الكاتب والباحث عزيز نباتي
في ذكرى رحيله
بطرس نباتي
بتاريخ (5) من تشرين الثاني الجاري مرت الذكرى الثانية عشر لرحيل الكاتب والباحث عزيز عبد الأحد نباتي
أتذكر قبل وفاته بأيام قليلة كنا نقضي بضع من الوقت في كل مساء نتناقش معا في مسائل عديدة تهمنا ومن بينها طبعا ما كان يدور حينها من جدالات ونقاشات حول انتمائنا القومي وتسمياتنا القومية، وكان عزيز قبل هذا اللقاء لا يميل إلى مناقشة هذا الجانب ، وكان كلما حرضته على الخوض في هذا المضمار يتملص بسلاسة معتبرا الانتماء القومي شيء يخص الإنسان وما يعتقده أو ما يعتنقه وكنت دائما أحترم رأيه هذا ، ولكن في تلك الامسية التي سبقت رحيله بيومين فقط ، رأيته على غير عادته ، فقد كان يحاول أن يسحب حوارنا وخاصة الجانب الثقافي منه، إلى اتجاه آخر اتجاه لم أكن أحسب له قبلا أي حساب، ولم أكن أألفه عنه سابقا
قال كنت قبل أيام في ضيافة الباحث الكبير جرجيس فتح الله وقد جرى اللقاء بينهما بعد مدة من صدور دراسة لعزيز ونشرها جرجيس غتح الله بعنوان اربع مقالات لم تنشرها خبات ، قال لي :
لقد تحدثنا انا والباحث جرجيس فتح الله مليا عن قضية الانتماء القومي ، وكذلك قرأت بعض مما يكتبه في هذا الشأن صديقي يوسف حبي ، ولكني سأثري هذا الجانب والمخفي من تاريخنا بدراسة مطولة ..
ثم ضحك وقال ستكون في رأي تأييدا لبعض طروحاتك الثقافية والتاريخية في هذا المنحى وأكد بأنها ستكون جديدة ومؤثرة في هذا الجانب الهام ولكونني بدأت بها قبل أيام لا أستطيع البوح لك بكل تفاصيلها إلا بعد أن أكمل القسم الأكبر منها.
كنت على أمل أن أقرأ لعزيز ما وعدني به .. حقا كانت الصدمة عنيفة جدا لي عندما تلقيت نبأ وفاته المبكر وقبل أن يقول ما كنت أتمنى ان اسمعه منه ، اليوم وأنا أتتطلع فيما كتبه في كتاب نشره الباحث الراحل جرجيس فتح الله تذكرت ما قاله لي قبل أن يُخطف منا وهو في أوج عطائه الثقافي،
ولد عزيز عبد الأحد عوديش نباتي في عنكاوا عام 1949 في بيئة دينية . حيث كان جده الخوري يوسف نباتي رجل إيمان وتقوى ومن الشخصيات البارزة والخيرة في المنطقة . أما جده من طرف أمه فهو القس بهنام سياوش هذا الكاهن المتميز بخدمة جماعة عنكاوا وفي كنيستها ولمدة طويلة وحتى وفاته . اما والده فهو المربي المعروف والفاضل عبد الاحد عوديش الذي خدم مهنة التعليم كمربي وكمدير لمدرسة عنكاوا الابتدائية ، والذي أسهم في العملية التربوية في عنكاوا منذ صباه وحتى إحالته على التقاعد.
نشا عزيز وتربى ضمن هذه البيئة الدينية والمحبة للعلم والثقافة ، وكان لهذه البيئة أثرا واضحا ومؤثرا في شخصيته وسلوكه حيث اختار منذ نعومة أظفاره الدراسة في معهد مار يوحنا الحبيب /الموصل ، ففي هذا المعهد قضى جل سنوات صباه ومعظم شبابه تلقى دروسا في الفلسفة واللاهوت وأتقن لغته السريانية فأحبها والتصق بدراسة أصولها وآدابها ، بها إضافة إلى العربية والفرنسية ، ترك معهد يوحنا الحبيب في عام 1972. بعد أن قضى معظم سنين حياته في الدراسة ليصبح كاهنا ، إلا أن بعد تخرجه فضل أن يكون علمانيا على الكهنوت، عرف عنه حبه وشغفه بالقراءة والبحث والتقصي خاصة في تراثنا وتاريخنا وطقسنا السرياني إضافة إلى تحريه عن المصادر التاريخية الموثوق بها والتي انكب على دراستها في سني عمره الأخيرة أي بعد انتفاضة آذار وكانت حصيلة هذه الجهود مؤلفات عديدة نذكرها :
1-تاريخ عينكاوة : مؤلف تاريخي يتضمن معلومات وافية وقيمة عن بلدته عنكاوا ومنطقة حدياب .
2-كراس بالعربية والفرنسية عن زيارة مار روفائيل بيداويد بطريرك بابل على الكلدان إلى ابريشية اربل ونواحيها
3-كرونولوجيا اربيل : بحث حول مؤلف ايشوع زخا باللغة السريانية . قدم نصه السرياني مع الهوامش والشروح والتي ترجمها إلى العربية .
4-الكورد والحق : دراسة حول تاريخ ووضع الكرد ومناطق وجودهم مترجم عن الفرنسية.
5- بعض المقالات والمسودات للاب توما بوا
6- قواعد اللغة الآرامية للأب البير ابونا : تقديم وطبع مع الهوامش والإضافات
* له مسودات عديدة بانتظار الطبع منها تاريخ حدياب وما جاورها ، وإعادة طبع مع التنقيح لرواية يزداندوخت الشريفة الأربيلية ، ومؤلفات أخرى إلا أن المنية لم تمهل المرحوم من إكمال مشاريعه ومؤلفاته . فانتقل إلى جوار ربه مساء يوم الثلاثاء الخامس من تشرين الثاني 2002 اثر نوبة قلبية حادة ومفاجئة ، منتهيا مشوارا طويلا وصعبا من الكتابة والبحث والتقصي ..
إن كان قد بدأ للتو ولكنه كانت له بصمات واضحة ومتميزة في عالم الثقافة والكتابة ، وكان قبل رحيله بزمن قصير قد تم ترشيحه من قبل وزارة الثقافة في حكومة اقليم كردستان ليتولى منصب رئيس تحرير مجلة شانَدر التي تصدر في الاقليم وهي من المجلات التاريخية المهمة في الساحة الثقافية لإسهامها في نشر البحوث والدراسات التاريخية عن الحضارات القديمة ..
رحل عزيز تاركا أثرا طيبا لدى كل معارفه وزملائه وإرثا فكريا ومعرفيا نفتخر به جميعا ، رحيله قبل الأوان وهو في عز عطائه الفكري والثقافي خسارة أكيدة للمشهد الثقافي السرياني والكوردستاني .
وربما سينسى هذا الجيل أو الذي يسبقه هؤلاء المبدعين من أهلنا في عنكاوا وقد ناشدت مرارا عرفانا بجميلهم وما قدموه من خدمات ثقافية عسى وعلى ان تبادر الجهات المعنية بتكريمهم بتسمية معالم عنكاوا بأسمائهم اعتزازا بهم وبخدماتهم وإبداعاتهم الفكرية والثقافية فكل الأمم المتحضرة تنهج مثل هذا النهج اعترافا منها بإرثها الثقافي والفكري ورموزها الثقافية بغية تخلدهم ليبقى نتاجاتهم الفكرية خالدة ومتداولة من قبل الأجيال القادمة.