يوميات سجين عراقي في معتقل 'قصر النهاية'عبدالخالق زنكنة أحد الناجين من براثن السجن الأسطوري يروي تفاصيل اعتقاله ولحظات مكوثه المقترنة بويل التعذيب المقيت بين جدران صامتة وقضبان صدئة.ميدل ايست أونلاينبرلين ـ من ملهم الملائكة
'لم اشعر أنني إنسان'اختلف العراقيون بشأن أصل "قصر النهاية" ، لكن احدا لم يختلف حول الاهوال التي جرت على المساكين الذين القي بهم في هذا المعتقل المرعب المخصص لانتزاع الاعترافات من المتهمين. هو اختراع بعثي من عام 1963، وقد مر كثيرون به ولم يخرجوا منه.
عبدالخالق زنكنة النائب السابق في البرلمان العراقي وفي برلمان كردستان هو أحد الناجين من معتقل " قصر النهاية" الأسطوري المرعب في العراق ، وقد حاوره ميدل ايست أونلاين في برلين على هامش مؤتمر منظمات حقوق الانسان العراقية ، فروى من يوميات قصر النهاية بما سمحت به ذاكرته السبعينية.
عاش عبدالخالق زنكنة تفاصيل مرعبة في المعتقل الاسطوري الذي اقترنت نشأته بانقلاب 1963 البعثي القومي حيث وقعت مذبحة رهيبة، قتل نحو 10 الاف عراقي خلال اسابيع قليلة بتهمة الشيوعية ( دون محاكمات).
سُمي قصر النهاية نسبة الى أمرين، فهو قصر الزهور الذي شهد نهاية العائلة المالكة في العراق صبيحة 14 تموز/يوليو 1958 ، اما الامر الثاني فهو ان من يدخل هذا المعتقل قد وصل نهايته! إذ لن يخرج حيا منه. يقع القصر/ المعتقل في جانب الكرخ من بغداد قرب معرض بغداد الدولي وتصله عبر جسر الخر، وقد تحول فيما بعد الى مبنى تابع لرئاسة المخابرات العامة في عصر الرئيس الراحل صدام حسين.
تحدث زنكنة عن تاريخية القصر قائلا "كان القصر مهملا، فبعد ثورة تموز/يوليو 1958 ضمت حديقة القصر ملعبا لكرة القدم، وقد لعبت فيها انا شخصيا مرارا، بل ان دورة خاصة اقيمت فيها عام 1961 لفرق محافظات العراق، وكان اسمه آنذاك قصر الزهور".
بداية العذاب
روى زنكنة ظروف اعتقاله وفترة مكوثه في المعتقل بتفاصيل واضحة "اعتقلت في عام 1963 بعد أن أعترف عليّ (...) وهو أحد عناصر الحزب الشيوعي وقد اعتقل قبلي وانتزعت منه اعترافات عن باقي اعضاء التنظيم، بل أنه سلمني ومعي احدى الاخوات لعناصر الأمن في 14 نيسان/ابريل عام 1971 ، وقد ربطوا عيني ونقلوني بالسيارة الى قصر النهاية، وكنت ارى من خلف الرباط، وحين وصلت المكان، سألني احد عناصر الامن عن درايتي بمكان إقامتي، أجبته بنعم أني في قصر النهاية".
وعن بداية رحلة التعذيب وراء القضبان الصدئة قال النائب السابق في البرلمان العراقي "بدأوا بحفلة التعذيب التي استمرت 39 يوما قضيت اغلبها معلقا من ذراعي المربوطتين خلف ظهري لدرجة. وقد شل ذراعي الايمن بسبب التعليق الطويل. كما تعرضت الى ضغط راسي بالمنكنة (اداة حصر الحديد والخشب في معامل النجارة والحدادة). نعم قضيت 39 يوما في التعذيب بزنزانة انفرادية. وكان نهجهم ان يسجنوا من لم يعترفوا وحدهم في زنازين انفرادية، ولا يودعون في القاعات المشتركة".
تفاصيل الحياة في المعتقل
عن كيفية العيش في قصر النهاية، ونوعية الأكل واللباس والظروف المقيتة التي تلف حياة أي شخص يلج دواليب المعتقل قال زنكنة "بقيت كل المدة التي قضيتها في المعتقل في غرفتي الانفرادية ومساحتها نحو مترين طولا الى متر ونصف عرضا، وكانوا يأخذوني مرة واحدة في اليوم الى المرحاض، ويمهلوني بضعة دقائق فيها، ثم يستعجلني عنصر الامن بالتهديد والشتائم ان اخرج معه".
"الطعام كان عبارة عن رغيف خبز واحد( صمونة) لا غير طيلة اليوم تلقى اليّ من كوة صغيرة في أعلى باب الزنزانة. لا يوجد في الزنزانة أي شيء ينام عليه الانسان، سوى اسمنت ارضيتها الوسخ الرطب. في اعلى الزنزانة يوجد كرين (رافعة) ذات سلسلة مدلاة، ويوجد كرسي مثبت ، وعلى ظهره تثبتت منكنة (ضاغطة حديدية)".
"كان يعذبونني في نفس الزنزانة التي كنت معتقلا فيها. كنت اغادر هذه الزنزانة مرة واحدة في اليوم الى التواليت، ولبضع دقائق فقط. في الحقيقة لم يكن يخرج من جوفي شيء لأني لم اكن آكل اصلا،بل اني كنت احاول ان اخرج أي شيء من جوفي بلا جدوى، خاصة ان الحرس لم يكن يمهلني كثيرا بل كان يهددني ويصرخ بأعلى صوته عليّ".
اما التبول فلم يكن كثيرا لأني لم اكن اشرب الماء الا مرة واحدة او مرتين في اليوم، وكنت اتبول في نفس زنزانتي على الجدار في زاوية الزنزانة. كنت اسمع اصواتا وبكاء وعويلا من الزنزانات الاخرى ولكني لم اكن أرى احدا".
إطلالة ناظم كزار
أكد زنكنة أن المرة الوحيدة التي رأى فيها شخصا في المعتقل هي عندما زاره ناظم كزار مدير الأمن العامة آنذاك ، وكان شخصا شرسا وسافلا بمعنى الكلمة، وسأله هل تريد ان تظهر صورتك كمناضل في الجريدة؟ ساريك، سأجلب لك خبيرا في التعذيب !!.
قال الزنكني أنه كان لا حول ولا قوة له في تلك اللحظة "كنت ساقطا على الارض مسجا، وناظم كزار يضع حذاءه على راسي، ثم جاءوا بالشخص الذي اعترف عليّ، وهو( ....) ، وحين رآني في ذلك الوضع انهار وأخذ يتوسل بناظم كزار وهو يقول" ماذا تريد مني، لقد اعترفت، ما ذنب هذا الرجل؟"
الخروج من الظلمات إلى النور
ضغوط دولية كثيرة حصلت لإخراج عبدالخالق زنكنة من المعتقل وحول هذه التدخلات قال "حدثت تدخلات دولية وضغط خاص من الاتحاد السوفيتي الحليف الرئيس والوحيد لحكومة حزب البعث في العراق، وآنذاك كان البلد يعيش اجواء جبهة تحالف وطني بين البعثيين وبين باقي الاحزاب العراقية، لكنه لم يكن تحالفا معلنا، من هنا كان الرأي العام له بعض الاثر على قرارات البعثيين، وبعد اعتقالهم لعدة شخصيات قيادية في الحزب الشيوعي، ضغط عليهم الاتحاد السوفياتي فأطلقوا سراحنا. وعرفت ذلك من حديثهم، حيث نُقلت فجأة بالسيارة مربوط العينين من قصر النهاية الى مديرية الأمن العامة في منطقة القصر الابيض ببغداد، فقال لي احدهم" روح ، انت خلصت، فقد تدخلت جهات عليا وانقذتكم".
وعن ما راوده من افكار وتخكينات أثناء فترة اعتقاله أفاد زنكنة "خلال 39 يوما في قصر النهاية لم أشعر قط بأني إنسان، وقد أغمي عليّ مرارا في التعذيب، ولكنهم كانوا يرشون علي الماء، فاصحو من الغيبوبة، واندم لأني لم امت! كان ذلك التعذيب يجعلني اتمنى الموت في كل لحظة ، لقد عاملوني اسوأ من معاملة الحيوانات، كنت لا أعرف أن كان الوقت ليلا ام نهارا، فالنور الوحيد كان يتسرب الي من كوة الباب، ويأتي من مصباح الممر. ولم تكن الزنزانة سردابا تحت الارض، بل كنت انزل سلمة او سلمتين فقط لأسير الى زنزانتي. ومن بين من كنت اسمع صرخاتهم كان أحد قيادات الاحزاب الشيعية، لم أعرف من هو، ولكنه كان يصرخ بسبب قسوتهم المفرطة معه".
"دخلت المعتقل بسروال وقميص وحذاء، وبقيت ارتدي هذه الملابس طيلة الاسابيع الستة، وباتت ملطخة بالوسخ والدماء ، ثم اطلق سراحي بنفس الملابس؟ بقيت 39 يوما في اعتقال تعسفي، دون تهمة رسمية مثبتة ضدي، ودون محكمة، ودون مذكرة اعتقال، ولو ذهبت الآن ابحث عما يثبت اعتقالي ، فلن أجد له ذكرا في أي مكان. ربما ساجد محضرا لاعتقالي بضع ساعات في مديرية الأمن، لاسيما وأنهم قد صوروني هناك ،وهذا كل شيء. وقد سألني عناصر الامن بضعة اسئلة، فهمت من خلالها أن لا علاقة لهم بالتحقيق الذي خضعت له في قصر النهاية، وبعد ذلك وضعوني في سيارة واطلقوا سراحي، وكنت خائفا أن يقتلوني، لأنه كان شائعا في تلك الأيام، أنّسيارة مجهولة تدهس كل من يخرج من زنزانات الأمن العامة".
روى الزنكنة تفاصيل خروجه من سراديب المعتقل ووصوله إلى بيته آمنا" اعطاني عنصر الامن، دينارا واحدا لأني اخبرته اني اسكن في كركوك ولأنهم كانوا قد جردوني من كل شيء في قصر النهاية ، بما في ذلك هويتي كطالب في كلية الهندسة، لكني رفضت ان اخذ المبلغ منه. ثم جاء شخص وحلق وجهي بسرعة حتى انه جرح خدي لسرعته واهماله، ونحو الساعة الثانية عشر ظهرا وجدت نفسي في الشارع. كنت اتلفت يمينا ويسارا، ثم صعدت في حافلة ركاب صغيرة، ولم ادفع الاجرة، فظل السائق يسأل: من لم يدفع أجرته؟فأجبته معترفا: انا، لأني لا املك مالا، فنظر الى حالي، ثم سكت وعفا عني !وصلت بيت أبي ، فسقطت ارضا، فجاءوا لي بوسادة وفراش ونمت".
نهاية الجحيم
تحدث زنكنة عن كيفية زوال قصر النهاية "بعد اعلان الجبهة الوطنية ، وبعد شكاوى الاحزاب التي شاركت في الجبهة في اعوام 1974، 1975، 1976، قرر صدام حسين ان يلغي قصر النهاية بمثابة عربون للحزب الشيوعي عن صداقة البعثيين لهم! وصدر قرار رسمي بإغلاق قصر النهاية اعلن في كل وسائل الاعلام. والحقيقة ان المعتقل لم يكن القصر الملكي نفسه تحديدا، بل المباني الملحقة بالقصر، اما المبنى التاريخي لقصر الزهور فقد الحلق بمباني رئاسة المخابرات العراقية، ولا ادري كيف انتهى" .
"في ذاكرتي واقعة اخيرة من قصر النهاية، حيث قتل في التعذيب شخص يدعى علي البرزنجي كان مسؤول الخط العسكري للحزب الشيوعي آنذاك".
و"أمانة للتاريخ، اذكر هنا أن قصر النهاية كان معتقلا للشيوعيين والاسلاميين، والناصريين، وحتى عناصر البعث اليساري الذين كانوا يسمونهم التشرينيين. طاهر يحي (رئيس وزراء العراق في عام 1968)، وسكرتيره (علي سلامة) كانا معتقلين في قصر النهاية. جماعة القيادة المركزية (عزيز الحاج) كانوا ايضا من ضيوف قصر النهاية. باختصار هو كان معتقلا لكل السياسيين المختلفين مع حزب البعث".
ويجب التنويه انه حصل اختلاف في نسبة قصر النهاية الى قصر الزهور الذي شهد مأساة قتل آخر ملوك العراق وعائلته وسحل اجسادهم في شوارع بغداد عام 1958 ، أو الى قصر الرحاب الذي كان من قصور العائلة المالكة في العراق الذي يقول البعض انه تحول الى قصر النهاية. ولم يمكن التحقق بشكل نهائي من صحة المعلومة.