مداخلتي في موقع الحوار المتمدن
بطرس نباتي
مداخلتي في الحوار المتمدن مع الأستاذ د.حبيب عبدالرب سروري - بروفيسور جامعي ومفكر وباحث يمني- حول:
تأمل في جذور انحسارنا الحضاري.
مقارنة بين الحضارات
في البداية اشك بان هناك حضارة عثمانية ( حسب تسميتك لها أستاذي العزيز) لكون الدولة العثمانية لم تؤسس لحضارة طيلة وجودها الممتد لحوالي 800 سنة لأن من بداهة قيام الحضارة أية حضارة ، انها تقوم على ضفاف الانهر كالحضارات التي قامت في بلاد ما بين النهرين او حضارة الفراعنة في مصر أو الفينيقية على ضفاف البحر المتوسط والفارسية او الصينية ، كما ذكرتهما في بداية طرحك للحوار ، اما العثمانية فالمعروف عن ال عثمان انهم اقوام جبلية كانوا يعيشون في جبال اسيا الوسطى قبل نزوحهم و غزوهم للقسطنطينية .
ولكن حسب ما يذكره المؤرخون عن هذه الدولة والتي رزحت تحت حكمها دول وقوميات عديدة كانت في اوج عظمتها ابان القرن السادس عشر والقرن السابع عشر وليس في القرن الخامس عشر كما ذكرت في مقدمة طرحك للحوار وهذه العظمة يلحقها المؤرخون بالدولة العثمانية وليس بالحضارة العثمانية لأنه بالاصل لا وجود لمثل هذه التسمية من اساس تاريخي او معرفي (وهناك بون شاسع بين مفهوم الدولة ومفهوم الحضارة ) ، ثم هذه العظمة لم تكسبها نتيجة تمتعها بالحضارة لأن االحضارة تتمثل في مجمل النشاط الانساني المتجدد في جميع مجالات الحياة ، أما الدولة العثمانية فهي قد نشأت على الاوتوقراطية المنغلقة و أتخذت من نشر الدين الاسلامي مبررا في الظاهر من اجل غزواتها وفتوحاتها القليمية شرقا وغربا ، ولكن في باطن الامر كانت بغزواتها هذه تسعى نحو تحقق امتدادا اقتصاديا لتحقيق مصالح حفنة من الحكام والسلاطين الفاسدين.
اما انجازاتها في مجال الحضارة فان ما حققته لم يكن سوى مزيجا من حضارة بيزنطا وحضارة الفرس و ما دعيت لاحقا بالحضارة العربية الاسلامية التي استمدت مقوماتها عندما خرجت من بطن الصحراء لنشر الدعوة الاسلامية فيما بين النهرين وعلى حدود فارس وعلى شواطيء النيل و التي استقت معظم مقوماتها في الوجود ، مما نقله الكتاب وعلماء السريان الى العربية من مؤلفات في الفلسفة والعلوم والفلك عن اليونان والاغريق لمؤلفات كبار الفلاسفة والمفكرين بواسطة مترجمين مسيحيين وما برع منهم من الاطباء وعلماء الفلك من المسيحيين واليهود والفرس وغيرهم من سكان البلدان الاصلاء التي كانت بلدانهم تغزى من قبل الفاتحين القادمين الجدد بحجة نشر الديانة الاسلامية .
هذا المزيج الحضاري الذي تدعوه بالحضارة العثمانية لم يلبث طويلا حيث تراجع بسبب سقوط واندحار هذه الدولة بعد الحرب العالمية الاولى ، اندحار تلك السلطة الفاسدة دفعت .
اولا بالشعوب التي كانت ترزح تحت نيرها الثقيل والتي كانت تحتلها، إلى التطلع لىنيل استقلالها السياسي وبناء مقوماتها الحضارية ،
وثانيا _ بعد سقوط دولة ال عثمان لم تتمكن الدول التي نشأت من تكوين حضارة عصرية لأن شعوب تلك الدول ظلت متمسكة بذات القيم التي نشأت عليها الدولة العثمانية وفي مقدمتها الدين الاسلامي ، ثم القيم السيئة الاخرى كالغزوات والحروب كالفساد المالي والرشوة والمحسوبية وغيرها، والامر الاخر بعد تحرر تلك الشعوب من نير الدولة العثمانية دخلت طورا جديد ا ألا وهو تمزق حضارتها ومقومات وجودها على يد دول استعمارية هيمنت عليها و عملت على بقاء تخلفها الاقتصادي وبقائها مرتبطة بعجلة التطور الغربي اي تابعة للحضارة الغربية التي طورت اساليبها من حضارة اباطرة وبابوات ورجال الكنيسة الى حضارة عصرية اتخذت من التطور الاقتصادي وقيم مثل حرية الفرد في التفكير والابداع وتشجيع قيام الصناعة والتكنلوجيا ورفع مستويات المعيشة لمواطنيها ، ونشر المفاهيم الديموقراطية والليبرالية مع سن دساتير وقوانين متطورة تحدد عمل السلطات وتظهر استقلاليتها عن بعضها ، وعملت على تحجيم الفكر الديني وحسره داخل جدران المعابد ، مستفيدة من المفكرين والفلاسفة وكتاباتهم ، بينما كانت النظم الفاسدة تحتم على إحراق الكتب والابحاث التي كاتنت تدعوا إلى التحرر الفردي والانعتاق في تلك الدول والقوميات سواء إبان الاحتلال العثماني أو حتى بعد تحررها منه، ارى هذه هي الاسباب الرئيسية في المقارنة التي طرحتها استاذنا القدير... تقبل تحياتي
ملاحضة مهمة لم تكن ضمن الرد
الدول التي رزحت تحت نير الدولة العثمانية ومن ثم بعد الحربين الكونيتين تم تقسيمها بين الدول الكبرى الاستعمارية بحجة الانتداب او غيره لا زالت شعوبها تعاني من نفس الافات التي تدجنت عليها منذ القرن الخامس عشر على ايدي العثمانيين ولحد الان .
ومن هذه الافات التطرف الديني والمذهبي والطائفي المتمثل بالحركات الدينية المتطرفة آخرها وليس آخرها (داعش ) وأخواتها والفساد الاداري والمالي والرشوة وخيانة الوطن وعدم الشعور بالمواطنة الحقة والتهرب من القوانين والالتفاف عليها ، وعدم احترام ما كانوا تحت مسمى ( الرعايا) لدساتير دولهم والمواثيق سواء الوطنية او الدولية منها ،
ومن الملاحظ وبجلاء أن هذه الصفات والافات تقريبا تكاد تكون قواسم مشتركة فيما بين جميع الدول والشعوب التي تحررت من التبعية العثمانية سابقا وا لهيمنة الاستعمارية لاحقا.