الشاعر أحمد محمد الحميدي يختزل أوجاع المدن الآفلة بمجموعته الشعرية ... المسافات أطول.


المحرر موضوع: الشاعر أحمد محمد الحميدي يختزل أوجاع المدن الآفلة بمجموعته الشعرية ... المسافات أطول.  (زيارة 2256 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 129
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الشاعر أحمد محمد الحميدي يختزل أوجاع المدن الآفلة بمجموعته الشعرية ... المسافات أطول..

فهد عنتر الدوخي


تناثرت خيوط الشعر في وعاء(المسافات أطول) التي أعلن عن ولادتها مؤخرا الشاعر والأديب أحمد محمد الحميدي بعد صمته الطويل, والذي حمل هذا الإيحاء الجميل, وقاسها بنفس تلقائية وهو يسلك الدروب البعيدة من فروع متعرجة ليواصل عدوه بإتجاه ضالته التي ينشدها منذ أن وطأة قدماه ميدان اللغة والأدب,إذ كانت معبدة بحكايات الناس وبساطة أحلامهم وعفوية حسهم,(المسافات أطول) ديوان يختزل أوجاع المدن الآفلة وآمالها بلغة هاطلة من سحابات سنوات الكد والضمأ والعوز ليقدمها هبة لجيل أتعبه الترحال وحط من كبرياءه وجع النزوح والإغتراب مع نفسه والذي أقعده جور الحروب والحصارات وصور الراحلين الى المنافي البعيدة.. الشاعر أحمد الحميدي إنتفض على خطى أهله ليخلص هذا اليباب القافر في النفس من وهن الخرافات والعبث والفوضى التي كانت تعصف به وهو يلاحق رغيف الخبز على(تنور الحطب) ويزمجر بلغة ( الزهيري والعتابة), تلك اللغة الجميلة التي يتحاور بها أهلنا في قرى مدينة الشرقاط للتعبير عن تقديسهم للحياة والصدق والتسامح ومحبة الآخرين, وها هو الحميدي يضع يده في أيديهم ليترجم هذه الحكايات الى قصائد مكتوبة بلغة مسكونة بهموم الدراويش وهم يلتحفون أماسي القرية التي حفظ أوجاعها عن ظهر قلب عندما نقش في جدارها عشرات الجمل الشعرية, بعد أن أتقن قواعدها و مديات التواصل مع كل ماكتب من أجناس وبأشكالها الموروثة والمعاصرة والحديثة, حتى بانت عناصرها الرمزية والإنطباعية والفنية بشكل جلي وملفت ومدهش في رسم معالم القصيدة ,وظهرت محبوكة بحرفة بارعة, ومتنوعة في مقاصدها ومتفوقة في الذائقة الجمالية, الشاعر احمد الحميدي تواصل مع قصائده بشعور محب, يزينه قلب هادئ شفاف بطبعه وطبيعته, مغمور بصمت حاد يعتليه ضخب التمرد والعصيان على ذكريات وأوجاع باهتة, اوهي بعض من صور الأيام القاحلة في حياة مجتمع رتيب بحركته, حتى غدت القصيدة لدية إستغاثة,أو طلب مشفوع بتقاويم سنوات الركود وجدب المنافي... وأنا أحلق في آفاق هذه المجموعة الشعرية( المسافات أطول) الصادرة عن دار صحاري للطباعة والترجمة والنشر لهذا العام والتي تزينت بغلاف جميل وطباعة رائعة, وفي متنها ثمانية عشر عنوانا,غيرأن الإهداء جاء متوائما تماما لما يعتري النفس من كدر وألم بسبب المتغيرات البيئية والإجتماعية والسياسية في حالنا الراهن( الى الطيبين ...كل الطيبين في الأرض).. ومن المؤكد أن المتلقي سيسعد عندما تتلقف عيونه هذا الإهداء ليزداد طيبة ونقاء,ولم يكن علي عزت بيجوفيتش رئيس جمهورية البوسنة التي شهد له شاعرنا الحميدي بقوله(الشعراء هم جهاز الحس البشري)هو الشاهد الاوحد لما تتوق له الحياة من إحساس حتى إستشهد بقولين آخرين للشاعرين (أمل دنقل) الذي قال( الشعر هو البديل الأمثل للإنتحار) و(الدكتور نوري محمد ظاهر) الذي قال ايضا( القصيدة الجميلة كالأنثى الجميلة نحبها دائما)..هذه المقدمة قد فتحت شهيتنا لتناول المزيد من هذا الحشد الشعري المكتظ بالكلمات والجمل الممتعة والتي تشكل إضافة نوعية تتزين بها مملكة الشعر وتعمر بها المكتبة العربية,نقرأ في قصيدة( المسافات أطول)وهي من الشعرالعمودي و التي إستحوذت على عنوان الكتاب, ولا أعلم لماذا إختار هذه القصيدة لتاخذ مداها في تخليد هذا الأثر للكاتب, ربما هنالك قصة أوذكرى وراء ذلك, ربما سأعود لشاعرنا لأضع على طاولته بعض من فضولي وأطرق باب صمته لأتوغل داخل هذه المسافات.. وإخترت منها:-
قم شاكس الضوء وإمنح عينه بصرا____وكفكف الليل عما حوله لترى.
ومهد الدرب كي يحظى بأمنية _____ومن يعاتب إن ما خطوه عثرا...
حتى يواصل الحاحه في مشاكسة الضوء وكفكفة الليل وليرى ونحن نرى ايضا لماذا..
تاهت بخطوي دروب الأرض أجمعها______وقاربي ملني اتعبته سفرا... الصفحة12..
لماذا يطلب منها أن تسأله عن خطواته التي ترسم معاناته ووجعه ام عن القارب الذي أعياه التعب والترحال(إسأليني...إستنطقي في جنوني وإستنطقي في القصيدة)..قصيدة(إقرار)صفحة15 كتبت بصيغة نثرية ,هل سنحصل على أيجاز في خضم قصيدة إقرار؟ يواصل الإجابة( القصيدة مثل عينيك)..إذا كانت القصيدة تختزن كل هذا الجمال فكيق ستكون عيون الجبيبة إذا؟
ومن باب التفاؤل والكلام للعراق(الى سيدي العراق)صفحة19..
أبدا تظل بكل جرح تفخر_____وتظل مخضرا وارضك تزهر
أبدا تظل على الجراح مكابرا_____وتظل في عيني السما تتبختر..
هذه الأضاءة بوجه العراق, هي جزء من وفاء شاعر لوطنه وهوشعور رائع وشهادة بخلدها التاريخ لوطن يستحق الإشادة
ولتأكيد ذلك يقول...... وطن وكم دارى نزيف جراحه_____يمشي على نزف الجراح ويعبر..
ما ابلغ من هذا الإطراء الذي ذهب اليه شاعرنا احمد بحق العراق, بلد الحضارات والأمجاد,إذ يرى انه سيعود وينهض من جديد رغم الامه وجراحاته التي أصابته جراء مواجهته لأعداءه وخصومه الذين لازالوا يرمون الى تقطيعه..
ذاهب قبل ان اوزع خبزي,,
وقبل أن ارتل ماتبقى من نشيد,
ذاهب لأن الخبث يسود العالم
ذاهب لأحصي اعداد القتلى لحظة الإنفجار...قصيدة(لحظة الرحيل)الصفحة23يتولد هذا الاحساس لدينا يوميا من فرط الاخبار السيئة عن الإنفجارات ومايعتري الساحة السياسية من اختلال في التوازن بعد الإحتلال الأمريكي البغيض لبلدنا, هذ الأنعكاس الذي يدونه الشاعر في أدبياته.. يعني اوتعني الإستغاثة التي رفعها بوجه العالم .
يبدوا اننا لانغادر وقائع الحرب وساحاتها.. حتى استعار الشاعر بذكاء ادوات الحرب ليمسك بها ليظفر بالعودة الى الحبيب المنتظر..كمايقول في قصيدة (لاتبتعد هكذا) الصفحة25
ثم علمني أخوض الحرب ضدك,
أيها الوجه الذي سافر عني,
كيف لي أن أستردك؟
أنت لاشيء بدوني
وانا لاشيء بعدك....
وعلى شاكلة جنوحه لتفحص مواطن الحزن في الأثر الموثق والمكتوب والذي يشكل وجع ليس بوسعه مغادرته , إذ يبدوا تأثيره جلياومؤثرا..يطالعنا في قصيدة(الوجه الآخر للحزن) صفحة32:-
الحزن خيم في البلاد الى متى______تبقى تجفف دمعها الأطفال
دمعي ندى الكلمات ثوب قصيدة______ينساب منها للهوى شلال.. ويواصل في تشبثه بمفردة القصيدة والحزن وكيف جعل منها مرآة تعكس قريحة مخبوءة تحت أسئلة ليس لها جوابا شافيا كوقع القصيدة نفسها..
يغتالني شعري فكل قصيدة________ فيها من الوجع القديم جبال
أصغي لهمس الماء علمني أبي______(الصمت إن حضر الجمال جمال)....
وتأسيسا لما ذهبنا اليه في أن الصور الشعرية التي إبتكرها شاعرنا الحميدي كانت مدهشة وجذابة وفيها السيناريو أخاذا, ففي قصيدة(إرتجالية الألم) الصفحة40...يقول:-
هل من سحاب؟ سألت الريح بي عطش______ صيف بصدري فهلا جئت يامطر
من ألف عام وعند النهر قاربنا_________يشكو إنتظارا ولم يكتب له سفر..
في قصيدة(أغنية الغريب) الصفحة 47 مهد لدخول فكرة القصيدة بتحية الى (سعد الرواز لأكثر من مناسبة لأنه يشبهني كثيرا)نقرأ في آخرها:-
وكان يخفي هوى عن جارة فمها______ قد ظل حتى الفنا أقصى أمانيه
لما حنوت على جرحي تقبله_______عرفت أن الذي أدماك يدميه..
وفي لوحة (عروس الثلج)الصفحة51:-
دلليني, قبليني علميني معنى الأشياء, وعلميني معنى الحب وكيف يكون الإغماء.. الخ..ولما كان دافع الحب هو جزء حي من منظومة المشاعر الإنسانية التي ترتقي بالآخر ليعلم حلاوة الأشياء التي تحدث بلقاء الحبيب..ويظل الأمل ماكثا في هذا العنوان الذي اختاره لهذه القصيدة الصفحة61 التي تزيح الغشاء الخفيف عن امنية مختبئة في الروح:- غدا يأتي ويجمعنا مصير____ كما الأقمار يجمعها مدار.
ونحن يحدونا الأمل أيضا أن يواصل الشاعر والأديب أحمد محمد الحميدي السير عبر مسافت أخرى ليكتشف لنا واحات جديدة تزينها خمائل الشعر والجمال..