد ذكر الأستاذ الصائغ الأديب الراحل عبد الغني  الخليلي في سياق حديثه عن أصل عائلة ( الخليلي ) وكنت قد قرأت للراحل (عبد الغني الخليلي ) قبل فترة كتاب عنوانه( سلاما ً يا غريب ) تضم صفحاته كتابات رائعة وتنم عن أديب عراقي بليغ مرهف الحس محبا ً للعراق وشعبه حد العبادة ، وكذلك قرأت العديد من المقالات التي كتبت عن الراحل عبد الغني الخليلي وهذا مقطع من مقالة نشرها الكاتب ثائر صالح بمقالته الموسومة ( ذكرياتي عن الأديب عبد الغني الخليلي ) والمنشورة في موقع ( الكاتب العراقي ، نصوص عراقية )  وفيها رسائل بقلم المرحوم عبد الغني الخليلي وهذه أحد تلك الرسائل المنشوره تحكي حبه وحنينه للعراق وشعبه!
 (ستوكهولم  10/1/1991
...
ولدي الحبيب ثائر
كيف حالك يا عزيزي؟ لم أتلق منك أية رسالة منذ فترة طويلة. كما لم أتلق منك تهنئة بهذا العام الجديد كما عودتني. فقد كانت تمنياتك لي تحمل الفرح والأمل. لا أدري ما الذي شغلك عني. أتمنى أن تكون بخير..
أمس مررت - وأنا في طريقي الى البريد - بحي قديم مهجور، يسرح الحمام على أرضه، مطمئناً. فترامى إليَّ صوت عجلات مطبعة تدور. وكنت قد ألفت هذا الصوت منذ صغري. فوقفت أستزيد منه، ففي صداه تسكن طفولتي، وذكريات مجلات نجفية، كانت تطبع في مثل هذه المطبعة، وكنت مولعاً بقراءتها.
كم تمنيت، لو يتيح ليَ صاحب هذه المطبعة فرصة العمل عنده مجاناً، ولو لساعات قليلة، لأعيش تلك الأيام التي قضيتها عاملاً في احدى مطابع النجف، وأنا في الثانية عشرة من عمري.
وفي هذا المنفى البعيد صرت أحلم بذكريات ذلك العمر، وإن كنت قد شقيت به.
أنتظر منك رسالة طويلة، لأطمئن على حالك.
أتمنى أن يبتعد شبح الحرب الكريه البغيض، الذي راح يهدد أخوتنا في الوطن، بالموت والدمار، وأن نعود من هذه المنافي الى أهلنا.

قبلاتي/ أبوفارس )
ملاحظة : علما ًأن الأستاذ ثائر صالح عراقي صابئي مندائي، لكن القيم الإنسانية النبيلة والعراق وطدت صداقتهم !

لقد قرأت كل المقالات التي أشرت إليها أعلاه واستمتعت بها وزادتني معلومات قيمة عن أهمية التدوين والتوثيق والنقل وكذلك في طريقة الكتابة والتحليل والنقد.
 
وقبل قراءتي لتلك المقالات النقدية والتوثيقية  كنت قد بدأت بتدون العديد من الذكريات ( حدث ، مشكلة ، خبر ، طريفة ، ندوة،حفل فرح أو عزاء ، مواقف انتهازية لرجال كنت اعتقد يمتلكون أخلاق نبيلة،خراب النفوس ، اعتقالات ، منافقون ، حروب مرعبة ،  شخصيات تركت أثر حسن في نفسي، عشاق للسلطة والوجاهة ، مؤامرات دنيئة قذرة ، طمس حقائق، أناس فقراء لكنهم  طيبون أحببت طيبتهم ونبل أخلاقهم، مضحين لم ينصفهم التاريخ  ، تشويه سيرة أناس  بدوافع دنيئة  ، شخصيات مبطنه ( تقول عكس ما تضمر!!) مدن وشوارع أحببتها ، وغيرها من المواضيع المتنوعة ، مما يستدعيني الآن إعادة النظر فيها  عدة مرات قبل نشر كتاباتي ،واختتم مقالتي ببعض من تلك  الذكريات التوثيقية التي كتبتها .

 
يحيى غازي الأميري
السويد/ كانون الثاني 2007  [/b] [/font] [/size]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة