السياسة في الفلسفة السريانية -4- المدينة البشرية-/ أ/


المحرر موضوع: السياسة في الفلسفة السريانية -4- المدينة البشرية-/ أ/  (زيارة 4615 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل hzail

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 42
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السياسة في الفلسفة السريانية -4- المدينة البشرية-/ أ/

المدينة البشرية:
 يعطينا أفلاطون فكرته في كيفية المدينة البشرية في (الجمهورية) و يعدد صفاتها. إلا أنها صفات شعرية فلسفية لا يمكن وجودها إلا في دماغ أفلاطون وحده. فلا نستطيع وضعها على محك الواقع. لأن الصفات التي قدمها لم تخلق بعد في الأرومة البشرية، و لن تخلق.و بالتالي إن مدينة أفلاطون مدينة سماوية، خيالية، لا يمكن بأية حال من الأحوال تأسيسها على هذه الأرض، و أغراض البشر متباينة و أخلاقهم مختلفة و نزعاتهم و أهواؤهم يضاد بعضها بعضاً. و مجموعة من الكائنات العاقلة هذه صفاتها و أخلاقها و نزعاتها النفسية لا يمكن أن تؤلف مدينة كمدينة أفلاطون، و مع ذلك أخذ فكرته بعض الفلاسفة، وجاءوا ينشرون تعاليمه من حيث يعلمون، و من حيث لا يعلمون، فهذا الفارابي مثلاً يضرب على وتر أفلاطون، ويحاول تأسيس مدينته الفاضلة على الأرض. فيرفع عمدها على أنقاض جمهورية أفلاطون، و يذهب مثله متخيلاً جنة سماوية على الأرض، ولكننا نحن البشر لم نستطع إلى الآن تطبيق فكرة الفارابي، و لا فكرة معلمه أفلاطون.
  أما فيلسوفنا فإنه يلائم الواقع أكثر من سابقيه. و يعطينا فكرة عامة عن مدينته الفاضلة التي تمتاز عن مدينة الفارابي بواقعيتها و احتمال وجودها على هذه الأرض،  فبعد أن يلقي نظرة فاحصة على المجتمع البشري، و تتمثل لديه البشرية باختلاف  نزعاتها، وتباين مصالحها و أهدافها. يقرر أ، المجتمع البشري برمته قسمان. صالح وشرير.فيتألف من القسم الأول مدينة فاضلة صالحة. و من القسم الثاني، مدينة  غير فاضلة و شريرة، و إليك كلامه " كما أن لكل مركب خواص عامة لا توجد كلها في كل جزء من أجزائه قبل التركيب. كذلك المجتمع البشري له خواص لا توجد كلها في كل فرد من الأفراد، و بما أن أعمال البشر الإرادية،  إما أن تكون صالحة أو شريرة، لذلك تكون علة المجتمع البشري إما صالحة أو شريرة. والمدينة الفاضلة يجب أن تكون واحدة فقط. أما المدينة غير الفاضلة،  فيمكن أن تكون أكثر من واحدة، المدينة الفاضلة هي واحدة بالنوع، لأن الفضيلة  واحدة هي، كما أن الحق واحد هو، أما بالعدد فيمكن أن تكون أكثر من واحدة، و هدف سكانها جميعاً يكون واحداً بالأعمال الصالحة. أما غير الفاضلة، فيمكن أن تكون أكثر من واحدة، لا بالنوع و حسب بل بالعدد أيضاً".
 و سبب جعله المدينة واحدة بنوعها، و أكثر من واحدة بعددها، هو إمكان وجود مدن عديدة فاضلة و سكان  جميع هذه المدن المتعددة تستهدف الخير، و تلتقي عند نقطة واحدة هي الفضيلة تكون إذا واحدة بهدفها و أكثر من واحدة بالعدد و النوع، تكن أكثر من واحدة بعددها لاحتمال وجود مدن كثيرة على شاكلتها، و بنوعها، لأن الرذائل متعددة  متشعبة و لا يلتقي سكان هذه المدن عند نقطة واحدة، كما يلتقي سكان المدينة الفاضلة، و سنري ذلك في السطور القادمة.إلى الآن كان الفيلسوف يفرق بين المدينة الفاضلة و غير الفاضلة، و لم يعطنا بعد وصفاً شاملاً لكل منهما، و لكي نتأكد واقعيته في التفكير من هذه الناحية يجب علينا الإطلاع على الفقرة التالية من كلامه. و هذه تخص أعمال سكان المدينة الفاضلة، و مع كونهم يلتقون عند هدف واحد، في الخير و الفضيلة، إلا أنهم يختلفون في إدراك الحق، و لما كان هدفهم الحق و الخير، يدركه كل منهم بحسب مؤهلاته العقلية و النفسية، وهذا لا يطعن بالخير الذي يستهدفونه في أفكارهم و أقوالهم، و إليك ما  يقول "بما أن العقول البشرية لا تتساوى في إدراك المعارف الاكتسابية، هناك بعض سكان المدينة الفاضلة يدركون الأعمال الإلهية و البشرية كما هي، و البعض الآخر يدرك الأمور العقلية كأنها حسية و الفئة العليا، تشبه من يرى شجرة عادية كما هي، والفئة الثانية تشبه الذي يرى خيال الشجرة في الماء، و لا يرى الشجرة الحقيقية و لا خيالها في الماء، بل يرى رسمها على جدار ما، و لذلك يجعل علماء الإلهيات تعاليمهم بالنسبة على عقلية سامعيهم، فتراهم تارة يحتفظون بالحقيقة الواقعة في خطابهم، فينادون بعدم تجسيم الخالق و العقل، و طوراً لا يراعون ذلك بل يعلمون أن للخالق أذناً و عيناً و إصبعاً".
  هذا يدل على أن المدينة الفاضلة عند ابن العبري مدينة عادية، و إن كانت فاضلة و يمكن أن توجد  على هذه الأرض، لأن سكانها وإن كانوا متساوين ي الفضائل و الأعمال الصالحة، إلا  أنهم بشر عاديون يحتاجون إلى نصح و إرشاد، و بينهم تفاوت في العقلية و الفهم و ليست مثل مدينة أفلاطون التي عدد في أهلها صفات من صفات الأنبياء و القديسين  و كذلك مدينة الفارابي لا تحوي إلا بشراً استحالوا ملائكة، و أحالوا أرضهم سماء.
 " أما أركان هذه المدينة فهي أربعة، و أجناس سكانها خمسة، الأول: الهادون كالفلاسفة و العلماء و الأدباء، و هم الذين يعلمون الناس الإيمان القويم و يثبتونهم على الأعمال  الصالحة، و الثاني: الولاة و الحكام، و هم الذين يؤيدون الإيمان القويم بحكمتهم و يرشدون الناس إلى الفضائل و يقاصون المجدفين و ذوي الكبائر والمجرمين، و الثالث: العمال و ذوو المهن، و هم الذين يدون حاجات السكان من عمل أيديهم، و الرابع: الشرطة و الجنود، و هم الذين يحمون من الأعداء بقوتهم و بطولتهم، و الخامس: الكتاب و جباة الضرائب، و موظفو الكمارك و المكوس، و ما يتجمع من ذلك يعطى للحكام و موظفي الدولة على اختلاف أعمالهم كراتب شهري أو سنوي".
 إذا تأملنا في أركان هذه المدينة، و أجناس سكانها و أعمالهم، نجدها واقعية عادية تعم جميع المدن المعروفة اليوم، فإن الأجناس الخمسة كلها موجودة في كل مدينة منذ فجر  التاريخ البشري و إلى الآن، و تكون مدينة ابن العبري لا تمتاز بشيء عن بقية المدن في العالم إلا سلوك أهلها الحسن و بعدهم عن الجرائم و الموبقات، و بهذه الواسطة يمكن تأسيس حياة جديدة سعيدة على الأرض، يسودها السلام، و تنتشر فيها الطمأنينة، و يقوم أفرادها بأعمالهم و واجباتهم خير قيام، و نحن إذا أردنااليوم حياة بشرية سعيدة لا نستطيع وجودها إلا عن طريق المحبة و التفاهم بين أبناء المدينة و الوطن الواحد، و بالتالي بين سائر أمم العالم.
 و إذا عدنا مرة أخرى نستقصي أعمال سكان هذه المدينة، نجدهم بعيدين عن الطمع و الجشع و المخاتلة و الكذب و الأنانية، بل يقدم كل فرد منهم ما لديه من الخدمة و القوى المادية و المعنوية في سبيل الآخرين، و هذه هي الأمور الأساسية التي تنشر العدل و السلام و الاطمئنان في العالم.

عن كتاب : الفلسفة
المشائية في تراثنا الفكري
بحوث أدبية. فلسفية. تاريخية. اجتماعية
تأليف: المطران بولس بهنام

عن موقع حضارتي السريانية