طرائد العمر المنسي من برج الكلمات


المحرر موضوع: طرائد العمر المنسي من برج الكلمات  (زيارة 1599 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 943
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


طرائد العمر المنسي من برج الكلمات

كريم إينا


صدر للشاعر حارث معد مجموعة شعرية بعنوان: " طرائدي كلماتي"  الطبعة الأولى سنة 2013 مصمّم الغلاف: أحمد معد طبعت المجموعة في مطبعة الديار بالموصل يقع الكتاب بـ (120) صفحة إحتوت المجموعة على (36) قصيدة والكتاب من الحجم المتوسط بقياس(24x 16) بدأ الشاعر بأوّل قصيدة عنوانها: " وأدمى أصابعي طائر الكلام" ص (5) حيث يقول: / كفقاعة في كوب قهوة ساخن/ وكأنّه يقرأ خطوط الفنجان نرى مفرداته كالسيل الهادر طافح يخرجُ كرغوة صابون الصباح عندما نغفو ونصحو برغوته،يرجع الشاعر ليذكّرنا بضرورة الكتابة بالقلم لأنّه السبيل الوحيد للوصول إلى المعرفة. لديه إستعارات جميلة مثلاً في ص (6) يقول:/ وعلى سريري شمسٌ مستطيلة تتسلّلُ من الشباك. ويسرد الشاعر قصّة كتبه الغزيرة التي لا يسعها مجرّ خزانته وهو يصفُ القلق المريب الذي يصيب مدينته في الآونة الأخيرة كأنّها غدت مدينة الأشباح فيطلق عليها كلمات عابرة منها:عقم الأرصفة،طريقي الأسود،ورائحة الأعقاب، الإختناق لا زال موجوداً في كلّ مكان كالحفر المجوّفة. وفي قصيدة" طفل وقح.. ونهرٌ بلا إيقاع" ص (9) ينقلنا الشاعر حارث إلى أجواء حارة وباردة مع إختلاف الزمن بينهما بدليل أنّهُ ذكر إحتضار الثعبان وتعفّن ضلوع الشتاء. يستسقي الشعاع بعد تملّصه من فكّي نورس ويُحلّقُ بعيداً نحو الأفق وهو يتمنّى بأن يرجع كما لو كان طفلاُ في السابق، وهو ينقدُ بشدّة مجاري المياه المسدودة في حيّه التي تركت بدون تنظيف فوصفها بالإنبوب العاجز، وظّفَ شاعرنا هنا مفردة دربكة التي تهزّ الجسر الحديدي من جراء سير الحافلات عليه. وفي ص (14)  يوحي إلى منارة الحدباء الأثرية بقوله:/ والمنارة المائلة/ دونَ أن أبرح مكاني/ ولكن ماذا أفعل/، وضع فارزة بدل علامة الإستفهام وكأنّه يبوحُ لنا بأنّه ما زال مستمراً لحين أن ينتهي من قضم شاربه المصبوغ بالنيكوتين. إختار الشاعر هنا عنواناً جميلاً لمجموعته" طرائدي كلماتي" التي تتركُ فراغاً واسعاً للقارىء كي يفكّرُ في دواخلها من فلوات. يلمّح هنا إلى الشخصية المعروفة " روبن هود" منقذ الفقراء وقبلها كان يمثلُ دور آدم العاري المطرود من الفردوس الملفوف بأوراق التوت. وثمّة قصيدة" حفلة للتلميع" تذكّرني بالمتنبي عندما خطف كتاباً من يد أحد الورّاقين ووضعه في كمّه وهرب حسب قوله:/ قلّبوا ياقاتكم/ وكفّوا الأكمام/. يضربُ شاعرنا هنا أربعة عصافير بحجر واحد أوّلهما: رداءة البطاقة التموينية وثانيهما: التوزيع الغير العادل للمنتجات النفطية بين شرائح المجتمع وثالثهما: إنقطاع التيار الكهربائي في مدينة الحدباء ورابعهما: المسرح التجاري الغير الجاد والهادف. وهي مجرّد وخزات متقطّعة يزرعها هنا وهناك علّه تلقى آذانٌ صاغية أو ثمّة بصيص أمل. أمّا في قصيدة "مشهد لم يكتمل" ربّما يلمّح الشاعر إلى الحذاء الثمين الذي ضُرب به بوش من قبل الصحفي منتظر الزيدي من خلف الكواليس. أو ربّما يقصدُ ثيمة أخرى كنثر العنقود بلا هوادة على الراقصات في الحانات. يجمع الشاعر هنا أشياءً مشتركة في اللحن فيما بينها: موسيقى الروك،كسّارة البندق،بتهوفن، أوبرا،الضجيج كلّها كلمات مترابطة كحوار خيطي يشدّ الجمهور كأنّه يشدّ حبال السفينة بمجذافه منوّهاً إلى الشاعر الرائد معد الجبوري الغزير الإنتاج بقوله: بأنّ الأوراق تتعرّقُ على وسادته. وفي قصيدة سندباد يحكي عن نومه المندهش وخطوات أمّه عندما/ تعدّ الإفطار الغني بالكولسترول/ /وصوت زقزقة الأبواب/. كنتُ أتمنّى لو قال: صوت صرير الأبواب لكان أكثر وقعاً في نفس المتلقّي لأنّ الزقزقة تكمنُ للعصافير. وفي ص(36) ما أجمل الصورة حين يقول:/ دعوني أهزّ غصن توت يوقظُ فيّ الخيالْ/. أمّا ص (54) في قصيدة" خذني من رصيف الألفية الثالثة" يصف الشاعر مدى رذيلة الغرب وهم يرسلوا لنا قشور لذّاتهم كالدهّان الممغنط. وتظهر قصيدة ص (51) "تحكي عن عصر.. لا يسدّ فم القمر" عن علم الأحياء وكيف كانت الكائنات كالدينصورات الضخمة والسحالي والزواحف وما آل إليها من إنقراض على سطح القشرة الأرضية. أمّا في قصيدة" منفرداً أصرخُ في الفجاج" ص (94) يظهرُ فيها تحوّل فكري وفنّي في طريقة بناء قصيدته يبني مقاطعهُ الصارمة الأقرب إلى الرومانسية بقوله:/ مثلَ راع يواسي الخراف/ يشير إلى بعض الأنبياء الذين لمسوا تلك المهنة، وهذا في الحقيقة يفضي إلى الإستطراد بشاعرية متدفقة مثل السياب، ويتبيّن ذلك جلياً في قصيدة" هذا النهرُ الشاعر الذي لا ينام" ص (97) تظهر ميوعة الرومانسية وتهاويلها برمزية محددة ذات ذائقة لغوية. ونرى أيضاً نزعة نزار قباني الطارئة في نفس حارث معد لما يوغلُ فيها من الموروث الحضاري الأصيل الغير المزيّف وهو يطابق بين الماضي والحاضر والمستقبل. وتظهر قصيدة" وقفة في الهوّة" ص (111) يقول:/ إنتظرنا أن نسمع/ وقع الخطى/ بينَ صخب الخيام الممزّقة ودربكة القطعان/. يرى أمامهُ الماضي الدفين مختزن عندهُ بدليل هناك إصغاء لفراغ شامل ملىء بالمضغة التركيبية نحو المجرّة التي ينشدها. ودائماً يكرّرُ مفردة دربكة التي تشير إلى الحركة والفوضى العارمة. نحنُ أمام تجربة صادقة عفوية بالغة الحساسية تفوق دور المراهق في الحياة، يبرر الشاعر بأنّه في حالة نفسية متمرّدة لأنّه إعتمد على صور متقابلة جاءت مبكرة للغاية حيث ينوّه إلى أسرار الشعراء الرواد عند مراهقتهم. ممّا يثيرُ في النفس الجياشة الشجن، تحية للقلم الذي يخلّد الإزدواجية بين الذات والعولمة. وفي قصيدة أخرى" وللمراهق أن يحتج" ص (133) يقول:/ يتجمّلُ بربطة عنق جذابة/ ويهدي إلى أشباه المراهقين/ مستحضرات التجميل كلّها خاصةً/ كريمات ترطيب السرقة!!/ يا حبّذا لو قال: يتهندم بربطة العنق بدل يتجمّل كان وقعها أكثر ولكن يحقُ للشاعر القول: ما لا يحقّ لغيره، أمّا في ص (116) ضمّت على قصيدة بعنوان" بين منفيين" فقد جعلها في الجزء الثاني من الغلاف تحت صورته تزيّنُ وجه قضاياهُ الفاترة لعنفوان المعنى، يبدو أنّنا أمام موهبة راسخة إستطاعت التحكم بملكة القصيدة سواء كانت القصيدة موزونة أو غير موزونة ومروراً بأدوات اللغة التي إستند عليها، أتمنّى لهُ الموفقية والنجاح في عمله خدمة للمشهد الشعري العربي.