هل ما يزال العراق يعيش كوارث الشوفينية والحروب والاحتلال والطائفية السياسية؟

المحرر موضوع: هل ما يزال العراق يعيش كوارث الشوفينية والحروب والاحتلال والطائفية السياسية؟  (زيارة 220 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 663
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب   
هل ما يزال العراق يعيش كوارث الشوفينية والحروب والاحتلال والطائفية السياسية؟
حين يراد معالجة المشكلات التي يعاني منها مجتمع ما يتجه الباحث العلمي إلى دراسة تلك المشكلات باستخدامه الطرق العلمية المستخدمة والحديثة والمجربة في البحث والتدقيق والاستنتاج بهدف الوصول إلى العلاجات المناسبة، تماماً كما يفعل الطبيب بمعارفه وخبراته معالجة مريض ما عند معاناته من مرض ما، إذ يعمل على تشخيص المرض وأسبابه ثم يتحرى عن العلاج المناسب، وربما يحاول تبادل الرأي مع مختصين آخرين لضمان أفضل العلاجات على وفق الحالة. وهذه الطريقة يمارسها العلماء في الاقتصاد والسياسة وفي مختلف العلوم الأخرى. والسؤال الذي يحير الإنسان العراقي هو: لماذا لا يعمد حكام العراق وأغلب سياسييه إلى ممارسة هذه الطريقة العلمية المجربة في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي؟ هل بسبب جهل أغلبهم بالعلوم والأساليب العلمية، أم بسبب استخفافهم بمجتمعهم أو انتهازيتهم أم لأي سبب آخر؟ هذا لا يعني عياب مطلق لمن هم بالمستوى المناسب ولكنهم مبعدون عن الحياة السياسية!
حين نتحدث مع علماء العراق في مختلف حقول العلم، سيخبروننا جميعاً بأن العراق يعاني من كوارث حقيقية فاعلة ومدمرة في جميع تلك المجالات التي يختصون بها. وحين نتحرى معهم عن العوامل التي تسببت بها سوف لن يترددوا في تشخيصها، وربما اختلفوا في بعض أوجهها وخاصة بالنسبة لعلماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ولكنها لن تكون متباعدة.
فسياسات الاستبداد والقهر والتمييز القومي والديني المذهبي، وسياسات العسكرة والتوسع والحروب والاعتداء على الجيران، وممارسة سياسات اقتصادية غير عقلانية وتفاقم الفساد ونهب الخيرات ونقص وسوء الخدمات الاجتماعية، قد ارتبطت عضوياً بالنهج الشوفيني أو العنصري للحكام القوميين الذين مارسوا الاستبداد والحروب والعدوان وجهلهم وفاقتهم الفكرية والسياسية، ثم كانت عواقب كل ذلك احتلال العراق وما خلفه من حكم طائفي سياسي مقيت يثير الحقد والكراهية بين أتباع الديانات والمذاهب ويؤجج الصراعات والنزاعات والموت والخراب بالبلاد، وما جلبه من إرهابيين باسم الإسلام السياسي وفساد سائد ومدمر.
تحدث عالم عراقي في واحدة من الندوات التي تبحث في بيئة العراق وأشار إلى أن البلاد تعاني من بيئة كارثية تتسبب بمزيد من الأمراض السرطانية وناجمة عن سياسات تتميز بالجهل وبعيدة كل البعد عن المسؤولية والعقلانية وتقود إلى مزيد من المرضى والموتى في صفوف الشعب، وأورد مثالاً عن مصفى الدورة وانتشار الأمراض السرطانية في العمود الفقري بسبب استخدام أسوأ أنواع النفط في هذا المصفى، وهو تابع لوزارة النفط العراقية. وأشار العالم العراقي إلى أنه كتب إلى وزير النفط السابق حسين الشهرستاني موضحاً المشكلة في مصفى الدورة ومحذراً إياه من استخدام هذا النوع من النفط ولكن دون فائدة، إذ لا جواب ولا إجراء أي "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" ! (سورة البقرة)
العراق لا يعاني من كارثة واحدة، بل من كوارث كثيرة في حقول السياسة والاقتصاد والمجتمع والبيئة، في الطب والصحة العامة والتعليم بمختلف مراحله، في النقل والمواصلات والاتصالات، في السكن وهندسة المدن وفي المجاري والشوارع وانتشار القاذورات التي تعم شوارع وأزقة البلاد في العلاقة بين الحكومة والفرد وبين أفراد المجتمع، العراق يعاني من كارثة الرثاثة في جميع المجالات دون استثناء. فمجلس النواب ما يزال يشكل بطبيعة بنيته الطائفية السياسية كارثة، وبنية الحكومة لا تختلف عن ذلك، وكذا الحال في القضاء العراقي الذي يشكل مع رئيس القضاء الأعلى واحدة من أسوأ الكوارث التي تواجه العراق والتي لمسناه بشكل صارخ في قضية ابنك المركزي التي أصبحت لطخة عار في القضاء العراقي. العراق في المرحلة الراهنة كله كارثة، ابتداءً من اجتياح محافظة نينوى من قبل عصابات داعش المتوحشة الذي حصل في العاشر من شهر حزيران حتى الآن، وقبل ذاك بوجود الكارثة الفعلية بعينها وأعني به نوري المالكي الذي كان على رأس السلطة التنفيذية لمدة تسع سنوات عجاف ومدمرة، واليوم يحتل منصب نائب رئيس الجمهورية وصاحبه يحتل منصب وزير خارجية العراق. والسؤال هو: أي من مجالات حياة الإنسان بالعراق لا نجد فيها كارثة.
فالإرهاب الدموي المستمر والقتل اليومي للناس الأبرياء والفساد الذي يشفط المليارات من الدولارات الأمريكية سنوياً، وقطاع النفط، هذه الثروة التي حبتنا بها الطبيعة، هي الأخرى تحولت إلى كارثة فعلية ببلادنا وحولت الدولة العراقية إلى دولة ريعية فقد المهيمنون عليها لعقود طويلة الإحساس بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية، وحقه في نفطه.
إن العلل التي كانت وراء ما يعاني منه العراق حالياً تتلخص في الُنهج الذي مورس خلال العقود المنصرمة التي تميزت بالشوفينية والعنصرية والطائفية والتمييز الديني والتي اقترنت بحروب واحتلال وإرهاب وفساد وموت وخراب. والسياسي العاقل الذي يصل إلى هذا الاستنتاج، يدرك بأهمية الخلاص من هذه العلل الفكرية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي يعي أهمية التخلي عن النهج الشوفيني والنهج الطائفي والتمييز الديني وربط الدين بالدولة أولاً وقبل كل شيء، وهذا يستوجب دون أدنى ريب التخلي عن المحاصصة الطائفية اللعينة والمدمرة للمجتمع وقيمه والمتجاوزة بفظاظة على هوية المواطنة الحرة والمتساوية وعلى حقوق الإنسان وعلى أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالبلاد.
إن هذا يعني بأن العراق بحاجة إلى رؤية جديدة للمجتمع وأفراده والعلاقات المتبادلة بينهم وبين السلطات الثلاث في الدولة العراقية والتي كلها بحاجة لا إلى إصلاح فحسب، بل وإلى تغيير حقيقي في النهج والمنهج وفي السياسة والاقتصاد والقضاء وفي معالجة أمراض المجتمع النفسية وفي الأفراد. فهل توصل السيد الدكتور حيدر العبادي إلى هذا الاستنتاج والمعالجة؟ يتمنى المرء ذلك!
المجتمع العراقي مريض نفسياً وحكامه وسياسيوه وقضاته في الغالب الأعم أكثر مرضاً والكثير منهم مصاب بعمي الألوان، وهي الكارثة الحقيقية الكبرى. وينبغي أن لا يصدمنا هذا التشخيص بعد كل الذي عانى منه الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية النظيفة على مدى العقود المنصرمة، بما في ذلك السنوات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية البعثية الصدَّامية الغاشمة. يمكن لعلماء النفس الاجتماعيين أن يدلونا على المعالجات الضرورية. ولكن سوف لن تكون كافية ما لم يكن العلاج حزمة كاملة من السياسات والإجراءات المتشابكة والمتفاعلة في ما بينها والمؤثرة والدافعة بزخم كبير لفتح آفاق جديدة أمام المجتمع.
إن الانتصار على عصابات داعش وكل المليشيات التي تحمل السلاح تحت راياتها يتم من خلال نهج جديد وسياسات جديدة غير شوفينية وغير طائفية وغير استبدادية قهرية. والنهج الجديد يتطلب إزاحة من تسبب بما هو فيه العراق الراهن وخاصة في السياسة والاقتصاد والقضاء, وبإصدار تشريعات تنظم العلاقات وتحل المشكلات المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات، وفي ما بين مجالس المحافظات...الخ.
وأخيراً، وإذا أراد المجتمع، ولا بد له أن يريد، معالجة الأوضاع الراهنة، أن يعترف بكل صراحة ووضوح بأن المجتمع العراقي ما يزال، وبكل المعايير والقيم، يعاني من استمرار فعل الرؤى الشوفينية والطائفية السياسية والتمييز الديني وعواقب الاحتلال والكوارث التي تسبب بها والتي نجدها في كل مكان بما في ذلك الإرهاب الداعشي والمليشيات المسلحة والجريمة المنظمة والفساد والموت والخراب المستمرين. 
أكرر طرح السؤال على السيد رئيس مجلس الوزراء: هل توصل السيد العبادي إلى هذا الاستنتاج والعلاج؟ الإجراءات الأولى تشير إل ذلك، ولكنها ما تزال في البداية وبطيئة وما يزال بعضها متردد، ربما بسبب مقاومة من كانوا في السلطة حتى إزاحة المالكي والنجيفي من السلطة والمجلس النيابي، في حين ما يزال ثالث الكوارث، رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية يحتل الموقع، وهي إساءة كبيرة لاستقلالية القضاء العراقي التي ينبغي أن تسود!   
23/11/2014               كاظم حبيب