غرفة نازح
قصة قصيرة في زمن النزوح
غسان سالم شعبو جلستُ في معتقلي أقصد محميتي أو غرفتي وسط هيكل لم يكتمل والمُطل على سفح جبل بارد أجرد من الخضرة تكسوه صخور صلدة شامخة أبداً، وكيف أوصف غرفتي وبيني وبينها عتاب، فأشباه الأبواب مشرعة والنوافذ غير مؤطرة بالزجاج ولا حتى بالنايلون، وها قد بدأت أولى زوابع الشتاء وليس لي ملاذ آخر في وطني سوى غرفتي ويا ليتها من غرفة عتيدة مؤثثة مشرعة على الشارع العام وسط سوق شعبي مكتظ بالمارة والعربات وأصوات الباعة وأزيز السيارات العابرة يملأ المكان. وفي أرقى المناطق. يا ليتها كذلك. ولكن هيهات إنها مجرد أثغاث أحلام لنازح قد مسه الدهر بالتخاريف وحكم عليه الزمن بالضياع، في وطن لم يرعه رعاته فصرنا كقطيع وسط ذئاب. وأعود لغرفتي وأنا أحاول أن أتدثر بقطع الشراشف التي حملتُها معي لحظة تهجيري من بيتي عنوة ولا أملك سواها، فرحت أستعطف المنظمات وأهل الخير أن يشملونني بكسوة الشتاء ومؤونة يومية لي ولأطفالي وبطانية. وها أنا أحاول النيل من أول ريح عاتية تهب وسط أجواء غرفتي، فرحت أقول في قرارة نفسي: سأقاوم ما زلت في أول الشتاء. ولملمت نفسي بين ثيابي في الوقت الذي سمحت لأطفالي أن يناموا في زاوية واحدة بعيدة عن تلك النافذة اللعينة التي لم تكتمل بعد!. ورحت أحادث نفسي شاكراً صاحب هذا الهيكل العتيد أن يكتمل، لتحننه عليّ وقبوله بإيوائي بين جدرانه الباردة. وفي ذات الوقت أعاتبه على ترك الهيكل مجرد جدران باردة لا لون لها ولا منظر ولا أجد وصفا لها. وكم حسدت هؤلاء القاطنين في الكرفانات أو الخيم فربما هي أفضل من غرفتي واستدركت للحال خطأي وأنانيتي. ما زالت الريح تزمجر تزف لي أولى بشائر الشتاء. وها هي قطرات المطر تنهال على البناية العارية تترنح بين تقاسيم بيتٍ لم يرى النور بعد. ترتسم بين الجدران والممرات شخابيط مائية تنساب بين التجاويف لتستقر على أرضية هشة فتختلط بالأتربة محولة إياها إلى أطيان تتكدس لتوحل المكان دون أن يصدها شيء. وفي الوقت عينه هجمت الريح الهوجاء حاملة معها زخات المطر الباردة التي راحت تبحث عني لتهاجمني من خلال النوافذ المشرعة والثقوب المتشعبة على طول الجدران وبين الممرات، ولكن يا لوعتي من يسمع صراخي وأنا مضطجع في غرفتي الباردة, يا ليتني أستطيع أن أساعد صاحب هذا الهيكل ليستطيع أن يُكمله فأنعم بمبيت هانئ فيه. يقيني من هزيع الريح وسطوة الشتاء القادم. ولكن هيهات فإني لم أعد أملك شيئاً بعدما سلبني القساة العتاة كبريائي ووجودي وجردوني من بيتي وحملوا كل أشيائي، ولم أعد سوى نكرة في وطن تسود فيه النكرات. فرموني في حاوية المنسيين وهم الأَولى بهم أن ُيرموا في سلة النفايات ومزبلة التاريخ.