زلزال العراق والموقف الدوليّ

المحرر موضوع: زلزال العراق والموقف الدوليّ  (زيارة 415 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 120
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
زلزال العراق والموقف الدوليّ

لويس إقليمس

أصابَ العراق زلزالٌ شديدُ القوة والقساوة بعد اجتياح مسلّحي الدولة الإسلامية، "داعش"، لمدينة الموصل الحدباء في 6 حزيران 2014 وسقوطها من دون مقاومة في أكثر أحداث الساعة غرابة ووسط ذهول وحيرة وتساؤل عموم الشعب العراقي والعالم. وقد توالى سقوط القرى والبلدات والمدن الأخرى التابعة لمحافظة نينوى في وقت لاحق من شهر آب 2014، ولاسيّما تلك التي كانت أمانةً في أعناق إقليم كردستان، الذي سبق واحتلّها في محاولة لضمّها لأراضيه باعتبار كونها من الأراضي المتنازع عليها، وله عليها حقُ القيمومة والتملّك من طرف واحد. عدّ الكثيرون تضحية الإقليم بهذه المناطق، تخاذلًا لقوات البيشمركة الكردية وقيادتها المناورة الانتهازية بسبب عدم صمودها والتزامها الدفاع عن تلك المناطق، بالرغم من الوعود العديدة التي قطعوها على أنفسهم لممثلي المكونات الاتي تشكلها، لاسيّما وأنّ ساكني هذه المناطق جلُّهُم من مكوّنات أقلّية من أديان وإتنيات مختلفة، من المسيحيين والإيزيديين والكاكائيين والتركمان والشبك وغيرهم، من الذين لا يملكون وسائل ولا ميليشيات للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وأراضيهم.
 هناك مَن يعتقد أن قيادة الإقليم قد فرّطت بهذه الأقليات فاضطرّت لبيعها لقوّة عاتية مقابل ضمانات فئوية وتبادل مصالح سياسيّة رخيصة، تمامًا كما فعلتها من قبل، الحكومة الاتحادية حينما ضحّت بها هي الأخرى لمصلحة الكورد في صفقة بين القوى السياسية والكتل المتصارعة منذ السقوط الدراماتيكي في 2003. وهذا ما استشفَّ مؤخرًا من تصريح رئيس الوزراء السابق، الذي مارسَ نظريتَه الطائفية وتهميشَه للمحافظات السنيّة عمدًا ومع سبق الإصرار. وأيًا كانت الأعذار لهذا الموقف غير الرصين والانتهازيّ، فقد سقطت هذه كلُّها على صخرة الاندفاع غير الاعتياديّ لإرسالٍ قواتٍ متمرّسة كردية من الإقليم للدفاع عن مدينة كوباني – عين العرب الكردية في سوريا والعمل على  تحريرها من أيدي داعش، بالرغم من كونها أراضي خارج حدود العراق الاتحادي وخارج أراضي الإقليم على السواء. والسبب واضح وضوح الشمس. فالعرق الكرديّ تنادى لمثيلِه، فيما قاطنو المناطق المتنازَع عليها، مواطنون من الدرجة الثانية لدى قيادة الإقليم. وإن كان من تفسيرٍ آخر، فلنسمعْه ياسادتي الكرام!
مَن يتابع عن كثب حجم المؤامرة التي تُنفّذ في المنطقة، وفي العراق بصورة أخصّ، وفق أجندة محكمة التخطيط والتطبيق والتنفيذ عبر أدوار موزّعة بعناية فائقة، سوف يلحظ عدم استثناء أيّ من الأطراف الطامعة والمتنازعة على مقدّرات هذا البلد المبتلى ببعض الساسة الحاليّين البعيدين كلَّ البعد لغاية الساعة، عن أيّ إحساس وطنيّ ومواطنيّ بما آلَ إليه حالُ الكثير من المواطنين ومنهم أبناء الأقليات على وجه الخصوص. فالأطراف الثلاثة المتصارعة والمتمثلة بالمثلث السنّي- الشيعي- الكرديّ، شريكةٌ فيها بطريقة أو بأخرى. وإلاّ كيف يكون تسليمُ الموصل وبلداتِها، وهي ثاني أكبر مدينة عراقية عريقة بأصالتِها وحضارتِها وبشرِها المتميّز، في ساعاتٍ، وباتفاقٍ سياسيٍّ، كما صرّح رئيس الوزراء السابق المتهم الأول في هذه الكارثة، باعتبارِه القائد العام للقوات المسلحة ومنه تصدرُ جميعُ الأوامر والتعليمات؟
الكلُّ أصبحت له قناعة وافية، في أنّ الأطراف الثلاثة المهيمنة والمتنافسة على السلطة في العراق، تحاول كلٌّ منها السطوَ على ما أمكنها من مغانم وامتيازات وحصص تعتقد أنها مِن حقّها. في هذه الحال، أين موقعُ حقوق باقي المواطنين الذين لا حولَ لهم ولا قوّة، وليس في حوزتِهم من ميليشيات أو أموال أو وسائل، غير الصبر الذي نفذَ والأمل الذي طار والرجاء الذي انطفأَ، بحيث يكون بمقدورِهم وضعُ حدودٍ دنيا للتجاوز على حقوقهم وطبيعةِ آدميّتِهم؟ حتى في مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة، لم تخفي الأطراف السياسية الثلاثة أطماعّها، وراح كلٌّ مكوِّنٍ منها يرفع سقفَ شروطِه ومطالبه المذهبية والقومية والسياسية، في صراعٍ واضحٍ على السلطة وبحثٍ مستميتٍ عن الجاه والمال والمغانم وفرض الوصاية الاستعلائية على غيره. فالمحاصصة كانت حاضرة وبقوّة في تشكيل حكومة العبادي، بالرغم من محاولاتِ الأخير العنيدة والصادقة ظاهريًا، بالحدّ منها والخروج بتشكيلة أقرب إلى التكنوقراط والشخصيات المشهودة بالكفاءة والحسّ الوطنيّ. ومع ذلك، فما تزالُ الفرصة، ربّما مؤاتية، لإخراج البلاد من النفق المظلم الذي ركنت إليه بسبب الأخطاء القاتلة والمتكرّرة لرأس الحكومة السابقة لولايتين متتاليتين. فالتحوّل الحاصل في الموقف الدوليّ حول محاربة تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وكذا النقلة الوطنية والشعبية في أخذ المبادرة الهجومية بتحرير مناطق كان هذا التنظيم قد سيطرَ عليها في وقت سابق، قد تكون الخطوة في الاتجاه الصحيح نحو إعادة خلق قاعدة وطنية تلمُّ شمل الفرقاء والمتخاصمين وتعيد اللحمة الوطنية للنسيج العراقيّ المتفتّت والفاقد الثقة ببعضِه البعض.
مَن يتابع مجمل الأزمات التي عصفت بالعملية السياسية منذ ثماني سنوات تحديدًا، يلحظ بما لا يقبلُ الشك مدى تمسّك الأطراف المتسلّطة جميعًا الواقعة بمستنقع "الأنا"، بتلك المحاصصة البغيضة التي أوصلت البلاد إلى هذا النفق المظلم وإلى هذه النتائج المخيّبة للآمال التي فيها تحوّلت البلاد إلى كانتونات ومحميات قومية ومذهبية، لتعلن عن تقسيمٍ وتفتيت وتشظية أراضي العراق وترابه الواحد، وعن فصلٍ مذهبيّ وقوميّ لسكّانه على حساب وحدة الوطن وتماسكه، وذلك في خطوة لمحو حضارته وقلع شعوبٍ ومكوّنات من تاريخه ومن حياته. ومن الغريب، بل من المعيب أنّ أغلبية هذه الأطراف، تندّد وتتشدّق وتشدّد وتطالب بالتخلّي عن سياسة المحاصصة هذه، ولكنّهم في حقيقة الأمر والواقع، هُمْ مَن يسعون إليها والتمسّكِ بها بأرجلهم وفكرِهم وفي لهاثِهم تجاهّها بكلِّ جوارحِهم وقوّتِهم. غرابةٌ ما بعدها غرابة في الموقف وفي الفكر وفي الضمير!

كلٌّ يبكي على ليلاه!

جاءَ فقدان سيطرة الحكومة المركزية على مناطق واسعة اعتبرتْ مناطق متنازّع عليها، منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 لصالح المكوّن الكرديّ المتعنّت والمدعوم دوليًا لغاية الساعة، ليؤشّر خللًا كبيرًا في المعادلة الوطنية وفي صيانة وحدة البلاد. فقد كان له أكبر الأثر لاحقًا، في تواصل تفتيته على أسس مذهبية وإتنية وفق مصالح الأطراف المشاركة في العملية السياسية العرجاء. إنّه وبسبب النهج الطائفيّ البغيض للولايتين المتتاليتين للحكومة السابقة وإصرار الأخيرة على استبعاد النهج الوطنيّ في منهاجها وسياسة التهميش والإقصاء الواضحة، فقد فتحت الباب أمام أطراف مشاركة، وليست شريكة، كي تنتفض وتعترض وتنسحب من العملية السياسية أحيانًا، بسبب شعورها بالتهميش والتسلّط والإقصاء في اتخاذ القرار الوطنيّ، بحسب الاتفاق بينها لتقاسم السلطة وفق منهاج وطنيّ شفّاف، لا يستبعد أحدًا، حتى الأقليات من أبناء الشعب.
لكنّ ما حصل، أن الجانب الشيعيّ قد تسيّد الموقف وفرض أجندتَه وسخّرَ الدولة ومؤسساتها لصالح مكوّنه، منطلقًا مِن رؤية ضيقة الأفق، بأنّ الدور اليوم لهم، وأنَّ اليومَ يومُهم للانتقام ممّا كانَ ومازالَ يعتقد بتسيّد غرمائهم السنّة طيلة السنوات المنصرمة، متناسين أنّ الشعب العراقيّ برمّته كان مُغيَّبًا ومستبعَدًا ومضطَهَدًا،وليس هم وحدهم.
فيما ركبَ السنّة فكرَتهم العنادية ولم يحكموا العقل والحكمة في كيفية استثمار قدراتهم من خلال المشاركة الفعليّة في الحكومات المتعاقبة التي ترأسها الجانب الشيعيّ. كما أنّهم لم يستطيعوا تحويل تهميشهم السياسيّ أحيانًا، واستثماره ما أمكنَ في الأروقة السياسية المختلفة مثل الأكراد، ومنها العربية والدولية والصديقة، لكسب الودّ والتحشيد لصالح تهميشهم، إلاّ مؤخرًا. وما عدم مشاركتهم في كتابة الدستور الأعرج، سوى القشّة التي قصمت ظهرَ مطالبهم وحقوقهم التي ذهبت أدراجَ الرياح، حين كتابتِه لصالح غرمائهم الشيعة والانتهازيين من أصدقائهم من المكوّن الكرديّ، بعد تضمينه مطبّات عديدة وقنابل موقوتة انفجرت وما تزال نتائجُ انفجارِها المفجع تتجسّد في حياة المواطن. فقد أذنبوا، ليس بحق مكوّنهم  السنّي فحسب، بل بحق المكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات التي نالت قسطًا وافرًا من ذلك التهميش والاستبعاد والخيبة والخذلان لغاية الساعة، هي الأخرى.
كما أنّ الجانب الكردي، من طرفه، لم يدّخر جهدًا بانتهاز الفرص والمناسبات لتجيير ما استطاعَ لصالح قوميته الكردية واستدرار عطفِ دول العالم لاقتناص المساعدات الوافدة وتعزيز مقدّرات الإقليم التسليحية والمادية ووضع اليد على الثروات الطبيعية المستخرجة من أراضيه لصالحه، خلافًا للدستور الذي يحتّم أن تكون الثروات الطبيعية من حقّ المركز في الاستخراج والإنتاج والتوزيع والتسويق. لقد نجح الأكراد في عنادِهم مدعومين باستشارات دولية في كسب ودّ الغرب المتحيّز دومًا ولغاية الساعة لجانبهم، تمهيدًا لتشكيل دولتِهم المستقبلية الجامعة التي ستتضمن بالتأكيد مغانم من كلّ من سوريا وإيران وتركيا على التوالي، بحيث سيُخلقُ كيانٌ طائفيٌّ وعرقيٌّ جديد في المنطقة إلى جانب دويلات طائفيةٍ سنّية وأخرى شيعيّة، لتنضمّ هذه جميعًا إلى ذات شكل الكيان الصهيونيّ العنصريّ الذي خطَّطَ له وهو يتطلّع اليوم الذي فيه هذه جميعًا، تُبصرُ النورَ وقد تحقق مشروع الشرق الأوسط بحلّتِه الجديدة كي يسهل على الغرب وأعوانِه السيطرة على منابع الثروات االهائلة في المنطقة. كلُّ هذا تمّ التخطيط لهُ منذ سنوات وهو يجري سرّيًا بالاتفاق مع عدوّة الشعوب المستضعفة أميركا وأعوانِها الغرب التابع الذي استساغَ اللعبة وهضمَها وصفّقَ لها بكلِّ جوارحِهِ.
مجمل هذه الأحداث، وغيرُها كثيرٌ، قد ساهمت في الزلزال الذي أوصلَ البلاد إلى ما هي عليه اليوم، من مآسٍ وتهجير ونزوح جماعيّ من مناطقها الأصلية الساخنة، ومن مناطق أخرى غيرها من التي تزداد سخونة بسبب استمرار سيطرة ما تُسمّى "دولة الخلافة الإسلامية"، داعش، على مناطق شاسعة من البلاد وتهديدها العاصمة بغداد أحيانًا، بل وكردستان التي كانت تعتقد أنّها ستكون آمنة، ما شاء القدر. وما جرى من عمليات تهجير قسريّ ونزوح جماعيّ بسبب أعمال بربرية أعمل فيها التتار الجدد السيفَ بعد رفعهم راية "لا إله إلاّ الّله"، وما ارتكبوه من جرائم إنسانية ومن أعمال قتل وسلب ونهب وسبي نساء من مناطق تواجد أبناء الأقلية الإيزيدية في سنجار وزمّار وتلعفر وشنكال وما حولها، وكذلك في سهل نينوى في مناطق قضاء الحمدانية في بلدات قرةقوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة وبحزاني وتلكيف وباقوفا وباطنايا وتلّسقف وأخرى غيرُها، كلّها نتائج للصراع السياسيّ على السلطة بين أطراف المثلّث المتسيّد على الساحة العراقية لغاية الساعة. وما لم يخرج العراق تمامًا من الحلقة الطائفية المفرغة ونهج المحاصصة الطائفية في حكم البلاد والعباد، فلنْ تقومَ له قائمة بعد الآن. فأيامُنا ووجودُنا وهويتُنا العراقية الوطنية على المحكّ، ولا خيارَ لنا جميعًا سوى التكاتف معًا لقلع الآفة الكبرى المتمثلة بعصابات "داعش" واجتثاث سرطانِها من أصلِه كي ينعَم الوطنُ والعبادُ والمنطقة والعالم بسلام واستقرارٍ مقبولَين.
إنّ الأحداث المأساوية الأخيرة بعد سيطرة داعش على ما يقرب من ثلث أراضي العراق، قد تركت أكثر من مليونين من السكاّن الآمنين، وجلُّهم من أبناء الأقليات التركمانية والمسيحية والإيزيدية والشبك، ناهيك عن مجاميع من مناطق عربية ساخنة، تُركوا في مهبّ الريح، بعد أن هاجمتهم الذئاب والضباع وأصبحوا بين ليلة وضحاها بلا مأوى ولا مال ولا أمل . لقد اضطرّ هؤلاء جميعًا، لترك مناطقهم وبلداتهم وأملاكهم ومساكنهم للعصابات المسلّحة القادمة من خارج الأسوار، والتي تتشدّق وتزعم بعملها بحاكمية الله وتطبيق الشرع الذي يقرُّ اغتصاب النساء واعتبارهم سبايا وجواري، وكذلك قتلَ الناسَ ونحرَهم بدماءٍ باردة، وتهديد غيرِهم بترك دينهم المختلف أو الموت حدًّا أو دفعَ الجزية، وكأننا نعيش في زمن التخلّف والجهل والظلمات.
 لقد تبدّدت وتبعثرت وتشرذمت شعوبُ هذه المكوّنات المقهورة في أرض الله الواسعة التي ضاقت بهم، بسبب الحاجة ونقص الغذاء والدواء والمأوى اللاّئق والأمراض المتفشية. فما زال العديدُ منهم يفترش الخيم في الساحات العامة أو في هياكل الأبنية وقاعات الكنائس التي فتحت أبوابَها مشرعة أو مكرَهة. ومَن وجد خيمة تقيهِ حرّ الصيف الّلافح وبردَ الشتاء القارس، أوغرفةً في فندق أو مأوى يدفع ثمنًا باهضًا لإيجارها، فهذا محظوظٌ. ولكن، مع تأخر الجهات المعنية في معالجة قضية السكن المهمّة وقد أطلَّ الشتاء بكلِّ عتوِّهِ وزمهريرِه وأمطارِه، اصطدمَ النازحون والمهجَّرون بالواقع المرير، وهم اليوم أمام معطيات جديدة ومريرة حيث استؤنفت الدراسة في عموم البلاد ولاسيّما في أراضي الإقليم الذي آوى أغلبية هؤلاء النازحين الذين فاقت طاقتَه بهم. فماذا يا تُرى أصبحَ مصيرُهم؟ حتى مشروع "الكرفانات" المقترَح لم يكتمل بعد، والناجز منه ما زال خارجَ المواصفات الآدمية. فإلى متى المعاناة؟ وحتى متى الكربُ والضيقُ وشظفُ العيش؟ وكمْ ستستمرُّ الإهانات؟
ولا ننسى، مَن ضاق بهم الوطن، فآثرَ تركَه للذئاب المستعرة والضباعِ السوداء الكارهة للحياة. فمَن تركَ الوطن، فقد فعلَها مكرَهًا ونافضًا الغبار الذي علَق في أرجله طيلة السنوات المضنية من حياته فيه وبين حناياه. هؤلاء تركوه جريحًا، ليسَ تمامًا كما سبق وفعلَها غيرُهم قبلهم. بل فعلوها بعد أن ضاقَ بهم الوطن وفشلت الدولة بمعالجة أوضاعِهم بالسرعة المرتجاة. تركوه جريحًا بين أنياب عصابات خارجية أوغلت بالفتك به، بسبب صراعاتِ ساسةٍ غير حريصين على مستقبله وغير أمينين للحفاظ على النعمة والوديعة التي أولوها إيّاها يوم انتخبهم الشعب ولم يفوا الوعد. إنْ هؤلاء، إلاّ تجاٌر بشعوبهم، لم يستوعبوا دروس الحياة! فالدائرة تدور طالما أن الحياة قصيرة ولا مناصَ من الإفلات من المصير المحتوم المرسوم للبشر، مهما طغا واستأسد وفسد. وكلُّ ما ردَّدُه المهاجرون السابقون وما يردِّدُهُ النازحون والمهجَّرون قسرًا اليوم، وغيرُهم كثيرون من فاقدي الأمل والرجاء، أنَّ الوطنَ الذي لا يقدّمُ الكرامة اللاّئقة والخبزَ الأمين والعملّ المشرِّف اعتمادًا على الكفاءة والجدارة والأحقيّة،  فمثل هذا الوطن، بحسب هؤلاء، لا يستحقُّ خدمة المواطن الطيّبِ النيّة وحرصَه ومحبتَه وتضحيتَه وسفكَ دمائِه من أجلِه ومن أجلِ الفاسدين فيه ممَّن يعيثون في الأرض فسادًا. ومن ثمّ فإنّ هؤلاء القادمين الجدد والغرباء عنه، لا يستحقون التنعّم بخيراتِه، لأنهم ببساطة غير جديرين بها وليست من حقِّهم.
أمّا موضوع الهجرة، موضوع الساعة، فما أشدّه ألمًا لو حصل وفرغت البلاد من مكوّنات أصيلة كانت فيه بمثابة ورود مختلفة الأشكال والألوان والعطور، تزيّن حديقة العراق الوارفة آنفًا. لقد خرجت هذه الظاهرة عن السيطرة، بعد الاسترخاء الواضح لزعماء الدول المشاركة في التحالف الدوليّ وعدم كفاية الضربات الجوية التي يشّنها هذا التحالفُ  مكرَهًا، ونيّة هؤلاء الزعماء المغرِضة بتأجيل تحرير المناطق المحتلة من قبل عصابات "داعش" الإرهابية. وهذا ما يشيرُ بشيءٍ من الأسى، إلى كون هذا التأخير يصبُّ في صالح المخطَّط المرسوم دوليًّا لدفع النازحين والمهجَّرين إلى قطع الأمل والرجاء بالعودة إلى ديارهم وقراهم واستعادة أملاكهم على المدى القريب. فكلّ الدلائل تشير إلى هذا الاتجاه، وهذا ما أكّدَه قائد التحالف الدوليّ وأركانُه وسائرُ الزعماء المتورطين في المشروع، من كونِ حملة التحرير قد تستغرق عامين إلى ثلاثة بحسب تقديراتهم، بالرغم من اعتقادِنا أنّ المسألة لا تستحقُّ الإطالة لأكثر من 3-6 أشهرٍ، فيما لو عُقدت النيات الحسنة وعزمَ أهلُ النخوة ومحبّو الإنسانية والوطن للخلاصَ من عدوٍّ عاتٍ كادَ يهدّدُ الأمنَ والسلمَ الدوليّين أيضًا.
أخيرًا، نحن واثقون جميعًا، أنّ الهجرة ليست الحلَّ الأمثل والأصلح والأفضل. قد تكون ملاذًا مؤقتًا للبعض، ولكنها بطبيعة الحال لن تشكل خلاصًا للمشكلة. وما أجلَّها من معضلة حين يصطدمُ المهاجرُ بواقعٍ جديد مختلفٍ تمامًا عمّا عاشَهُ وشهدَه! ولكنْ، من حيثُ لا مناصَ من التخلّص من وبالِ التهجير وأوضاعِه المأساوية لمَن يبقى بلا مأوى ولا مورد ولا كرامة، فهو كمَن يعيشُ خارجَ الزمن بلا وطن يأويه ولا أرضٍ تحويهِ. فالهجرةُ هنا تبقى أمرًا مباحًا وقرارًا شخصيًّا يتخذُهُ الواحدُ فردًا أوجماعةً.
إنّ الهجرة الجماعية، إنْ حصلت، ستكون وبالاً على الوطن والمنطقة. كما أنّها ستعني انتصارًا للقوى الطاغية والعصابات المتاجرة بدماء الشعوب وأرواحهم على المستوى التاريخي والثقافي والحضاري والإنسانيّ والاجتماعيّ والتراثيّ. وما يُثارُ عن فكرة "لا مستقبل للأقليات في العراق"، ليس مقبولاً البتة. فلا يمكن اقتلاع شعوبٍ من جذورها بهذه السهولة. فذلك من سخرية الأقدار لو حصل. بل سيذكرها التاريخ في سجلّ جرائم الدول الكبرى التي تدير مثل هذه المزادات والصفقات في عصر العولمة الجارف، عصراللّاحضارات والفوضى الخلاّقة وغياب الأخلاق والآداب.

لويس إقليمس

بغداد، في 24 تشرين ثاني 2014

غير متصل Hermiz Hanna

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 106
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
  الاخ لويس -  نشارك الراى الذى اشرت اليه بخطا عدم مشاركة السنة في عام 2006 على ما اظن . اتذكر بانه  كنا من نقول لهم انذاك يجب عليكم المشاركة في هذه االانتخابات لكونها مصيرية وعدم فسل المجال امام الاخرين ليحتلوا مواقعكم وقد كان جوابهم بانهم لن يشاركوا في الاىنتخابات لكون البلد محتل. ما هذا العذر غير المنطقي يا الاخي ؟ هل كان المحتل يمنعك من الادلاء بصوتك ؟ وهل كانت جموع الشعب عند الطلب اليهم بالذهاب الى الاستفتاء لانتخاب القائد الضرورة عملية ديمقراطية ام كانت ترهيب  ؟ ولماذا هذا التعنت . وبعد ان ظهرت النتائج وحصول الشيعة والاكراد علي جميع المقاعد بدا البعض من هؤلاء بالندم بعدم المشاركة بغية عدم فسح المجال لطائفتين فقط باستلام مقاليد الحكم وغياب السنة من هذة العملية التي كانت ديمقراطية رغم كل ما يقولونه بان عدم المشاركة فيها كان بسبب كون البلد محتل .  وهل البلد لم يكن محتل من قبل  الرئيس السابق وازلامه لمدة اكثر من ثلاث عقود ؟ ام ان ذاك كان عراقيا وهؤلاء هم محتلين كفرة ؟