رسالة إلى بابا نوئيل

المحرر موضوع: رسالة إلى بابا نوئيل  (زيارة 333 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل زاهـر دودا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 144
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رسالة إلى بابا نوئيل
« في: 22:41 24/11/2014 »
رسالة إلى بابا نوئيل
ـــ زاهـر دودا / 24 تشرين الثاني 2014
بكل حب اكتب لك بالنيابة عن أطفال العراق بصورة عامة وعن أطفال أهلي المهجرين أو المهاجرين الى المجهول، وفيها بعض الملاحظات في غاية الأهمية قبل الشروع بعملك الإنساني تجاه أطفال العالم متمنيا التوفيق والنجاح في مهمتك الكبيرة الشاقة في إدخال السعادة والبهجة في عيون الكبار من خلال وجوه الصغار بما تقوم من جولات شاقة رغم الظروف المناخية الصعبة القارصة قبل حلول عيد الميلاد المجيد، لإسعاد الطفولة البريئة ورسم البسمة على وجوه الآباء والأمهات عندما تجتمع العائلة حول شجرة الميلاد ورؤية هداياك تزين المكان بألوانها الزاهية الجميلة .
رغم أن المناسبة دينية لها مراسيم وطقوس إيمانية تُرفع فيها صلاة الشكر والتسبيح لولادة صانع السلام لخير الإنسان ورؤية نور الطفل الفادي في المغارة الحقيرة كحال إخوتي المهجرين الآن بدون مأوى ولا مسكن حيث بَشّرَت بمجيئه الملائكة قائلة : " ܬܸܫܒܿܘܿܚܬܵܐ ܠܐܲܠܵܗܵܐ ܒܲܒܖ̈ܘܡܹܐ ܘܥܲܠ ܐܲܪܥܵܐ ܫܠܵܡܵܐ ܘܣܲܒܼܪܵܐ ܛܵܒܵܐ ܠܲܒܼܢܲܝܢܵܫܵܐ " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر، ولكنها عند الأطفال الأبرياء لا يهمهم سوى الفرح الذي ينتظرونه من الهدايا والأشياء الجميلة التي يتلقوها في هذه المناسبة منها الملابس الجديدة والأكلات اللذيذة وبزيارات الأهل والأقارب والأصدقاء ومدن الألعاب، والأهم أن يتلقوا العيدية مهما كانت قيمتها ونوعها.     
يا بابا نوئيل : قبل أن تقوم بجولاتك المكوكية قبل نهاية عام 2014 لتوزيع هداياك إلى أطفال العالم الشاسع الكبير وحرصا مني لتؤدي مهمتك بنجاح وبسلام عليك أن تراعي هذه الملاحظات :
أولا : بالإضافة إلى الهدايا المعتادة احمل في كيسك في هذه السنة أشياء أخرى لا تخص الأطفال فقط، واقترح أن تأخذ معك بذلة إضافية ولكن أن تكون باللون الأسود بدلا من لون الأحمر المعتاد، وكذلك اجلب معك لحية حمراء طويلة بدلا من البيضاء الناصعة، ويُفضّل أن تكون بدون شارب. إضافة لأشياء أخرى سأذكرها لاحقا .
ثانيا : ابدأ مهمتك بزيارة الأطفال الذين يقيمون في الدول المستقرة المتنعمة بالسلام والأمن وادخل البهجة في قلوب المحرومين فيها وانقل لهم محبتي وسلام ما بين النهرين من أبناء السلام متمنين لهم حياة أفضل وان يسعدوا مع أصدقائهم ومع أهلهم الطيبين بمناسبة الأعياد.
ثالثا : بعد أن تنتهي من جولتك الأوروبية والأمريكية وإذا قررت المجيء إلى الشرق الأوسط . ارجوا أن تحتاط جيدا وأحذرك الذهاب إلى قرى وبلدات سهل نينوى لأن النبي يونان في نينوى الجريحة طُرد منها وصودِرت دور المؤمنين ودُنّست الكنائس وفُجّرت مع بعض الدور والمساكن بعد تفخيخها بحرف النون المسجونة داخل عين حمراء عمياء، ولم يبقى فيها من يعرفك ويسعده قدومك، والذين خرجوا منها سالمين لم يحملوا إلا الأحزان والآلام هاربين مرعوبين بأجسادهم الشبه العارية.
يا بابا نوئيل . لم يبقى احد في بلداتنا لكي يستقبلك كما كانت أبنائنا سابقا تقف أمام أبواب الدور تنتظر بشوق مرور موكبك البهي مع أصوات الأجراس وصيحتك الرنانة القاهرة للحزن والطاردة للألم. سوف لن تجد الأطفال تطوف خلفك في الأزقة والمحلات في هذا العام.
أقول لك من اجل الأطفال في العالم الأول لكي لا تحرمهم من إطلالتك السنوية. أخاف على سلامتك إذا جئت من اجل أطفال العالم الثالث وخاصة إلى أبناء لأصحاب أول حضارة عرفها التاريخ ورثة أور وبابل ونمرود وآشور. كيف اصف حال أزقة بغديدة الحبيبة وكرمليس العزيزة وبرطلة المجاهدة، وحال تلكيف عروسة نينوى لا يختلف عن حال باطنايا الرقيقة الأنيقة ولا عن جارتي الحميمة تللسقف وأختها بيقوفا، وغيرها، سأحتاج الى رسالة ثانية، ربما في مناسبة ما سأذكر ما أصابت قرانا وبلداتنا من هتك ودمار على يد الأشرار.
يا بابا نوئيل . لن تجد في بلداتنا اليوم تلك الوجوه البريئة المبتسمة في استقبالك ولم تَعد الأزقة صالحة لتسير مركبتك الجميلة، وَلن يُسمع صوت أجراسك الرقيقة بعد أن أسكِتَتْ أصوات النواقيس الضخمة أمام أصوات المدافع والبنادق، ومن بعيد سيأتيك صوت الأحاديّة يُدوي قُرب آذانك مُنتهكا طهارة سَمعك.

يا بابا نوئيل . إن كان لا بُد من توصيل أمانتك لأطفالنا الأعزة، فسوف تُكبّد جهودا استثنائية في هذه السنة، لأنك لن تَجدهم في مكان واحد، فكل واحد منهم أصبح مع أهله مشرّد أو نازحين إلى مناطق بعيدة باردة خوفا من نار الجحيم، وستجد قسم منهم في خيمة بائسة يرزحون تحت مطر التهميش مع برد الضمير تَغتسل بمعاناتهم الأيادي الفاسدة من تُجّار الأزمات.
يا بابا نوئيل . في حال وجدتهم، وعرفت ملامحهم، سوف لن تُسعدهم هداياك كما كانوا سابقا، وسوف لن تَجدهم يركضون خلفك ويتبعوك بالفرح، وكما قلتُ في بداية الرسالة أن تَحمل معك أشياء أخرى فإنهم بحاجة إليها أكثر من الألعاب والألوان، فهم بحاجة إلى طعام وشراب يكون مصدره شريف، إلى طعمِ رغيف الخبز الطاهر من التنور المتواضع، بحاجة إلى مناديل بيضاء تمسح دموع الحسرة والقهر من على وجوه الآباء لخسارتهم شقاء وتعب العمر الماضي والخوف من المستقبل المجهول في المنافي.
يا بابا نوئيل . إذا كان لا بد أن تَوزيع  حمولتك الأخيرة لتُـنهي مهمتك السنوية في الموصل وفي قرى وبلدات سهل نينوى المغتصبة، فعليك أن تُغيّر بذلتك الحمراء بالسوداء وتضع على وجهك اللحية الحمراء لتوهم الأشرار انك مجاهد قادم من الشيشان تحمل معك الأسلحة والمفخخات، وإلا فلن تخرج سالما وسوف تغتصب الدمى العذراء مع الألعاب البريئة الناعمة وسَتُصوّر بالفيديو وهي تُنحَر بسكينةٍ عمياء يتفاخر الذي يذبحها بأنه يجاهد في سبيل الله ! وان كل الأقمار الاصطناعية ستُراقبك والفضائيات ستَنشُر الخبر لتُرعب قلوب الأطفال البريئة ليسرقوا منهم معنى الفرح الحقيقي، بينما عيون الفاسدين تَتَرصّدُك لـتَـسرق ما تحمله لتبيعه في السوق السوداء.
 يا بابا نوئيل . ماذا ستفعل لتخفف حزن الأطفال الهاربين إلى خارج العراق في دول الشتات ضائعين وقد بدأت ذاكرتهم تضعف بعد مرور على تهجيرهم حوالي خمسة أشهر تاركين خلفهم شجرة الميلاد مع زينتها في المخزن، والآن ستجدها تحت الأنقاض أو مبعثرة مع الأشياء الأخرى تبكي عليها صورهم المعلقة الباقية على الحيطان.
يا بابا نوئيل . منذ أكثر من ألفي عام بعد أن عادوا أجدادنا من بيت لحم في زيارة قادتهم نجمة الميلاد، ونحن نتلوا مع الملائكة " على الأرض السلام .. " نعم ، سكن السلام في قلوبنا وملأ صدورنا ولكننا فقدناه في حياتنا ولا زلنا ننتظره عسى ولعل أن تجلبه معك في هذا العام، وإلا فأنني أقول لك بأن لا تأتي الى مخيماتنا الحقيرة أو الى زنزانات الكرافانات الخانقة أو الى منفانا الإجباري المهين، لأننا سوف لن نشعر بان العيد سيكون سعيد، ودمت بألف خير .....